www.alimamaltayeb.com 


www.alimamaltayeb.com 


سيا ا سد 
كولم 
سواه کب اتقو رام فة 


مسر مجلس حكماء المسلمين 
ریم )15( uslim Council of Elders‏ 


روا سے۷ سو ۷ ب 
مھا شر 
29 ھا ( 

7 
ss‏ ی ا سار 


4 


وو 9 0 10 
جح نيرمق 


> 
اليف ا 
عَلِىَ ر رین کک 
رد ر س سے شخ الاز هسرب 


www.alimamaltayeb.com 


5 | مجلس حكماء‎ 
Muslim Council of Elders 

الإمارات العربية المتحدة 

ص.ب 65 أبوظبي 

هاتف: 777 73 230 971+ 

فاكس: 4 12 44 2 971+ 

البريد الإلكتروني: info@muslim-e|ders.com‏ 
الموقع الإلكترونى: www@muslim-elders.com‏ 


فهرست الهيئة المصريّة العامة 
لدار التب والوثائق القوميّة: 


ط -2 القاهرة: دار القدس العربي» 
0ه / 9م. ١‏ 
ص ؛ 15 × 22 سم. 

عدد الصفحات: 336 

1 - الفلسفة الإسلامية 

2 - العقيدة وعلم الكلام 

3 - الفكر الإسلامى 

١ العنوان‎ - 4 


رقم الإيداع: 2019/279 
التر قيم الدولي: 978-977-6601-65-9 


الطبعة الثانية 
0ه / 9م. 
صورة الغلاف الخارجي: منظرٌ للجامع الأزهر الشريف 


بريشة المستشرق الفرنسي بريس دافين 
Prisse d'Avennes,‏ )1879 - 1807(. 


دار القدس العربي 2 القاهرة 
البريد الإلكتروني: da. ¶uds@ 9¬. c٥0‏ 


تصميم الغلاف: Media Pictures Adv.‏ 
وائل حسن - هاتف: 1113354001 20+ 
البريد الإلكتروني: wael .hasa2^86@gmai|.com‏ 


۱ لصف الطَاعِييٌ والت: لتنسيق: ناصر محمد يحيى 


ا ا 
2 

O يو‎ ES 
ات ا‎ ass 


(يْباعُ هذا الكِتابُ بسعر التّكلّفة وعائده حْصّص لطباعة ك التراث الإسلامي) 


جميعٌ حقوق اللكية الأدَبية الي للمؤلفي؛ ومْحْظَرٌ إعادة إصدارٍ هذا الكتاب. ويُمبّع تشه أو استعمال أيّ جزءٍ 
منه» بأيّ وسيلةٍ تصويريّة أو إلكترونية أو ميكانيكيّة» بها فيه التسجيل الفوتوغراني والتسجيل على أشرطة أو أقراص 
مُدْحةَ أو أيّ وسيلةٍ نشر أخرّىء با فيها حفظ المعلومات واسترجاعهاء إلا بِمُواقَقَةٍ المؤلف حطيا. 


www.alimamaltayeb.com 


محتويات الكتاب 


الموضوع الصفحة 
محتويات الكتاب 10 O‏ 
بقلم: المؤلف الأستاذ الشيخ علي شود كيفيتش Wae‏ 
مقدمة المترجم 00 
تمهيد مام دممح Wessels‏ 
الفصل الأول اسم مشترك 0000000 
الفصل الثاني من رآك فقد رآني 00000 
الفصل الثالث فلك الولاية E‏ 
الفصل الرابع الحقيقة المحمدية 0 
الفصل الخامس ورثة الأنبياء 00000 
الفصل السادس الأوتادالأربعة 00000000010010 
الفصل السابع أقصى درجات الولاية اا 
الفصل الثامن الخواتم الثلاثة 11 0001 
الفصل التاسع ختم الولاية المحمدية PFs‏ 
الفصل العاشر المعراج المزدوج Vecchia‏ 


www.alimamaltayeb.com 


www.alimamaltayeb.com 


بقلم: المؤلف الأستاذ الشيخ 

يرجع تاريخ دخولي في عالم الشيخ الأكبر ابن عربي إلى خمسين 
سنة مضت» ويرجع الفضل في ذلك إلى شيخ مسلم» ولد في أورباء هو 
الشيخ مصطفى عبد العزيز َء ومنذ هذا التاريخ البعيد بدأت خطواتي 
المترددة تأخذ وجهتها صَوبَ تراث الشيخ وكتاباته في آفاقها الواسعة 
والشاسعة» وقد حرّصت منذ ذلك الحين على أن أزود عقلي وحياتي أيضًا 
بمدد لا ينقطع من تعاليم هذا التراثِ ومعارفه الوهبية والكسبية؛ فكنت أقرأ 
في مؤلفات ابن عربي قراءةً منتظمة لم تتوقف يومًا واحدًا تقريبًا على مدى 
نصف قرن من الزمان» ثم بذلت جهدي في أن أنقل لغيري كل ما حصّلته 
من الميراك الأكبري» وهو ميراك عام يتم بسمة الشيوع والشمول: 
وبحيث كان على الغرب أن يتخذ فيه مكانه مثلما اتخذ الشرق مكانه 
فيه من قبل» لذلك لم يكن صدفة أن تظهر كتاباتي» عن ابن عربي وتراثه 
منشورة بال نة وببحض اللات الأوربية الأخرى أيضًا. 

وحين أعلمني الدكتور أحمد الطيب برغبته في ترجمة كتابي: «الولاية 
والنبوة عند الشيخ الأكبر محيي الدّين بن العربي» من الفرنسية إلى العربية 
-من بضعة أعوام خلت- تساءلت عن جدوى عمل كهذاء فهل يكون من 
المفيد أن يتر جم كتابي -هذا الذي أله لأخاطب به الغربيين-إلى قرّاءِ العربية 


www.alimamaltayeb.com 


۸ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
وعندهم تراث ابن عربي نفسه» بل وتراث كثيرين من تلاميذه وشراحه؟ 

غير أن د. الطيب أقنعني أخيرًا بجدوى هذا العمل وفائدته بالنسبة 
للقارئ العربي» وإنني لسعيد وأنا أشاهد اليوم نتيجة جهده الصبور في 
ترجمة ما كتبته بِالمَرَنسيّة إلى العربية» ترجمة تميزت بأمانة تامة» وقدرة 
على نقل أدق دقائق النّصِّ المَرّنسي إلى اللغة العربية. 

رإذا قدت فر اراب الي الى اع ى فيد دول ال ت جما 
سطَرته يدٌ الإنسان من صحف وكتب» فإني لأشعر بالسعادة والاعتزاز 
وأنا أقرأ مرة أخرى هذه الصفحات التي وإن تكن قد طال عليها الأمد منذ 
تأليفها؛ فإنها لتسترد في هذه الترجمة شبابها كرة أخرى. 

جزى الله صديقنا أحمد الطيب خير الجزاء. 


www.alimamaltayeb.com 


مقدمة اتج 

قل تبه تتف -أيّها القارئ المدقق! فيما يقصّه عليك ابن عربي» وقد 
تداق معة هرا أو ريات بدءًا من العناوين التي يبدأ منها أنظاره 
العرفانية» وانتهاء بما يريد أن يقوله للسَّالك المتذوّق في صَراحة أحيانًا 
وفي إشارة أو رمز في أغلب الأحيان. 

لكن الذي لا أظنٌ أحدًا يمكن أن يتمارى فيه هو أن من يُلقي بنفسه في 
خضَمٌ تراث ابن عربي الذي تمتزج فيه علوم العقل والنقل والذوق امتزاجًا 
عجيبّاء لا يسعه إلا الاعتراف -مشتارًا أو مُكرّهًا- بأن ههنا مستوّى من 
المعرفة -كائنًا ما كان موقفنا منه- يفوق كل طاقات البحث والدّرس» ويقع 
وراء كل الحدود التي وقف عندها جهابذة العلماء والمفكرين المسلمين. 

وهذه في حَدٌ ذاتها مُعضلة من مُعضلات تراث ابن عربي؛ إذ الصبر 
على فهم هذا التراث» ومحاولة ترتيبه» وربط خوافيه بقوادمه» والسيطرة 
على النعائج المستخلصة يتطلب عمرًا مديداة وجهدا شافًا لا يُطيقه إلا 
الأفذاذ من علماء العصر الحديث. 

كه وأنت تقرأ في الفتوحات -مثلا- تشعرٌ وكأنك في بحر متلاطم 
sS‏ 
ما تأخذ ولا ما تدع» ولك أن تقارن حالة ابن عربي هذه بحالة غالبية مفكّري 
الإسلام وعلمائه الموسوعيين من أمثال: الجاحظ وابن سينا والغزالي وابن 


www.alimamaltayeb.com 


3 الولاية والنبوة قش الق الأكبر معي الذيق بن العرق 
تيمية وابن َلدونء إن هؤلاء يمكن لك -في شيء من الجهد قليل أو كثير- 
أن تضع يديك على الأسُس العلميّة التي تحكم منطلقات تفكيرهم» ومع 
شيء من الجهد والصبر أيضًا يمكنك أن تتعامل مع آفكارهم» وتدرك وجة 
الصّوابٍ أو الخطإ فيهاء وتقرره بعد ذلك في حكم تطمئنٌ إلى سلامتهء لكنك 
ای صمو بالغ 6ا للك | اهار مع راد ايع ع ی فى 5 لافار 

ويبدو أن هذه الصعوبة نفسها كانت بمثابة «مسوّغات» أو «أعذار) 
مقبولة وكافية لدى معظم ناقدي ابن عربي في عصرنا الحديث» والذين 
اقتصرت محاولاتهم النقدية على ترديد مآخذ قديمة قيلت من قبل» وفرغ 
من أمرها منذ عصور خلت» وحسبك أن تلقي نظرة عجلى على ما يكتبه 
هؤلاء الناقدون -ومنهم علماءٌ فُصَلاء- لتتيقن أنَّ مبلغ علمهم بابن عربي 
وتراثه لا يتجاوز ما سجله قاد ابن عربي القدماء -وفي مقدمتهم شيخ 
الإسلام ابن تيمية- من مؤاخذاتٍ واتهامات مضى عليها قرابة ثمانية 
قرون» وكثيرًا ما يُعييهم معرفة موضع «الشاهد» على هذه المؤاخذات في 
تراث ابن عربي في هذا المؤلّفِ أو ذاك. 

ومشكلةٌ تراث ابن عربي -فيما اعتقد- أمران: 

الأول: موسوعيّةُ هذا التراث: وتنوعٌ مجالاته وحقوله المعرفية» 
ر غه بين هفاك الو لفاك ماين مجادات وة وكتب مريك 
ورسائل صغرى» وما بين مطبوع ومخطوط» وما بين صحيح النسبة 
ومشكوك في نسبته إليه ومنحول""". 
)١(‏ يذكر الباحثون في هذا المجال جهدًا علميا مشكورا قدمه الأستاذ عثمان يحيى كاله في 


أطروحته للدكتوراه بجامعة السوربون بباريس» والتي خصصها لمؤلفات ابن عربي» من = 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ١‏ 
الأمرٌ الثّاني: الل ن اله الذي يستحكم من وراء تعبيرات من 
جما التجبير انق واككرها وذة ومعديراغلى المشترق لوي أو الدّلات» 
مما يثير في ذهن القارئ ين متناقِضَينٍ تمام التّناقض؛ فقد يُحسرٌ الظَّنّ بما 
يقول» ويعود به - بعد تأويل ميسور أو متكلف- إلى المتعارّف عليه من قواعد 
الإسلام؛ وقد لا بُحسن الظن فيتوقف عند بعض المواضع ليكثّف من حولها 
أبعادًا وظلالا من الارتياب يتأدّى منها في آخر المّطافٍ إلى أن هذا أو ذاك من 
نصوص ابن عربي يصطدمٌ ويتعارض مع هذا الأصل أوذاك من أصول الإسلام. 
وأكبرٌ الظن أنَّ هذا هو السبب في انشطار علمائنا الأقدمين إلى طائفة 
مالت إلى تكفير الشيخ أو تفسيقه وتبديعه» وأخرى تَعَنّتْ بمكانته العليا بين 
اول الأو تناد لجل مسومو نولت لين توعيدي كان نان فى عله 
الحديث التَبويٌ دراية ورواية» كابن حجر الهيثمي والسيوطي وغيرهما. 
وأكبرٌ الظن أيضًا أن موقف التسليم أو «التوقف» فيما يُسْكِل من آراء ابن 
عربي هو أقرب إلى المنهج العلمي» والصمير الدّينيء منه إلى موقف التكفير» 
ونزع ربقة الین من عنقه؛ فابنُ عربي -مثلًا- يعلن شهادته بإيمانه بالله تعالى 
وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر على تفصيل ما جاء 
=حيث تصنيفها وتاريخها وأماكنهاء والمطبوع منها والمخطوط. والمفقود والموجود. 
في قائمة طويلة من مكتبات العالم في الشرق والغرب» التي استطاع زيارتها وفحص 
خزاناتهاء وقد ذكر المؤلف في رسالته أنه تسب إلى ابن عربي من المصنفات قرابة ألف 
OT‏ ل يي 


تاريخها وتصنيفها», القاهرة عام: 5ام. 


www.alimamaltayeb.com 


۱۲ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
به القرآن الكريم والسنة المطهرة» وحسب عقيدة أهل السنة والجماعة". 
وهو يُشهد الله تعالى وملائكته ومّن حَضَرّه من المؤمنين على ما يقول» 
ويعلنٌ شهادته هذه على التاس» ويكرٌرُها في مواضع عدة من كتبه ثم هو 
يتحدث عن مستوى من العلم مكنون يسمّيه: «علوم الأسرار» اختص بها 
الأنبيائ» وورثها منهم وارثوهم من الأولياء وَالمَلهَمِينَ» ويّروي في ذلك 
بسنده حديثًا صحيحًا يقول فيه أبو هريرة ص : «حفظت من رسول الله كَل 
وعاءين» فأما أحذهما فبثثته» وأما الآخر فلو بثثته قطع مني هذا البلعوم»”". 
وهؤلاء الوارثون مأمورون باستكتام هذه العلوم» وهو نفسّه يقص علينا أنه 
أذاع سرامن أسرار الحبٌ الإلهي في فاس عام 44 4ه فعوتب على ذلك . 
وكان يتمثل بقول الشاعر: 
لجات الاب ع الج أوذوانعكاس إنْتشأأوط زرد 


ومستخبر عن سز ليلى ردّذته بعمياءَ من ليلى بغير يقين 


ثم يُنبّهُ الشيخ إلى قصور اللغة» وعجز ألفاظهاء وعدم وفائها بالإفصاح 
عن علوم الأسرار والمخاطبات والمكاشفات» ومن نَم فلا مَفرّ من الرمز 
والتلغيز» والإشارة والتلميح بقدر الوسع والطاقة. 
ولا يترك ابن عربى قارئه نهبًا لهذه الشكوك؛ بل ينصحه بأن يصرفٌ 
)١(‏ راجع على سبيل المثال كتاب الفتوحات المكية «الشهادة الأولى») جاء ص ٠١۳‏ وما 
بعدهاء تحقيق عثمان يحيى القاهرة عام ۱۳۹۲ھ - 1917/7م. 
(۲) صحيح الإمام البخاري جا كتاب «العلم» باب ٤١‏ . 
)۳( الفتوحات المكية جا ص8 : 0 ط. دار الكتب العربية - مصر 79 ١اه.‏ 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۱۳ 
الألفاظ «المشكلة» عن ظاهرهاء ويطلبَ المعنى المَخبوءً» فهو وحده 
المطصرة بالحلر وده مظرو ةلك إلى ا : #اترجمان 
الأشواق اكد القارئ أن المسألة هنا مسألةً رمز مقصودٍ لا تستقيمٌ معه 
الذلذلة الان الوضية بحال. 


إِذَّأَيَّ دارس لابن عربي داخل هذا التخطيط المنهجي الذي أراد لقضاياه 
ومعارفه أن تدرس من خلاله لا يُغامر بتكفيره كلّما أشكل عليه أمر لم يجد 
له نظيرًا في الشرع» وإلا كان كمن يَضرِبُ عرص الحائط بكلّ هذه الضوابط 
والتحذيرات والتنبيهات التي حرص المؤلّفٌُ -عن قصد- أن يُصِدّرٌ بها 
موسوعته: «الفتوحات المكية»؛ بل يكذبه في شهادته التي اشتملت على 
عقيدته في الإلهيات والنبوات والسمعيات كماهي عند أهل السنة والجماعة. 
ds‏ كان لهف نر نل "كن E ONE‏ 
تكفير المؤمنينَ» ولعلّ علماءنا القدامى الذين توتّفوا في أمر القضايا 
المشكلة في تراث «الشيخ الأكبر» كانوا ينظرون إلى هذه الإشكالات 
ضِمنَ هذه الصوابط» وفي ضَوءِ ما توه قواعدٌ الإسلام من وجوب 
لتقف في مثل هذه الحالة. 
)١(‏ انظر - على سبيل المثال- قصيدته الرائعة التي يبدؤها بقوله: 
كل ما أذكره من طلل أو ربوع. أو مغان. كل ما 
والتي عدد فيها عشرات المفردات مثل» السحب والزهر» وورق الحمام» والبدورء 
والشموس» والبروق» والرعود. والرياح» والطريق؛ والجبال؛ والخيام» والربي» والخيل» 
والرياض» والغياض... كل ذلك: يقول عنه فى نهاية القصيدة: 
صفة قدسية علوية ا أن لصدقي قدما 


فاصرف الخاطر عن ظاهرها اتب الباق خي تلا 


www.alimamaltayeb.com 


1١‏ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبر محيي الین ب بن العربي 

ومن الجدير بالذكر أن ابن عربي لا يُلْمٌ الناس بما يقوله أصحاب 
المكاسّفات» ولكن يحَذّرُهم من تكذييهم بغير دليلٍ أو برهان: «فإذا أتى 
(صاحب الأسرار) بأمر جوّزه العقلٌّ» وسكت عنه الشرع؛ فلا ينبغي لنا أن 
نردّه أصلاء ونحن مخيّرون في قبوله. .. فإن كان الذي أخبر به حقا. .. قبلناه» 
وإلااتركناه في باب الجائزات» ولم نتكلم في قائله بشيء» فإنها شهادةٌ مكتوبة 
سال غنهاء قال تعالى > وسک سهد تع وسلود ل [الوعرفة 4335 

وقبل ذلك يقول: «أما العاقل اللبيب» الناصح نفسه» فلا يرمي به 
ولكن يقول: هذا جائز عندي أن يكون صدقا أو کذبًا»“. 


AM ¢ 


0 


وهذا الكتاب الذي أقدم ترجمته -من الأصل المَرّنسي ومن الترجمة 
الإنجليزية- لقَرَّاءٍ العربية» من الكتب القليلة التي أَحَدّت على عاتقها -في 
دعو عمق ا - بين مفهوم الولاية عند ابن عربي» والكشف عن كثير 
من أسرار هذا المفهوم المركزي في كتابات الشيخ الأكبر من الها إلى يائها. 

وقد استطاع المؤلّفُ -بما تفرد به من حضور متميز في تراث 
شيخه ابن عربي- أن يجني صفحات طويلةً كانت مجهولة لدى كثيرين 
فن 'العلناء والباحطيوء رحسب القارق أن يغلي أن الأمصاذ شود كفي 
-مؤلف الكتاب- قد جلس على تراث ابن عربي أكثر من نصفي قرنٍ من 
الرّمانِ» يدرسّه ويتعمّقَ فيه» ويستجلي غوامضّه في صبر يندر أن يتوافر 
لباحث في عصرنا هذا. 

SNS لدف عرفة المز‎ e, 
تراث الشيخ الأكبر» وطوايا مذهبه في التصوف وفي معنى الولاية على‎ 


:1414151 الفعوحات (ط. عثمان يحيى)‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۱۵ 
وجه الخصوص. 
وسيدرك القارئ آثارَ هذا التاريخ الطّويل في صحبة التراث الأكبريٌّ 
شونا وشروخاعونهاة وقطررًا: 
إن هذا الكتاب يناضل في مَيدانَينِ في آنِ واحد» فهو ينف عن رؤى 
الشيخ الأكبر وأنظاره وعلومه كثيرًا من الغبار المتراكم عليهاء ويُخلّضُها 
من فهوم غير صحيحة ازدحمت عليها أيضًا عبر أزمان طويلة ثم هو يعيد 
لتراك الشيخ وجهه الصدديم كما أراة صاحيه أن بث ركه عليه: 
بقي أن أقول: إنه كان من المأمول -حسب المنطق الطبيعي للأشياء- 
أن يتعرف الغرب على قِمَمِنا الرّوحيّةِ من خلالناء ومن ثمرات أقلامنا نحن 
الارن والناطقين باللغة العربية» وأن يفيدوا في فَهم مذاهبهم الرُوحية من 
كتابات أبناء هذا التراث» ومن أبحاثهم وتحليلاتهم» أما وقد انعكست الأمور, 
فإن هذا الكتاب -وبعيدًا كل البعد عن التعصب للشيخ الأكبر أو التعصب 
ضدًّه- لا شك سيغدو في يدٍ القارئ مصباحًا قوي الضّوء ينكشف به كثير مما 
كان مجهولّا من قبل في تراث ابن عربي» وسواء انتهى قارئ هذا الكتاب -في 
ترجمته العربية- إلى شيء من حسن الظن بابن عربي أو انتهى إلى شيء من 
سوء الظن به فالمُهمٌ في الحالّين هو حسن القَّهِم لمايقوله هذا الملهم العملاق. 
د. أحمد الطيب 
مدينة الأقصر ” جمادى الآخرة ٤١۹‏ ١ه‏ 


موافق ۱۹۹۸م 


www.alimamaltayeb.com 


۱٦‏ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
قال الشيخ الأكبر سلطان العارفين بالله محبي الدّين بن العربي الحاتمي: 
«ورد في الخبر الصحيح في صحيح مسلم عن رسول الله لاء أن 

قال: (إِنَّ الله جميلٌ يحب الجمالٌ» وهو تعالى صانمٌ العالّم» وأوجده على 

جو ت الال کا کی غا الال ما کے تمع ےا قد بيغ 
الله له الخ كله والجمال 1ا فما رای العارقرة ف ل مر ال 
[...] فهو المتجلّي في كلّ وجه» والمطلوبُ في كل آيةء والمنظورٌ إليه بكلّ 
عين» والمعبودٌ في كلّ معبود [...] فجميع العالّم له مُصَلّ» وإليه ساجد 
وبحمده مُسبّح, فالألسنة به ناطقة» والقلوبُ به هائمة عاشقة [...] ولولا 
أن هذا الأمر كما ذكرناه ما أَحَبٌ نب ولا رسولٌ أهلًا ولا ولدًّا». من كتابه: 


«الفتوحات المكية» الباب: 337/7, الجزء الثالث» ص45 : 5» ٤٥١‏ . 


www.alimamaltayeb.com 


مھ 


لههيد 


في عام 1840م وفي مدينة ليبزج» نشر المستشرق جوستاف 
فلوجيل 1111861 -Gustav‏ أحد تلامذة سلفستر دي ساسي- كتاب: 
«التعريفات» للجرجاني”"» ونشر بذيله مصِتَمًا صغيرًا بعنوان: «اصطلاحات 
الشيخ محبي الدين ابن عربي». وبتشر هذه الرّسالة الصغيرة التي ألفها 
الشيخ الأكبر في «مَلَطْيَة) عام ١٠٠ه/‏ ۱۲۱۸م حَطَتْ مصتفات ابن عربي 
خطوتها الأولى -على استحياءٍ- نحو دوائر الاستشراق". 
وبرغم هذا الاتّصال الباكر بين الغربيين وتراث ابن عربي فإن الدراسات 
)١(‏ ظهرت طبعة فلوجيل للتعريفات تحت عنوان: Definitiones Sejjidi Sherif‏ 
.Alib Mohammed Dschordshani‏ 
(؟) هذا المصنف هو كتاب اصطلاحات الصوفية أو كتاب اصطلاح الصوفية» وتوجد 
منه على الأقل غير طبعة فلوجيل هذ طبعتان أخريان: (ط. القاهرة ۷١۳٠ء‏ ط حيدر 
أباد «(۱4٤۸‏ وله ترجمة بقلم: Rabia Terri Harris‏ في: Journal of the‏ 
Muhyiddin [bn Arab Society‏ أكسفورد عام ٤۱۹۸ء‏ مجلد۳» ص۲۷- 
.٤‏ وقد فسرت المترجمة إشارة وردت في ذيل النسخة تتعلق بموضوع اكتمالهاء لا 
بموضوع التأليف ذاته تفسيرا خاطتًاء مما أوقعها في خطأ الحكم بأن كتاب اصطلاحات 
الصوفية لم يكمله ابن عربي» وإنما كتب بعضًا منه» وحقيقة الأمر هي أن صحة نسبة 
الكتاب لابن عربي لا يمكن أن تكون موضع شك بحال من الأحوال» وصحيح أن 
النسخة الأصلية المكتوبة بخط المؤلف» والموجودة بخزانة شهيد علي 7/017/ 275 
نسخة ناقصة وغير كاملة» غير أن النص الكامل لكتاب الاصطلاحات موجود بتمامه 
في الباب الثالث والخمسين من كتاب الفتوحات» مجلد؟ ص7/8١-175.»‏ وبحوزتنا 
المخطوط الأصلي لهذا الكتاب» وهو بخط ابن عربي نفسه. 


www.alimamaltayeb.com 


۱۸ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
الآولى الى المروت كي من الا فا تظير تن دزو ارق ١‏ 
بعد مُضيٌ فترة متأخرة يسا فقد كان علينا أن ننتظر عام ١١۹م‏ لكي 
ينشر نيكولسون في لندن كتاب: «ترجمان الأشواق)» مصحوبًا بترجمة إلى 
اللغة الإنجليزية» وصحيح أن ۴٣‏ كان قد ترجم في سنة ١10١م‏ إلى 
اللغة الإنجليزية رسالة منسوبة إلى ابن عربي بعنوان: «رسالة الوحدة»» وأن 
جوستاف أجيلي (عبد الهادي) ترجمها إلى الإيطالية عام ۷١۱۹م‏ ثم إلى 
الفرنسية عام ١٠191١م؛‏ غير أن نسبة الرسالة لابن عربي لم تكن للأسف 
نسبة صحيحة, مما أدى إلى الوقوع في أخطاء كثيرة. 

ثم جاء عام ۱۹۱۹م فكان على وجه الخصوص عامًا حافلًا بدراسات 
المستشرقين عن ابن عربي؛ إذ نشر نيبرج مجموعة رسائل بعنوان: 
Arabi‏ حله - Schriften des [bn‏ einereلKl‏ وهى رسائل صغيرة 
لابن عربيء قدَّم لها بمقدّمةٍ مطوّلةٍ. 

كما ألقى أسين بلا سيوس محاضرة متميّرَةَ بالأكاديمية المَلكيّة 
الإسبانية» كانت بمثابة «الأصول» التي انطلق منها في دراسته المعنونة ب: 
Musulmana en 12 Divina Comedia‏ 18502010512 وفى هذه 
المحاضرة أثار بلاسيوس قضية تأثير ابن عربي على دانتي» وهي قضية لا 
يزان الحديث عنها موصولًا حتى يومنا هذا". 
(1) راجع فيما يتعلق بهذه المشكلة مقدمة ترجمتنا لرسالة في الوحدة المطلقة لأوحد الدّين 

البلياني» باریس عام ۱۹۸۲. 


(0) نشو أسين بلاسيوسن في عام «Historica critica de Una Polémica :14۲ é‏ 
ملحقا ب 11/111511[111212 212 115226010 مدرید» غرناطه عام 5 ۱۹۲ . انظر فيما يتعلق = 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش 5 

وتوالت بعد ذلك سلسلةٌ من أبحاث بلاسيوس شجّعَته على نشر 
کتاب بعنوان 0115603212200 El Islam‏ عام ١197م,‏ وفي هذا الكتاب 
-وعلى غير ما يتبادرٌ من غنوانه- اتخذ بلاسيوس من ابن عربي موضوعا 
مو ریا دارك علية كل صفحات الكتاب من أوّلها إلى آخرها”". 

ثم ظهرت في عام ۱۹۳۹م في كمبردج دراسة للباحثِ المصريّ «أبو 
العلا عفيفي» بعنوان: «الفلسفة الصّوفيّة عند محبي الدَّين بن العربي». 
The Mystical Philosophy of Muhyid - din Ibnul-)‏ 
اع وتُعَدٌ هذه الدّراسة -فيما نعلم- أل رسالة جامعيّة كتبث في 
جامعات الغرب عن صاحب «الفتوحات). 

ثم تتابعت بعد ذلك في أعقاب الحرب العالميّة الثانية اهتمامات 
الباحثين بابن عربي سواء في مجال نشر النصوص أو الترجمة أو 
اللراسات: وسوف نشيرٌ إلى معظّم هذه الأعمال في خلال بحثنا هذا. 

Dante et L’ Islam d’aprés des بعنوان:‎ R. Rodiso1 بهذا الموضوع مقالة:‎ 


Revue de histoire des religions, t. المنشورة فى:‎ teravaux récents 
CXL. n 2, 1951, pp 203-6 

)١(‏ العنوان الفرعى» الذي لا يظهر على الغلاف» هو العنوان الذي ينطبق على محتوى 
Estudio del “sufismo” a través de Las obras de Abana bi de‏ 
2 وله ترجمة فرنسية ظهرت في باریس عام ۱۹۸۲ م» بعنوان 1151212 
«Christianisé‏ وفي هذه الترجمة مسائل كثيرة لعب فيها الهوى والغرض الشخصي 
فور كينا 

Ibn “Arabî and his بعنوان‎ [3225 W. 12/101115 ريما نجد في مقال‎ )۲( 


15 ,ه بيانا نقديا مفصلا عما نشر عن ابن عربى باللغات الغربية منذ خمسة = 


www.alimamaltayeb.com 


3 الولاية والعبوة عض القع الأكبر معي الذيق بخ العري 

ويقفرٌ إلى الذَّهِنِ الآن كتابان نراهما من أَمَمٌّ ما كُيبَ من أبحاثِ في 
هذا المجال: 

أوّلْهما: كتابُ: «الخيال الخلّاق في تصوف ابن عربي» لكوربان 
«L Imagination creatrice dans Le soufisme d’ Ibn Arabi)‏ 

.(paris 1958 

وثانيهما: «التَصِرّفٌ والتّاويزم» لتوشيهيكو إزوتسو (٥kنط1طیه'!'‏ 
Sufism and Taoism «[zutsu‏ 1966 oky0ا).‏ وهو دراسة 
مقار بيخ ابن عربي» .Lao- Tseuy‏ 

ويجبٌ أن نضيف إلى هذين الکتابين كتابًا آخر بعنوان: «الطريق 
الصو في للمعرفة» لو ليم شيتيك The Sufi «Wiliam Chittick)‏ 
„(Albany 1989 «Path Of Knowledge‏ 

لط الغريرن في بداية الأمر تحفظل فا اء 2 اك الشيخ» 
وتقديره التقديرَ اللّائقّ به وع ماسنبون عن هذا اا 
عدائيٌ ثابتٍ تجاه ابن عربي توارتّه تلاميذه من بعده» وقد وصل أمرٌ هذا 
العداء إلى درجة أن من تعاطف من هؤلاء التلاميذ مع ابن عربي فن قصارّى 
أمره أن يتحدّث غ بأسلوبه المتزل ال من هؤلاء Clement‏ 
۳ظ الذي يقد في شيء من ازل بشهرة ابن عربي الكبرى التي جعلت 
منه أكبرٌ شخصيّة صوفيّة في الشّرق الإسلامئ» لكته» برغم ذلك» يُبدي 

-عشر عامًا تقريباء وهذا المقال منشور بمجلة: 4126112212 Journal of the‏ 


.Oriental Society, vol., 111, IV; vol. 01711. I, 1986-87 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ف 
انزعاجه وضيقّه من «فوضى الخيال)”" في كتابات الشيخ» كلك ف 
كارا دو فو 0ا۷۵ 06 08173 بان «شهرة ابن عربي ذ في الشَّرِقٍ لا تتوقّف 
عو الأبرع و الاار ي فى باينا عقو ما ااا اا ت 
مما لمنهج ابن عربي اوفقي م من سحر وجمال» فإن نمط العرض السّائد 
في و حسي» مفعم بالحركة والحيويّة'". 

كل هذه الاطراءاتٍ الملتبسة والمدخولة لا تتم عن قراءةٍ جادَةٍ أو 
متعمقة في تراث الشيخ» وعلى الجانب الآخر يستخدم أسين بلاسيوس 
Palacios‏ سامخ رجل الكنيسة المتدين -في شيءٍ من المهارة- ما يمكن 
أن نسمَيّه اليوم: اقفن إغاةة ال ظا لر ر أن ابنَ عربي مسيحي بدون 
مسيحء وله مدينٌ لآباء الصحراء في كلّ ما جدّد به الرُوحانيّات الكاثوليكية 
-فيما بعل- من غير وعي أو تفن منه لدَورِه هذا. 

وكذلك نظر أبو العلا عفيفي إلى تراث ابن عربي من منظور ذ 
بحتء دفع به -في نهاية الأمر- إلى تفسير هذا التراث تفسيرًا 
مختزلًا؛ فابن عربي في منظور عفيفي لا يُحَدٌ مفكرًا, ين المفكرين ارين 
ومذهبه لا يرقى إلى مستوى مجرد عرض منهجي لتأمَّلاتِ عقليّة بسيطق 
وهذه التّرةٌنفسّها يطالُنا بها إزوتسو داكانا12 ولكن من خلال تهج يفو 
-كثيرا- نهج صاحبه عمقا وإحاطة. 


: 2 


$ 


st 


.Clément Huart, Littérature Arabe, Paris 1932,p. 275 (1) 
Alexandre Carra de Vaux, Les Penseeurs de L Islam, Paris, 1923, (¥) 
„IV, PP. 218-23 


www.alimamaltayeb.com 


۲۲ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 


إلى تراث الشيخ نظرة فلسفيّة خالصة» وقد احتاط لتفه فلم يقعْ فيما وقعوا 


و 


مقاطلا الخد كان مسخموكا لخر ع ا ارد[ طون ل 
على ای بيرع | کور نے کات بے اكير ع اللي ال 
اقا الى اا :فى مرا ورور کو رم ا أن ی 
تصورات كوربان عن ابن عربي تصورات مضطربة تحتاج في أكثر مناحيها 
إلى لصحيح ولقويم. 

ونقول: إِنَّ اتحاد الولاية بالعبقريّة في شخصيّة ابن عربي» وامتزاج 
معظم العلوم المتباينة بالصور الأدبية لر اترائهة كل ذلك جل 
من طبيعة هذه الشخصية» وطبيعة تراثهاء ومحاولة سَّبْر أغوارهما -شكلا 
ومضمونًا- أمرًا بال الصعوبة. 

وقد ظهرت -منذ سنوات عدة- دراسة إحصائيّةٌ لمؤلّفاتِ ابن عربي- 
تلك التي لم تحص بَعْدُ إحصاءً نهائيًا- وقامت هذه الدراسة على سس 
علميّة رصينة» يرجمٌ الفضل فيها إلى مؤلّفها عثمان يحيى الذي بذل فيها 
ا على ا 

وفي هذه الدّراسة بلغت مصتفات ابن عربي -بعد استبعادٍ المنحول 
منها والمشكوك في صحَة نسبته إليه- أكثر من أربعمئة مصِنَِء منها ما جاء 
في حجم رسائل صغيرة» ومنها ما اشتمل على مئات الصفحات؛ بل على 
آلاف الصَّفْحاتِ من أمثال صفحاتنا المعاصرة» كما هو الشَّأن في كتاب 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ف 
«الفتوحات» مثلاء ولو أخذنا في الحُسبانٍ مؤلفات الشيخ المفقودة -ومن 
ينها تفسير القرآن الكريم» الذي بلغت مجلداته أربعة وسين مجلدًاء برغم 


e 


راض لمكم فإن اا دو أطول اشارا عة 

والكق أن فهرسة مصتفات ابن عربى فهرسة دقيقة لا تزال فى ساج 
إلى الكتابة من جديد؛ إذ إن الدراسات التي قدَّمها المؤلّفون المسلمون 
والمسسترتر في بهذا الموصرح بابك ياد ا رتاف إلى 
أنهم لم يفيدوا - في أي صورة مستوعبة أو نقدية- من المصادر الكثيرة 
المتاحة رسا جنيك ابن عربي نفسه» لكن تبقى الدراسة التي 
أعدَّتها كلود عدَّاس 39 121106 عن ابن عربي فراسة مستوعبة بكل 
المقاييسء ولا مَمرّ من الرُجوع إليهاء والإفادة منهاء سواء فيما يتعلّقُ بحياة 
ابن عربي أو بوص اه وتران" 

ولْتشرع الآن في تحديدٍ بعض المعالم البارزة في حياة الشَّيح الأكبر: 

هو محبي الدين أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد بن العربيٌ 
الحاتميٌ الطَّائِنُ» ولد بمُرسية في اليوم السّابع والعشرين من رمضان من 
عام 5ه (۷ من أغسطس عام ١١75‏ م)» أي بعد عامَينِ من البدء في بناء 
#نوتردام» بباريس, إِنّان حكم الملك لويس السابع في فرنسا. 


(۱) كلود عداس» ابن عربي أو: التفتيش عن الكبريت الأحمر (بالفرنسية)» ط. جاليمارء 
باریس ۱۹۸۹م Ibn ‘Arabî, ou la quête du Soufre Rouge, Par Cade‏ 
.A4das PAR 15. 9‏ وقد تر جمت هذه الدراسة إلى الإنجليزية بعنوان: ]0115© 
For The Red Sulphur: The Life of Iben ‘Arabi, Cambridge. U.‏ 
.K. 1993‏ 


www.alimamaltayeb.com 


۲٤‏ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
وقد واكبَ مولده فترة ضعف المُرابطين -في إسبانيا الإسلامية- 
وزوال دولتهم» ووصول الموحٌّدِينَ إلى سُدَّةِ الحكم في أعقابهم» كما 
واكّبَ مولده أيضًا نهاية الفاطميين في مصرّء واستعدادات صلاح الدّين 
لإزاحتهم» إيذانًا بشروق عهد الأيوبيين» وتتزامنُ هذه الفترةٌ مع مولد 
جنكيز خان في سيبيريا الشّرقية على شواطئ نهر أونون» وسوف لا يمضي 
على هذا التاريخ قرابة مئة عام أو أقل حتى نرى حفيدّه هولاكو وقد دمّر 
بغداد» وأجهز فيها على آخر خليفة من خلفاء بني العبّاس. 
أمضى ابن عربي فترةً طفولته بإشبيلية مع أسرته التي انتقلت إليها عام 
هم ١‏ م وسلَّكٌ طريقٌ القوم وهو في سن السادسة عشرة تقريبًا("» 
ات و واا فر مع يوك الطريق ين الالالمين» وقد 
تحدث هو نفسه عن نحو خمسين شيخا من هؤلاء الشيوخ ذَكَرَهم في كتابه 
روح القدس» ومن المُحتمّل أن يكون لقاؤه بابن رشد قد حدث في هذه 
ارام خا ولس فى در ار كانت من وات كما و كران 
غير أنَّ هذا التَّحوُلَ الروحي في حياة ابن عربي قد أعقبه نوع من الفترة 
«وهي الفترةٌ المعلومة في الطَّرِيقٍ عند أهل الله التي لا بدَّ منها لكل داخل 
في الطربى ا کف بما يضرم حماسته للعودة إلى حاله ا 
فيخرج عن كل ما يمتلكه من حطام الدنياء ويَسلّك مسالك الزُهادء متَّخِذًا 
© لقو مح بی ری الوا 2 ]ف جنول أبن عرسي ای نضا 
٠‏ بينما يفهم من إشارات أخرى متفرقة أن دخول الطريق كان سابقا على التاريخ 
المذكور بسنين عدة. 


002 الفتوحات ٤‏ ص۱۷۲ . 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۲۵ 
من المقابر والجَبّانات مسكتا ومأوّى7". 

ولمّابَلَعَ سن العشرين كان قد قطع سلسلة كاملة من المقامات الروحيّة 
وهي منازل على طريق أهل الله حسب اصطلاحات الصوفية» وقد انتفع 
في هذه الفترة بهبات كشفية وعلوم غريبة وأذواق عزيزة. 

أما رحلاته وأسفاره» فإنها وإن كانت قد انحصرت - في بادئ الأمر- 
في نطاق الأندلسء إلا أنها ما لبئت أن أخذت في الاتساع والانتشار في ربوع 
المغرب بعد عام ۵۹۰ه/ *147١١م.‏ ولم تتوقف حياته عن الأسفار المتّصلةٍ 
حتى بلغ سن الستين» فقد رحل في عام ٥۹۰‏ ه إلى تونس وتلمسان» ثم 
إلى فاس سنة 4١‏ 5هه ثم إلى إشبيلية عام ”2.54 ثم نجده -من جديد- في 
فاس عام '545-097, وفي قرطبة عام 015., ثم في سلا ثم في تونس» 
وبها تكتمل الفترة التي أمضاها من حياته في بلاد المغرب» وفيها ألَّف ما 
يقربٌ من ستین كتابّا على وجه التأكيد ثم يحصل له كَشْف”” يُوْمَرُ فيه 
بالتّوجه شطر المشرقء فيترك بلاد المغرب ليُخْلُّها وراءه إلى غير رجعة. 

في هذه السنة نفسها /4 4ه (۱۲۰۱- ۱۲۰۲ م) يتابع ابن عربي رحلته 
إلى القاهرة ثم إلى بيت المقدس إلى أن ينتهي به السَّيرٌ إلى مكة المكرمة» 
وهناك كان على موعدٍ مع حدث روحيٌّ ضخم» نتحدث عنه فيما بعد. 

ويمتدٌ المقامٌ بابن عربي في الحجاز في الفترة ما بين عامّي ۹۹ى 
)١(‏ الفتوحات ٣ص‏ 50. 


() الفتوحات ۲ ص٦۳٤‏ . 


www.alimamaltayeb.com 


ف الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحبي الدّين بن العربي 
٠ه‏ يستأنفٌ بعدها سيره إلي الموصلء فبغداد» فبيت المقدس .150١‏ 
قونية» فالخليل 507. 

ومن جديدٍ نراه في مكَة سنة 4 ٠ه‏ ثم في حلب عام 107ه ثم في 
بغداد عام /١1ه.‏ 

وكان بعض تلاميذه يرافقه في آسفاره» بينما كان البعض الآخر ينتظره 
وهو يمر أو يتوقف لبعض الوقت في هذه البلدة أو تلك» وقد خطب وده 
الأمراءٌ والوجهاءً» كما تطلّع الفقهاء والعلماء إلى محاورته ومحادثته. 

وهكذاء طاف هذا المتأمل الرّاسخ في عالم الثبات مناطق الهلال 
الخصيب» وبلاد الأناضول دون 5 أو استقرار» وكان في تطوافه 
دوحيهبا عل أو ارفحل- لأ يكل ولأ يمل من تر علومه الكشانية» ومحاوفه 

وقد استمرت حياة الشيخ على هذا النهج» تتوالى رحلاته» وتتعدد 
إقامته بين ربوع آسيا الصغرى حتى عام ١57ه/‏ ۳م وإذ ذاك يدخل 
دمشق ويقيمٌ بهاء وفيها يُكمل كتابة السخة الأولى من: «الفتوحات» قكّة 
مؤلفاته الصُوفية» وكان فد بدأ تاق بم المكّمة قبل إحدى وعشرين 
سنة خلت -على أله سيعيدٌ كتابته للمرّةٍ الثَانِية قبل وفاته ببضعة أعوا» 
وبحوزتنا مخطوط هذه النسخة» وهو بخط ابن عربي» ويقع في سبعدٍ 
وكين ا 


_ 1 a 2 ١ 
وفي دمشق أيضّا يصنّفُ ابن عربي كتابه: «فصوص الجكم» إثر رؤيا‎ 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۷ 
رآهاء نرج الحديث عنها إلى موضعها من هذا الكتاب. 
ولأن تلاميذه كانوا يتسابقون إلى الاستماع إليه فإنّه لم يتوقف عن 
التعليم» ولا عن شرح مؤلفاته إلى أن فارق الحياةء يشهدٌ لذلك كتابه: 
«التتَرّلات الموصليّة)؛ وهو كتابٌ عن الحقيقة العرفانيّة والواردات الدّوحيّة 
التي هي ثمرة الأوراد والآذكار -صنف بالموصل عام ٤ /ه5٠١ ١‏ ١٠٠م‏ 
ففي هذا الكتاب -وكما هو معروفٌ- شهادات بقراءته على المؤلفٍ 
قراءات متعدّدة» وكانت القراءة الأخيرة بتاريخ ٠١‏ من ربيع الأول عام 
هه وفي ۲۸ من ربيع الآخر من العام نفسه ٠١-‏ من نوفمبر عام 
مم أي: بعد مُضيّ أسابيع قليلة على آخر قراءةٍ لهذا الكتاب- وفي 
مدينة دمشق» 5 محيي الدين أو الشيخ الأكبر أو سلطان العارفين7", 
سا ل الا جال الى بعادت من عة 
في بداية الباب الرابع من «الفتوحات المكية)» وخلال مخاطبة ابن عربي 

لشيخه وصَفيّه التونسي عبد العزيز المهدوي» الذي أهدى إليه تأليف كتابه: 
«الفتوحات» يستعيد ابن عربي ذكريات إقامته في منزل المهدويٌ بتونس عام 
4ه ١٠م‏ ويستميله ليلحق به في مكة المكرمة التي يصِفها بأنها: 
الأشرف منزلة جمادية ترابية» ثم ما يلبث أن يتابع الحديث عن خصائص 
)١(‏ لمزيد من المعلومات التفصيلية عن حياة ابن عربي» راجع القسم الأول من كتاب أسين 

بلاسيوس: ©115612111230) 1512111 81 وأيضًا كتاب كوربان: 111132812261011 

R. W. Aust1n وثمة نبذة مختصرة ولكنها دقيقة في مقدمة ترجمة‎ «créatrice 

لکتاب روح القدس» (1971 )Sufis 014 Andalusia, Londo”,‏ وله ترجمة 

.Soufis dQ Andalousie, Paris, 1979 باللغة الفرنسية بعنوان:‎ 


www.alimamaltayeb.com 


۲۸ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
بعض الأماكن والمواضع كالبيوت والزَّوايا والمقابر» وأيها أكثر مناسبة 
وملاءمة للتأمّل الصوفيء فيقول: «إن للأمكنة في القلوب اللطيفة تأثيرًا 
.]4 فكما تشاضل الصاؤل ل وان كز لف تقاض المتازل الختدانيةا: 

ثم يذكر عن الشيخ المهدوي أنه كان يهجرٌ الخلوة في بيوت المنارة 
الكائنة بشرقيٌ تونس» ويفضّلٌ الاختلاة في وسط المقابر القريبة من 
المنارة» وقد سأله ابن عربي مرةٌ عن سبب ذلك فقال الشيخ المهدوي: «إن 
قلبي أجده هنالك أكثر منه في المنارة» ثم يقول ابن عربي: «وقد وجدت 
فيها أنا أيضًا ما قاله الشيخ». 

وهذه الميزة أو الخاصة الرُوحيّة التي تتميّرٌ بها بعض الأماكن دون 
البعض الآخر ترجع - فيما يرى ابن عربي- إلى «همّةِ) عمّار هذه الأماكن 
من الملائكة أو من الجن الصادقين أو من الأبرار والصالحين» ومن هذا 
القبيل وعلى سبيل المثال منزل أبي يزيد البسطامي الملقب ببيت الأبرار» 
وزاوية الجنيد أعظم صوفية بغداد في القرن التاسع الميلادي» ومغارة 
الزاهد إبراهيم بن أدهمء وبالجملة كل أماكن الصالحين الذين رحلوا 
عنهاء وبَقِيّت فيها آثازّهه”". 

اذا قلس صا با تقال من أن الأماكن الأرشية كلها ذاث ا 
واحدة» وأنَّ بعضها لا يفضل البعض الآخر في شيء ما؛ بل حقيقة الأمر- 
كما يرى ابن عربي- أن مرور ولِيّ من الأولياء بمكان ما أو أَثّره الذي يتبقى 
من بعد رحيله عنه يُنشيحٌ في المكان شيا من البركاتٍ أو التَمّحَاتِ الطيبة 


(۱) الفتوحات ۱ ص۰۹۸ 1404 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۳ 
وانطلاقًا من شهادة العيان هذه يقدّمُ الشيخ الاک اا ووا 
كذلك- وسنری أن ابن عربى لا يكتفى بما قاله هنا؛ بل لديه الكثير مما 
سيقوله فى هذا الآمر أيضًا. 

كَتَبَ ابن عربي كلامه هذا بعد وصوله إلى بلاد المشرق في مطلع 
القرن الثالث عشر الميلادي» ولم يمض على ذلك قرن من الزمان حتى 
شَنَّ ابن تيمية - الجَدَلِيُ الحنبليُ- حربًا شعواء لا هوادة فيها على زيارة 
القبور» وعلى أمورٍ أخرى تجرى مُجراهاء وأبطل التوسل بالأولياء؛ بل 
أبطل التوسل بالنّيع يلل نفيه”2: كما انتقذ الاحتفال بالمولد التبوي؛ ورآه 
بدعة في الدّينِ» ورأى موالد الأولياء كلها بدعة من باب أَوْلَى". 

وبالرغم من أنه لم يكن أو من نازع في هذا الأمر فإنه كان -وإلى 
ملق غيل بجا أف تق عارك هذا اام وار رك الك 
والاعتراضات» وقد ظل عبر قرونٍ متطاولة صاحب النفوذ الأقوى فى هذا 
)١(‏ انظ ر ابن تية: مجموعة الرسائل والسبائل ط. .رشيد رضاء 6 ضر A5‏ ۹۴ الفتارق 

الكبرى» بيروت 6 ,؛,. جا» ص۰۹۳ 417 TEE‏ ۱ ج٣‏ ص۰۲۱۸ T7‏ 

والفصلين ١9214‏ من كتابه الصراط المستقيم. وفيما يتعلق بموضوع زيارة قبر النبي 


يك والاستغاثة به انظر رد معاصره تقي الدَّين السبكي» الفقيه الشافعي في كتابه شفاء 
السقام بيروت ۱۹۷۸ء حيث يثبت الزيارة والاستغاثة بطائفة من الأحاديث النبوية 
الشريفة» وقد جمع يوسف النبهاني أخيرا شواهد كثيرة في كتابه: شواهد الحق» القاهرة 
»؛ ولخص المناقشات التي دارت في العصور المختلفة حول مشروعية زيارة 
النبي ية والاستغاثة بالآولياء. 

(0) انظر ابن تيمية مجموعة الرسائل والمسائل ه ص »٠١ 5-8١‏ ورسالة العبادات الشرعية 
والفرق بينها وبين البدعية. 


www.alimamaltayeb.com 


17 الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
الباب» وإليه يرجع السب فيما أقدم عليه الومّابِيُونَ -في البلاد العربية- من 
تدمير مزارات كانت موضع إجلال واحترام من آجیال لا تعد ولا تحصی من 
الله رااان اعرد سس و و 
«الانحرافات» التي أفسدت -فيما يزعم - نقاء الإسلام في صورته الحقيقيّة. 
وغنيٌ عن البيان القول بأن ظاهرة «التَبرّكُ بقبورٍ الأولياء» لم تكن 
بدعة ابتدعها المسلمون في القرن الثالث عشرء فقد نشأت هذه الظاهرةٌ 
في وقتٍ مُبكر جدًا من العصور الإسلاميّة الأولى حين عبّر المسلمون عن 
تعظيوهم -في بادئ الأمر - لآل بيتٍ التب يا ولصحابته» ثم بُدئ -في 
بغداد- في تشييدِ الأضرحة على قبورٍ الأولياء الذين اشتهروا في القرن 
الثالث الهجري تكريمًا لهم» وتعظيمًا لشأآنهم"» وقد حدث هذا مع بداية 
القرن الرّابع الهجريّ على أقل تقدير. 
وأدبٌ الرّحْلاتِء كما نراه عند ابن جَبّير في القرن الثاني عشر 
الميلاديٌ» والمصتّفاتُ التي تكشفٌ عن فضائل بعض المُّدّنٍ أو البلدان 
مثل: «فضائل الشّام» للربعي"» والكتب التي ضعت لتعريف الحَجّاجٍ 
بالمزارات مثل كتاب: «الإشارات إلى معرفة الزيارات» للهَرَويٌ» الف 
4 راجع ماسينيون Les Saints musulmans Enterrés 2 Baghdad”‏ المنشور 
فى مجلة 1908 Revue de [histoire des religions,‏ وأعيد نشره فى 0612© 
8 بيروت عام 197. وفيما يتعلق بمقابر الأولياء في القاهرة انظر مقاله أيضًا 


“La cité des morts”‏ والمنشور بمضبطة المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية» 
القاهرة ۸٥۱۹ء‏ والمعاد نشره فى 233-285 ضض 111 .Opera minora‏ 


(؟) أبو الحسن الربعي: فضائل الشام ودمشق» تحقيق صلاح المنجد» دمشق ٠۹١١‏ . 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۳ 
حققته Janine Sourdel- T'homine“”‏ 1 هذه المصئّفات لست 
إلا نماذج أو أمثلة تشهد بوجود تقليدٍ أو سلوكٌ إسلاميٌ راسخ 1 في 
1ل ينض عوجر ساراس 1 بد بصب العكور على تسويديد اله 
التاريخيةء لكن يمكن القول إجمالًا بأنّ الآداب التي رترت بها كتب السَيّر 
وطبقات الصوفية -في القرن الحادي عشر الميلادي- وخصوصًا «طبقات 
السّلمي). و«حلية الأولياء وطبّقات الأصفياء» لأبي : نعيم الأصفهاني» 
بأجزاثة العشرة» كانت وراء هذا «التقليد العميق الجذور» وكانت عاملا 
فعالًا في نشأته. وفي استمراره على السَّواءِ. 

ويحسنٌ قبل أن يَتشّحَبِ بنا الحديث عن هذا الموضوع أن تَلفِتَ 
النَظر إلى أنَّ أدب «السَّيّر والطّبّقات» في التصوف لم يكن -في غالبيته 
العظمى- أدبًا شعبيًا لا في الفترة التي أشرنا إليهاء ولا فی القدرات ال 
تلتها بعد ذلك؛ ذلك أنَّ نع الأدب الشّعبِي لا يمكن أن ينطبق على عمل 
مثل «طبقات الصوفية) أو «الحلية»؛ بل لا توصف به أعمال أقل مستوى 
من ذلك كتلك التي كُتبت لبيانِ أهميّة إقليم معيّنِء مثل كتاب: «التَضَوْفٍ 
إلى معرفة رجال التصوِّفِ» للَّادلِيَ الذي وَكَمَّه على أولياء الإقليم الجنوبي 
للمَغرب في القرنّينِ الخامس والسَّادس الهجريِّينِ -له أيضًا شرح متميّر 
على «مقامات الحريري» - أو مثل كتاب: «المَقصِدٍ الشريف والمنزع 


)١(‏ على بن أبي بكر الهروي: كتاب الإشارات إلى معرفة الزيارات تحقيق -5011061 .ل 
Thomine‏ دمشق عام 0۳ . انظر J. Sourdel- Thomine Les LÎ‏ 
5 -erinageاéمp anciens lieux de‏ المنشور فى مضبطة الدراسات 
الشرقية مجلد ١5‏ دمشق عام ۰۱۹١ ٤‏ ص 50- ۸۵. 


www.alimamaltayeb.com 


۳۲ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي اليّين بن العربي 
اللَطِيفِ في التعريفي بصَلَحاء الريفي» الذي لَه الباوس في أعقاب 
سَلَِه التَّادلِتَ وحريّ بنا أن نقول: إِنَّ «نعت الأدب الشعبي» لا ينطبق - 
باب أولى- على أعمال ظهرت فيما بعد كتِلكَ التي جادت بها عبقريّةُ كبار 
شعراء اصرف هو أنفال لار أو «الجامي». 

وبرغم من ذلك» ودون أن نسميٌ لأنفينا بالوقوع فيا يقمٌ فيه المُغالونَ 
من حُمّى تقسيم التاريخ إلى مراحل فاصلةء فإنه لا مَمَرّ لنا من عَذَّ عصر 
ابن عربي بداية عهدٍ جديدٍ؛ إذ قد شهد هذا العصر ميلاد صياغات نظرية 
في الوقت ذاته الذي شهد فيه ميلاد سلوكيات عملت على توجيه كل ما 
استجد بعدها من تطورات في التصوف الإسلامي وحتى يومنا هذا؛ بل 
يُمثل هذا العصرٌ فترة تحوّلٍ وانتقالٍ على صعيدٍ التاريخ السياسي للأمة 
الإسلامية» فقد كان سقوط بغداد على يد المغول عام /175م؛ وانهيار 
الخلافة العباسية آنئذ بمثابة كبرى الحوادث الفاجعة في هذا العصر. 

وليس مصادفة أن ينتقل التصوف في هذا العصر من مرحلة كان 
فيها مأخودًا ضمن غيره إلى مرحلة صار فيها مستقلًا واضحَ الملايح 
والقسمات» وأن يتحول على المستوى الاجتماعيّ (السوسيولوجي) 
من اللاشكلية إلى الشّكلية» ومن اللاتحدد إلى التنظيم والتّقعيد؛ فَمَعَ 


)١(‏ فيما يتعلق بكتاب «التشوف»» فإننا نلفت النظر إلى أن طبعة أحمد التوفيق» الرباط 
4. أكمل وأكثر ضبطا من طبعة ۴۹1۲۴ 40015126 الرباط عام ٩۱۹۸ء‏ خصوصًا 
فيما يتعلق بأسماء الأمكنة» أما كتاب «المقصد» لعبد الحق البادسى» والذي ترجمه 
قديما 1926 Les Saints du Rif, paris‏ ,صتآه0) .5 .© فقد حققه تحقيقًا علميًا 
للأستاذ: سعيد أعراب» في الرباط عام: ٠۱۹۸۲‏ م. 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۳۴ 
مصتفات ابن عربي اتخذت المفاهيم الأساسية في التصوف طريقها نحو 
التأصيل والتقعيد» واتسقت داخل مذهب شامل متكامل» وإذا كان البعض 
ق ر إلى هذا الم تهب على" أله اا القصوس؟ وانخة مه الى 
الآخرٌ هدفًا لسهام التَقَدِ والتجريح» فإنه مما لا شك فيه أن هذا المذهب 
قد سكل منذ ذلك الحين -في تقدير أنصار الشيخ وخصومه- معلمًا باررًا 
سفحيل تجاهلهء ومصدرا عضا حاف باضطافحات اضرف الود 
سواء اعترف الأنصار بذلك أو أنكره عليهم خصومهم» وفي هذا العهد 
أيضًا ظهرت الطرق الصوفية إلى الوجود» وبدأت في ضبط مواريثها من 

ولنحدإلى موضوع التبرك بآثار الأولياء ومزاراتهم وقبورهم 166ناه 6.آ 
نه عل لنقول: إن هذا الموضوع وإن لم يكن مرتبطًا -بالصرورة- 
بحقيقة الطرق الصوفية» إلا أن قوانين آداب المريدين في تعظيم الشيخ 
الم سين للطريق» وتعظيم رجال السّلسلة البارزين من بعده كانت تدفع 
بهذا الموضوع قَدُمًا إلى الأمام. 

ما مَنشاً ظاهرة «التبرك بآثار الأولياء»» وتطورها من بعد فإنه يرجع 
في الأصل إلى أنموذج «الحبّ اللانهائي» الذي تفيض به قلوب المسلمين 
للنبي يا ولمًا جاء العصرٌ الأيوبيٌ أصبح «المولد» هو التعبير الرسمي أو 
المظهر الرسمي لأنموذج «الحب الجماعي» من قِبّل المسلمين تجاه نبيّهم» 


ولهذا لم بخطى ابن تبمية في ملاحظته أن هذه السّلوكيّاتِ -التي ينحى عليها 


Un océan sans rivage: Ibn; Arabî, Le راجع في هذا الموضوع مقدمة كتابنا:‎ )١( 
7 باريس» 215 ص۱۷-‎ Livre et La Loi 


www.alimamaltayeb.com 


ع" الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
0 0-1 و و 5 41 
ولم يقتصر ابن تيمية في نقده اللاذع على تعداد المفاسد التي تترتب 
على هذه البدع» بل قصد إلى شرح هذه البدع وتحليلها بغية القضاء عليهاء 
واقتلاعها من جذورها؛ فعنده أن هذا الحبّ الذي تفيض به قلوب العامة 
و - 4 
والبسطاء ضلال وانحراف» وهو يعده -في بساطة- دليلا على وقوع 
هؤلاء في «الشرك)؛ بل يراه هرطقةً خارجة عن ان وطارئةٌ عليه» نشأت 
رر غا سيت هن التاثيرات اليد البيوة والضاخة و الور اني 
TT‏ 5 3 
خصوصًا النصارى الذين عاشوا في قلب الأمة الإسلامية» ومنهم مَن جاء 
- عو 
ضيفا على هذه الآمة بقلب مطوي على الغدر والخداع» ومنهم من أعلن 
إسلامه ولكن في صورة تدعو إلى السك والارتياب”. 
5 ¢ 5 ع 
وهنا -ومن خلال کلام این قبهة- راء لنا «الأنموذج المزدوج» او 
ذو المستويين» الذى ناقشه 155015575 ۲۴۲ -باقتدار- وهو بصدد حدیثه 
عن المسبحيّة"» .وهذا الألموذج بصوّره المتعدّدة» والذي كان يستمد 
مفاهيمّه في الأعمٌّ الأغلب من ابن خلدون قد أصبح شائعًا ومشهورًا في 
)١(‏ وشبيه بذلك ما حدث لإبراهيم بن ميمون ابن مؤلف دلالة الحائرين» وأحد كبار فرقة 
الحسديين اليهود في القرن ٠١‏ الميلادي» حيث اتهمه رفاق عقيدته بإدخال تغييرات 
غريبة على الدّين اليهودي» تمثلت في تقليد الوثنيين» والمقصود بهم هنا المسلمونء 
وقد شكي إلى السلطان العادل لمحاكمته على هذه الأمور. انظر: 
Paul Fenten, Deux T'raités de mysstique Juive, Paris, 1987, 2. 84.‏ 
Peter Brown, The Cult of the Saints, Its Rise and Function in (¥)‏ 


A. Rousselle تر جمه إلى الفرنسية‎ Latin Christianity, Chicago, 1981 
.Le Culte Des Saints, Paris, 1948 بعنوان:‎ 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۵ 
التفسيرات المتأخرة لظاهرة البرك بقبور الأولياء في الإسلام وفي المسيحية 
على السّواءء وكان الموقفٌ الرسميٌ للعلماء المسلمين- وهم ينظرون إلى 
الإسلام في صورته الرسمية» ومكانته العليا التي ينبغي أن يوضع فيها -يميل 
إلى معاملة هذه الاتجاهات الفكرية والسلوكية التي لا تَتكيّف مع الصورة 
المكلى للإسلام» بشيءِ من الازدراءء وينظر إليها كأنها بقايا من م نانف 
الجاهلية أو اقتباسات تسرّبت -دود وعي” إلى وجدان الجماهير من مصادر 
ا ل 
من السّلطات الدينية فقد بة 1 بقِيّت -فيما يقولُ هؤلاء - ذات تأثير مُفسدٍ وضارٌ. 

وفيما يتعلّقٌ بالأبحاث a‏ فإنها قد ترت ف مجال 
E‏ الوصفية بهذا التقسيم الشّنائيَ كنتيجة حَتميّةِ لاستخدام 
الا المزدوج أو «ذي الميكو سنا 0 مع الت كيز على إثارة 
عنصر التّمايز والاختلاف العرقك بين أصحاب البلاد الأصليِّينَ» والمغالاة 
في تقدير خصائصهم العرقيّة الذَاتيّةَ «البربرء الأفارقة» أبناء الملايو... 
إلخ» على حساب الإسلام: العقيدة الجامعة للشعوب الإسلامية على 
اختلاف أجناسهاء والتى كان يمكن لها أن تتحول فى أيدي دعاة «الجامعة 
الإسلامية» إلى سلاح خطير يَقض مضاجع المستعورينَ وأنصارهم. 

أمّا المذهبُ التَطوّريٌ فقد كان له منهجٌ آخر اعتمد فيه على الأحكام 
القَبْليَة المُسبقةء ومن نَم تمزّقت تفسيراته» وتذبذبت رُؤاه بين الرّغبةٍ 
في الدّفاع عن التقاليد الخرافية لدى الجمهورء والبنايات الاجتماعية 
المتخْلّةٍ من ناحية» وبين الرغبة في رؤية انبثاق «وعي طبقيٌ» في كل ما 


www.alimamaltayeb.com 


۳٦‏ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
يصادم (أَيذيو لوجية) مُمَثْلى الشّلطة وحلفائهم من ناحية تر 
ولسنا فى حاجة إلى أن تتعرض لبقيّة المذاهب والاتجاهاتٍ الأخرى 
2 ت 7 
في تفسير «الأنُموذج المزدوج»؛ فسواء قلنا: إن الإسلام الصّحيح هو ما 
ارتبط بأنظار العلماء وفهويهم أو هو على العكس ما ارتبط بمعنى التقوى 
كما هي عند البسطاء وكما تعبر عنها مظاهرٌ عدَّةٌ تختلف ضعفًا وقوة من 
يت دحتي وحيويتهاء سواء قلنا هذا أو ذاك» ان الالمواع المزدرع لا 
يزالٌ شائمًا ومستخدما في كل الميادين» لكنّه أصبح في الآونة الأخيرة مَحَلّ 
نزاع» وأخل و5 نے ها ال دراسات 1205876 96۲ من تأثيرات 
فى أوساطٍ بعض الباحثين الأمريكيِّينَ فى حقل «الدراسات الإسلامية» 
أو في حقل «الأنثروبولوجيا»» بحيث لم تد مسألة التعارض بين العقيدة 
الكبرى والمعتقدات العامة أو بين «الإسلام» في منظور النّصّ المقدّسء 
والإسلام في منظور شيوخ الزّوايا والرَبُط من المسائل المُهمَّةِ في دراسة 
العقائد”"» غير أن كثيرًا مما يجبُ بحثه في هذا الموضوع لم يُكتب بعد. 
(۱) انظر على سبيل المثال» المجلد ۱۷ من: 56110165 0 00111151110125 وهو بعنوان 
11am ¡n Loca contexts, Richard. C. Martin‏ ليدن 219/7 فقد ظهر فيه 
بوضوح اسم 135015713 1۴۲ بو صفه مصدرًا للدراسة في المقدمة وفي مقالات أخرى 
من هذا المجلد. ومن المهم أن نشير إلى أن العنوان الأول المقترح لهذه المجموعة من 
قبل أعضاء الندوة المنعقدة في دالاس 198٠‏ كان: الإسلام والدين الشعبي ١1۳ء1‏ 
and Populer Religion‏ ثم استبدل به العنوان المشار إليه آنفا (الإسلام في 
البيئة المحلية)» وقد اختير العنوان الأخير في شيء من الحكمة لتفادي كل مل يتضمنه 
العنوان الأول من مغالطات المصادرة على المطلوب. انظرء أيضًا: 
Henry Munson Jr., The House of Si Abd Allah, Yale University‏ 
Press, 1984, p. 28. Warren Fusfeld, "Naqshbandi Sufism and‏ 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۴۷ 

ولا تقض بطبيعة الحال -إغفال. الفروق الفاصلة بين «ألموذج 
التقوى» الملتزم بالعقل والنقل كما يمثلّه فقهاء المُدن والحواضر» وبين 
«ألموذج التقوى» الذي لا يعوّلُ كثيرًا على تعاليم الفقهاءء والذي يمثّله 
هؤلاء «الأَمَيُونَ) المنقطعون للعبادة في رَؤُوس الجبال» ولكن ينبغي 
-على الأقلّ- أن نكون على وعي وعلم بما هو ثابتٌ ومستمرٌ من مظاهر 
هذا التَّديُنِ وما هو منقطمٌ ومتغير. 

وينبشي أن كر أيضّا أن كمّة اتجامًا تالكا کان ينوط دافا هذين 
الاتجاهين المتطرّفين من بين مجموع الاتجاهات الدينيةء وقد مثّل هذا 
التيار مجموعة كبيرةٌ من الفقهاء والمحدّثينَء نصروا القول بالتبرك بمزارات 
الأولياء» وسوّغوه. وشجّعوا عليه» ومن هؤلاء الفقهاء والمحدّثين مَن 
كانوا «أولياءً» بالفعل» وإذا شئنا أن نضرب مثالا لواحد من هؤلاء «العلماء 
- الأولياء»» أبناء القرن الثاني عشر الميلادي» فسوف تطالِمّنا على الفور 
شخصية الشيخ عبد القادر الجيلاني» الفقيه والمفتي الحنبلي» والذي 
سنتحدَّتْ عنه في موضع لاحت من بحثنا هذا . 

Reformist Islam", in Ibn Khaldun and Islamic Ideology, Leyde, 


1984 pp. 89-110: Jon W. Anderson, "Conjuring with Ibn 
Khaldun", ibid., pp. 111-121. 
يرى البعض أن عبد القادر الجيلاني ليس إلا فقيها ورعاء وأن وصفه بالولاية واشتهاره‎ )١( 
بها قصة مصنوعة ظهرت فيما بعد. ولدينا - فيما يتعلق بهذا الموضوع - مصادر أخرى‎ 
غير كتاب الغَّطّنُوفي الذي تناوله المؤرخون - وبصورة مؤكدة - بالنقد والتجريح»‎ 
بالرغم مما يتضمنه من سلاسل الأسانيد المتعددة. غير أن شهادة ابن عربي لعبد القادر‎ 
الجيلاني والتي سنعرض لها في موضع آخرء تكتسب قيمة كبرى؛ أولا لأن ابن عربي‎ 


www.alimamaltayeb.com 


۴۸ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبر محيي الین ب بن العربي 

والمتتبع لتاريخ طريقة كالطريقة اة -المشهووة تش وها في 
التمبّك بالكتابة واا سوف يكتشف بعد قليل من التّظّر أن التفرقة 
الحادّة التي وُضعت بين إسلام العلماء» وإسلام ا ا 
الصّريح والإسلام الميكن يعتاصر غرية كا يقولرة- قرف عيطت 
فقد ظَلّت هذه الطريقة -وعبر قرونٍ كثيرةٍ من تاريخها الطويل- تحافظٌ على 
الانساق الداخلي لينيّة الطريق» ه في الوقت الذي تبنّت فيه منهج الجمع بين 
اتجاهات عِذَّة ومنها ما هو متناقض مع مبدأ الالتزام بالإسلام الصّريح كما 
ا 

وكذلك شل السك الطقيعدية على أسماء شيوخ عرفا با 
في حماية الإسلام -بالمعنى السّلّفي- وبالمقارنة الصّلبة للبدع ومحدّثات 
الأمورء حتى إن بعض المؤلّفين المُحدَئين لايكادون يُبصرودٌ من تاريخ هؤلاء 
الشيوخ وتاريخ حياتهم الرُوحية إلا هذا المَنحى فقط» ومع ذلك كان هؤلاء 
الشبوة بون دما کد الل أهل الطريق» لبون اها 0ا 
-فوق ذلك- يُطبّون آداب الطريق ويُعلّمونها وهي آداب تستمد أصولّها من 
نظرة بعيدة الأغوار للولاية ومفهومهاء وفي هذه النظرة تسمو الولاية بالوليٌ 
e‏ ميضوى كرو فيد دنا لها U e N‏ 


وصل إلى بلاد المشرق بعد 5٠‏ سنة فقط من وفاة عبد القادر الجيلاني» وثانيا لأن 
شهادته تستند إلى شهادة كثيرين من تلامذة الجيلاني المباشرين» خصوصا شهادة 
يونس الهاي الذي كلقن منه الخر 5 القادرية ب المكرمة 

Quelques aspects des techniques spirituelles dans 12 انظر بحثنا:‎ )١( 
ضمن أعمال المائدة المستديرة حول الطريقة النقشبندية.‎ tara naqshbandiyya 
. ۱۹۹۰ إستنامبول - باریس‎ 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۴۹ 

وتبقى -على الجانب الآخر- أمورٌ كثيرة تدفعنا إلى التَّساؤْلٍ حول 
افتراض «أصل ذي دلالة شعبية» للتبرك بمزارات الأولياء؛ فالتصوف 
والولاية أمران لا يفترقان» وبغير أولياء لا يوجَدُ تصوف؛ إذ الولايةٌ هي 
أصل التصوف ومنبعه» وزادٌه الذي بجا ب وها عا دورّه في بقاء 
الولكبة واستعرارها. 

وبرغم أننا لا نعدم ولادة بعض الأولياء في بيوت نبيلة متميزة فإنه 
يمكن القولُ بأن «التصوف» كان في غالب أمره لَصيقًا بأوساط البُسطاء من 
الجماهيرء يشهدٌ على ذلك أن أهل الصّفّة بالمدينة المنورة كانوا -في صدر 
الإسلام- نماذج وصَوّرًا مُثلى يُقتدى بهم» مع أنهم كانوا يعيشون على ما 
يعدم لهم من الصدقات» ويشهدٌ لذلك أيضًا أن كتب «التراجم» التي صنفت 
فيما بعد حدّثتنا عن أولياء كبار» وعن تلاميذ لهؤلاء الأولياء» ومنهم مَن 
كان يعمل حدَادًا أو إسكافيًا؛ بل منهم مَن كان رقيقًا مملوكًا لغيره» وغالبًا 
ها کارا قرات وک اننا كانوا أميية لذ قو ول بكترت وهاه هة 
الصف بها كثيدٌ من مشاهير الأولياء في القرن الثالث الهجري» وهو العصدٌ 
اذهب للإسلام» كما اتصف بها -في عصر ابن عربي- كثيرٌ ممن يسمّيهم 
اة بلاسيوس في ترجمته لكتاب: (رُوح القدس»: ›Santons«‏ أي: 
العظماء من رجال الله. 

وما استجدّ في موضوع انتماء التصوف إلى الجماهير في القرنين 
الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين ليس هو السبة الحددية المختلفة 


www.alimamaltayeb.com 


7 الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
للأولياء بين نبلاء وعامة» وعلماء وأميين؛ لأن الأرلباء سس اعا 
أو أميين- هم في كل الأحوال أصحابُ معرفة» والأولياء هم العلماء على 
الحقيقة» وليس الوليٌ هو من تجري على يديه خوارق العادات والكرامات 
فحسب أو مَن يُستسقى به العَمامُ ولا شيء بعد ذلك؛ بل المعارف الإلهية 
هي أخصٌ وضْف للولئ. 
لقد كان أبو يعزى رجلا خشتا غليظًا من أهل البربر» ولم يكن يستطيع 
التحدت باللغة العربية» فكان يُمتنع عن إمامة الناس في الصلاة» ويختار لها 
غيره» لكن لو أخطأ الإمامُ في قراءته في أثناء الصلاة فإنَّ أبا يعزى لا يَلِبَثْ 
أن يُعاجِلّه بتصحيح الآية من فوره"» وكان عبد العزيز الدَبّاغ -وهو أيضًا 
مي لا يقرأ ولا يكتب- يشرحٌ لمؤلّف «الإبريز» نصوصًا وفقراتٍ بالغة 
التعقيد من كتاب: «الفتوحات)”" مما أدهش مؤلّفت «الإبريز»» وهو العالم 
المتبِحُرٌ والقارئ المتعمّقٌ في مؤلّفات ابن عربي: 
” حقيقة الأمر فيما استجدٌ في هذا الموضوع هو أنه بينما كانت الأمة 
تو ا قاسية من الّمرق والخلاف في تلك الفترة» وبينما كانت 
لذ الع ارقت جم أو تفر هناك على حدود الأمة راو 
00 يشكل منذ ذلك التاريخ» وكيا فكيتاء عركر تَجَمّع والتقاء 
ا مشترّكء لم يكن ليظهرء وما كان له أن يظهرء حتى ذلك الحين. 
وهنا بدأ الظهورٌ التدريج للطرق الصوفية بوصفها تنظيمات 


(۲) أحمد بن المبارك كتاب الإبريز» القاهرة» ١971١‏ . انظر على سبيل المثال ص 2117/9 .18٠‏ 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ا 
وجماعات لم تكن معروفةً من قبل» وهنا ارا ظهر التأكيد الأوضح 
-في تعاليم التصوف- على ترسيخ وظيفة «الوساطة» للآولياء» وهنا 
-أيضًا- بدأ التحول التدريجي من السلوك الفردي الخاص غير الملتزم إلى 
السلوك الجماعي المنضبط بقواعد التصوف وآدابه» ولكن هناك تقديراتٌ 
عة توحي بأن جهاتٍ عليا تعمّدّت أن يتبنى الناس موضوع «تعظيم قبور 
الأولياء»» ونقصد بالجهات العليا أو لا وقبل کل شي ء- الأمراء والحكام 
ولم تَغْبْ هذه الملاحظة عن ذهن ابن تيمية؛ لأنه -وهو ينجي باللائمة 
على عامّة الناس- كان يوجّه خطابه إلى الحُکام» وإلى حاشيتهم من رجال 
السلطة» وبرغم جيطته وحذره في مخاطبة الأمراء والسّلاطين فإننا نستطيع 
أن نلاحظ من ثنايا حديثه أنه -وهو يطالب الحكام بمحاربة البدع التي لا 
يُرّها- لا يكتفي باتهامهم بالتّراخي والإهمالٍ فيما يجب عليهم أن يفعلوه. 
وإنما كان يرى فيهم خصومًا بالفعل» وأعداءً على الحقيقة. 

وبعَّض النظر عن الباعث الحقيقت لدى الأمراء والسلاطين على 
الاعتقاد في الآولياء» وهل هو اقتناعهم الشخصي أو رغبتهم في تحقيق 
مصلحة سياسية» فإن واقع الأمر يشهذ بأن الأيُوبيين والمماليك والمغول 
والعثمانيين كانوا -بانتظام- أنصارٌ الأولياء وحماتهم» أحياءً كان الأولياء 
أو مُنتَقِلِينَ إلى الدّار الآخرة» وكانوا المُشْجّعِينَ على مَظاهر التعظيم التي 
أحاطت بالأولياء". 
)١(‏ يُعزى بناء الأضرحة على قبور الأولياء إلى العثمانيين بوجه خاصء (فيما يتعلق 


بضريح ابن عربي فإنه سَيّد بناء على أمر السلطان سليم الأول بعد غزو دمشق» سنة 
7“ ثم أصبحت هذه الأضرحة- فيما بعد- مواطن احترام وتوقير شديد = 


www.alimamaltayeb.com 


٤۲‏ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 

ولكن لو تجاوزنا هؤلاء الحُكام فسوف جد مِن خلفهم جلساءهم 
ونُصحاءهم. ونعني بهم طبقة الصوفية الأرستقراطية بكل ماعرف عنها من 
إيمانٍ وعلم شهدت به وأَكَدَنه سي رتهم ومعاملاتهم ومۇلفاتهم إلى درجة 
يستحيل معها أن تعر على مسوّع واحد يحملنا على اتهامهم بالرغبة في 
بعك الشرك أو اجا الا ال ت القاسية 

إن دور عمر الشّهروردي مع الخليفة الناصر أو دور الشيخ المنبجي 
مع بيبرس أو ابن عربي مع الملك السلجوقي كيكاؤوس ثم بعد ذلك مع 
شخصيّاتِ أخرى من أفراد العائلة الأيوبية؛ هذه الأدوار إِنْ هي إلا دلائل 
تشهد غل هدق ما فع «الصفوة» من تأثيراتِ واعية ومقصودة في 
عمليات اتير الى تحدت فى المجيعات. 

وهنا أيضًا لا يُخطئ ابن تيمية هدفه. وإن کان يعتمد على فطنته وذکائه 
بأكثر مما يعتمد على مُعطيات مذهبه» وهو وإن کان يواجه بمُساءلاته 
العنيفة شخصيّاتٍِ متَّهِمّة اختارها -بمهارة- مثل: كريم الذَّين أمولي 
وشيخ الشيوخ الخانقاه سعيد السعداء» وصاحب السلطان والنفوذ 
الشيخ المنبجي» وابن عطاء الله. الخليفة الثاني لأبي الحسن الشاذلي» 
والمؤسّس الحقيقي للطريقة الشاذلية التي انتسبت إلى الشيخ أبي الحسن 
a,‏ سير اسه تي ولف لدان إلى كن Na‏ 

-من قبل جمهور المسلمين» وقد رعى العثمانيون الموالد ونظموها انطلاقا من أنموذج 


المولد النبوي الذي اشتهر أولا في البلاط الفاطمي» ثم تطور - بعد ذلك بناء على 
مبادرة من صهر صلاح الدّين - إلى نظام رسمئ عند المسلمين السّنة. 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش 3 
فإلّه يوجّهها على وجه الخصوص إلى ابن عربي» أول من قدّمَ نظريّة 
متكاملة عن «الولاية»» وهي نظريّة يصعب القول بأن ا 
غ ا ار رف 
قابا للجدل والمناقشة بين مؤيّدِ ومُعارضء وإِلّه لمن السابق لأوانه أن 
18 عونا اعجار جدوة الأقارة إلى هذا الجدل مستا 

لقد بدأ جولد تزيهر أبحائه في هذا الموضع منذ مائة عام حلت 
وبدءًا من ذلك التاريخ تزايدت المواد والوثائق ا 
الموج ديق يا اا ك من ارات ققد سارت دافا بالك 
المسبقة كنتيجة طبيعيّة لتطبيق «الأنموذج المزدوج» الذي يعتسف الحقائق 
ويلتوي بتفسيراتهاء ومثل هذه الدّراسات لا تسمحٌ -بطبيعة الحال- بأيٌّ 
محاولة مُتّرنة لرصد تاريخ الولاية في الإسلام» وهو تاريخ ينبغي أن يكون 
تاريخًا للأولياء» وتاريخًا لعلاقات الأمّة بأوليائها في الوقت نفسه. كما 
ينبغي أن يكون تاريخًا للمذاهب وللسّلوك وللاتجاهات معًا. 

رعلا الات الى بين آيذينا الان لبن إلا مج د ساهمة عر لفق 
تأتي في بداية مشروع ضخم نرجو أن يكتملٌ بأبحاث تالية» تخد من «دور 
ارلا اران الصوفية» موضوعًا تدور عليه هذه الأبحاث. 

ولو استطاع هذا الكتابُ أن يُقنِمَ قاركه في نهاية المطاف بأنَّ كتاباتِ 
ابن عربي دمن بين سائز الدراسات الأخرى المتعلقة بموضوع الولاية 
في الإسلام- تُعَدٌ المرجع الأكبر لهذه الدراسات» وأنَّ أيّ باحثِ في هذا 
الموضوع لا يستطيعٌ أن يضربَ صَفْحًا عن كتابات ابن عربي دون أن يقع 


www.alimamaltayeb.com 


33 الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
في هوَّةٍ المتناقضات أو متاهة التفسير المغلوط» نعم -لو استطاع كتابُنا هذا 
أن ينتزعٌ لقارئه اليقِينَ بهاتين التتيجتين فان جهدّنا هنا لم يكن ليذهب سدى 
قبل أن يبل هدقه. 

يد أن عَمَلنا هذا لم يكن مُتَصِوٌرًا من هذه الزّاوية فحسب؛ لأن الأولياءً 
ينتمون إلى التاريخ» والولاية -كما يتصوّرُها الشيخ الأكبرٌ- تلقي بظلالها 
على التاريخ» وتقديرًا لهؤلاء الذين لا يهتمُون بقضايا التّراع التي أثرناها 
في كتابنا هذاء ويستشعرون في نفوسهم أهمية ابن عربي -دون أن تناح لهم 
فرصة الاطّلاع على مؤلّفاته- آثرنا الاعتماد على َع التصوص» واقتقاء 
آثارها ونحن نحاولٌ تقديم عرض مُنَظَّم وأمين لمذهب الشَّيخْ وتعاليمه. 

ولقدكان«كَجٌّ»هذهالتعاليم في تو ده وتَفرٌدِمبرٌرَاقويّالتناؤلها بالدّراسة. 

هذاء وسوف يجد القارئ -في بعض موضوعات الكتاب- معطيات 
سنا بها بعص المؤلَفِينَ ممّن قُدّر لهم ارتياد آفاق تراث الشيخ» لكك 
سيجدٌ أنّنا في البعض الآخَرِ من هذه الموضوعات قد وَضَعنا أيديّنا على 
«معطياتِ» لم يبه لها هؤلاء المؤلّفُونَ أو تََبّهوا لها لكنّهم لم يضعوها في 
موضعها الصحيح. 

وإذاكان تحديدٌ المعالم الرئيسة لمذهب ابن عربي في الولاية هو الهدف 
الحقيقي من هذه الدّراسةٍ فَإنَّنا مع ذلك لا نزعم آنا حدّدنا هذا المَذْمَبَ 
تحديدًا تامًا ومستوعبًا؛ لأ ابن عربي -دون مبالَغة- لم يَتحدَّثْ من أُوَّلٍ 
سطر في كتاباته وإلى آخر سطر فيها إلا عن «الولاية» وعن طُرّقِها وغاياتهاء 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ٤۵‏ 
عن هذا البَحرٍ الذي لا ساحلٌ له «إذا استعرنا تعبيرٌ الصّوفيّة المفضّّل عن 
الولاية) والذي سيبقى مع الرّمن لا تحدّه الحدوف TT‏ 
وهنا يجبُ على أن أتقدّمَ بعرفاني بالجميل -دون أن أقضي حى 
الوفاء به إلى ميشيل فالسان 17215312 1/1111 صاحب المعرفة الواسعة 
والمُتعمّقة بالشيخ الأكبر وبعلومه؛ فهو الذي اكتشفت على يديه- منذ 
أكثر من ثلاثين عامًا- ابن عربي» وعلومّه ومعارفه» وإليه يرجع 0-7 
في توجيه جهودي» وهي تتلمّسُ طريقها نحو فهم الشيخ الأكبر وإ 
يرجع الفضل أيضًا في فهمي المعالم الآساسية لحياته وسيرته المباركة» 
وفي ذكرى فالسان يُحَتّم واجبٌ الوفاء أن يكون هو أول مَن أتقدَّمٌ إليه 
رلا كان كايا هذا يتحمل على موضوعات عة طرحت من قبل في 
فصول دراسيّة بقسم العلوم الاجتماعية بمدرسة الدّراسات العُليا بباريس 
A1 «e ۹/10‏ 4© - لزم هنا أن أتوجّه بالشّكر الخاص 
إلى 111166 115326015 رئيس المّدرسة آنذاك» على حَفاوته واستقباله 
إلى كل كن خر من اعدو | على هذه الأ ات ومن به 
«Pierre Nora «Alexandre Bennigsen Lucette Valensi‏ 
أو ممّن قبلوا الاشتراك في مناقشتناء خصوصًا James 177. M0۲٣1‏ 
Michon .Alexandre Popovic‏ ..آ - .ل وهناك كثيرون -ممن 


يعجزني حصرٌ أسمائهم- ساعدوا على هذا العَمَل بثباتِ وصمودٍء وفي 


www.alimamaltayeb.com 


6 الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
ظروفٍ لم تكن مُواتيةً في أغلب الأحيان» وهؤلاء عليهم أن يَعلّموا أن هذا 
الكتابَ هو لمسة وفاءٍ وتقدير لثباتهم وصمودهم. 

إن هذه الطبعة اح فى اها ملاحظات واقراحات شكلها يعدن 
قرَّاء الكتاب في طبعتها الأصلية» تخر منهم بالذّكر: صديقى 11611771211 
ھا واب كلرة شود كفيش اا والتى اضطلعت -فوق 
ذلك- ا الأخطاء المطبعية» وأيضًا بعض «هفوات القلم» التي 


www.alimamaltayeb.com 


الفصل الأول 
اسم مشترك 
(وشاهدت جميع الأنبياء كلهم من آدم إلى محمد له وأشهدني الله 
تعالى المؤمنين بهم كلهم حتى ما بقي منهم أحد ممّن كان ويكون إلى يوم 
القيامة خاصهم وعامّهمء ورأيت مراتبَ الجماعة كلها فعلمت أقدارّهم». 
حدثت هذه المشامّدةٌ لابن عربي في قرطبة سنة ۵۸7 ه/ ٠١۱۹۰‏ م» 
حسبما تنص على ذلك فقرةٌ من فقرات: افصوص الحكم)"» وحين نأخذ 
في حسباننا أن ابن عربي قد وَلِدَ سنة ٠٠٠‏ ه/ 56١١م‏ تكون هذه المشاهدة 
قد حدثت له وهو في سن الخامسة والعشرين (السادسة والعشرين بالتقويم 
القمري)ء وأن دخوله طريق القوم كان قبل ذلك بست سنواتٍ فقط, 
وهناك نصوصٌ أخرى متعددة» بعضها لابن عربي نفسه» وبعضها الآخرٌ 
ِقَلّم أتباعه» تمدنا بتفاصيل أكثر عن هذه المشاهدة وتحمَرّنا على بَسط 
من بين هذه التصوضن تصن يشير إلى ن هذه «المشاهدة» حصلت 
على مرحلتين: 
(1) الفتوبحات» ٣ض‏ 09 


(۲) فصوص الحکم» ١‏ ص .١١١‏ 
(۳) الفتوحات. ۲ ص 570. 
() الفتوحات» ۳ ص8 .7١‏ 


www.alimamaltayeb.com 


3 الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 

في المرحلة الأولى: شاهد فيها ابن عربي «الأنبيا» وحدّهم. 

- وفي المرحلة الثانية: شاهدّهم مع جميع المؤمنين بهم. 

ويَنْصٌ ابرنُ عربي - اعتمادًا على ما عايّنه في المشاهدة الثاني - على 
دن الأولياءَ يسيرون على أقدام الأنبياء»» وسنرى ا ا 
«الأولياءٌ على أقدام الأنبياء»» التي يُرددها الشيخ السك غبار 1 مار 
وإِنّما هي عبارةٌ ذات معنى علمي محدّدء ويضربٌ ابن عربي- في هذا 
المقام - مثلا شيحّه «أبا العباس العريّبي» الذي كان على قدم عيسي 4¥ . 

هذه الاه ران تكن ال الأعميقه فانيا لست ا واد من 
مشاهداتٍ أخرى عدة. يؤكّدٌ ذلك صدرٌ الدّين القونويء رَبِيبُ ابن عربي 
وتلمیه فيقول: «كان شيخنا ابن عربي کا من الاجتماع بروح من 
يشاءٌ من الأنبياءِ والأولياء الماضينَ علي ثلاثة أنحاء: اا 

- إن شاء الله استنرّلٌ رُوحانيّته في هذا العالّم» وأدرّكّه متجسّدًا في 
ضوزة اة شبيهة بصورته اسي العصرية الى كانت له فى حباته الذنيا. 

- وإن شاء الله أحضرّه في نومه. 

- وإن شاء انسَلَّحَ عن مَيكَلِه واجِتمّع به). 

والحقيقةء إِنَّ كتاباتِ الشيخ الأكبر تتحدَّتُ في مناسباتٍ كثيرة جدًا 
)١(‏ سنتحدث عن الشيخ أبي العباس بمزيد من التفصيل في الفصل الخامس» ولمعرفة 


المصادر عن هذا الشيخ انظر ص ۷٩‏ هامش ۸. 
)۲( ذكره ابن العماد في كتابه شذرات الذهب» بيروت» بدون تاريخ» ج٥»‏ ص٦۱۹‏ . 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۹ 
عن اجتماعه بالانساء او بالاولاء السّابقينَ» يقّصْحُ ذلك -بوجه خاص- 
من محاوراته البارعة في كتاب: «التّجليّاتِ)”") كما ينصح بصورة طبيعية 
أيضًا وهو يتحدّث عن مُعاصريه من الأولياء ممن عرفهم» واختلط بهم. 
وعليه فإن كلمة (مذهب» doctrins»»‏ ال اخترناها جزءًا من عنوان 
هذا الكتاب إِنَّما تجيء ترجمةً - مكتوبة- لمعرفة كشفية» ولتجربة شخصية 
571 5 1 3 5 و 5 ع اع 
للولاية» بمعنى أننا لا نتوقع - فيما يكتبه ابن عربي عن هذا الموضوع أو أي 

موضوع آخر كان تنجد عَرّضًا متها كهذا الذي 8 عند «المتكلم» 0 

«الفيلسوف» حين يعرضٌ نظريَّاتِه» وابن عربي نفسّه يحذّرُنا من التفكير في 

ذلك» وهو ينبهنا إلى الأحوال التي لابَسَت نت كنابة فاته فقول «فوالله 
ما كتبثُ منه حرفا إلا عن إملاءٍ إلهيّ أو إلقاءِ ربَانيّ؛””؛ بل يؤكّدُ في موضع 
ارا رو اا رای عن الظتورة الت ت ھا فى كي لہس من عدر 

باختياره» وأنَّ الأمرّلو كان أمرّ نظر عقليئَ - كما يقول- لاختكّف الترتيبُ» 

9 9 007 

ولغيرت صورةة. 

(۱) انظر - على سبيل المثال- الفتوحات» »١‏ ص 4١56١‏ 5 ص 185. 

(۲) طبع كتاب التجليات في حيدر أباد سنة ۸٤۱۹ء‏ (وأعيد نشرّه في بيروت بدون تاريخ)» 
ثم نشره عثمان يحبى مصحوبا بشرحين: شرح ابن سودكين (التلميذ المباشر لابن 
عربي» وقد اقتصر في شرحه على نقل ما كان يسمعه من ابن عربي نفسه)» وشرح 
لولف متجهول (مسوف فى بر وكلمان إلى عبد الكريم الجيلي)+ وهذا الشرح يعنواق: 
كشف الغايات (مجلة المشرق -۱۹١١‏ ۷٦۱۹)»ء‏ وفي هذا الكتاب يسرد ابن عربي 
قصة اجتماعه بسلسلة كاملة من شخصيات تقدمته بقرون عدة» مثل الجنيد» والحلاج» 

ضرف الفتوحات» ۳« ص۷٥٤‏ . 


www.alimamaltayeb.com 


0۵۰ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبر محيي الین ب بن العربي 

5 مثا لذلك بالباب الثامن والثمانين من «الفتوحات»: «في 
معرفة أ سرار صول أحكام الشَّرع)؛ إذ يقتضي التّرتيبُ 2 المنطقيٌ 
تقديم هذا الباب في صدر الكلام على العبادات» وقبل الشروع فيهاء لكنه 
جاء متأخرًا عنها في ترتيب أبواب «الفتوحات)» وإذن فليس أمامّنا إلا 
متابعة السّير في مُنعرجاتٍ لا نهائيّة بين آلافٍ الصَّفْحاتٍ التي تتألّفْ منها 
كتب الشيخ ثم مواجهة التصوص بعضها ببعض» مع ما يبدو بينها في بعض 
الأحيان من تعاض في ظاهر الأمر أو للوّهْلة الأولى» فهذه هي الوسيلة 
الوحيدة التي تبقى لنا لإظهار الترابط المنطقي في تعاليم الشيخ الأكبر» 
واستخراج مضامينهاء وعلى القارئ» وهو يتابع سَيرّه في هذا الطريق 
المتعرّج ألا يدهش إذا ما حَجَبت الأشجارٌ عن عينيه -ولبعض الوقت- ما 
وراءها من الغاب الكثيفِ. 

إِنَّ دعوى ابن عربي «الإلهام الإلهي» - سواء كان بطريقٍ مباشر أو 
بطريق غير مباشر» كما هو الحال في «فصوص الحكم» الذي أخذه منامًا 
من يد التب ية وكذلك الشواهد الغيبيّة التي يستند إليها في كل صفحات 
كتبه 5 تقريبا ثم صعوبة الإحاطة بمذهبه في كل أبعاده» وبکل دقائقه عبر كثرة 
کر من الصوصض: ومن وجهات نظر كثيرةٍ تتعاقبٌ في تباينٍ واختلافٍ - 
كل ذلك يمسر لنا دونما ريب أو شك بعص جوانب الهجمات العنيفة التي 
وجُهت لابن عربي» وقد كان مفهومٌ «الولاية» محورٌ كل هذه الهجمات؛ 
)١(‏ الفتوحات» ۲» ص١٠١‏ . فيما يتعلق باستلهام ابن عربي الإلقاء الإلهي راجع أيضًا 


الفتوحات 2 ص09؛ ‏ ص٤ ٠"‏ ومقدمة كتاب الفصوص» الذي يقول عنه ابن عربي 
إنه أخذه من يد النبي بيه في رؤيا رآها بدمشق عام 7717/ 1774» الفصوص١»‏ ص47 . 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ا۵ 
بل كان هدقها الأول وتأتي «الغفلة» أو «سوء القصد) - بعد ذلك- لتفسّرٌ 
لنا سر البعض الآخر من هذه الهجمات. 

وهكذا اعتقد ابن تيمية (ت: 8الاه// 1778م) أنَّ الرّوحَ التي 
يستلهمُها ابن عربي في كتاباته روځ شيطانيّة» ولكي يزيد من إقناعنا برأيه 
يدعم كلامه ببعض الروايات» كتلك التي ينسبّها للشيخ نجم الدَّين الحكيم 
الذي شهد جنازة ابن عربي (718ه/ ٠174م)»‏ والتي يقول فيها: «قيِمتٌ 
دمشق فصادفت موت ابن عربي» قرايت چا هه کا نها 1 عليها الرّماد 
فرأيتها لا تشبه جنائز الأولياء». 


م 


ولم يكتف ابن تيمية بهذه القصص التي تعكس انطباعاتِ شخصية 
كقامافيل السعوبينالة مظاكل ميكاها: والترهان ين أزلياء مو واا 
الشيطان»”©» تناول فيها بالتّقِدِ اللاذع المنظَّم أقوال ابن عربي» وأقوال 
تلاميذه في موضوع «الولاية)» بحيث نستطيع القولٌ بأنه لا يمكنٌ أن نجد 
رسالة أخرى أوضح في التعبير عن هذا الغرض من رسالة ابن تيمية هذه. 
ثم جردت بعد ذلك - في نهاية القرن الثالث عشر الميلادي- حملاتٌ 
عنيفة من الخصومة والجدل على مسألة «الولاية» هذه» وعلى مسائلٌ أخرى 
مثل: «وحدة الوجود» كلازم لمذهب ابن عربي» ومثل تفسيره للآيات 
الف انرا رقي شان قرع رة مو سى »رات الع اة الاب فى جو 
rT‏ الإسلام أحمد بن تيمية» الرياض ١754٠‏ - 21787 
ج١1‏ ص١١»‏ (وقد وردت قصة الشيخ نجم الدين في مجموع الرسائل والمسائل 
ط. رشيد رضا ج٤»‏ ص۷۷). 
() ابن تيمية: «مجموعة الفتاوى): ."٠١- ٠١١/١١‏ 


www.alimamaltayeb.com 


0۲ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحبي الدّين بن العربي 

ا 9 في هذه الفترة نفسها كان Etienne T'emp1er‏ يدين 
الرشديين اللاتين -في باريس- بتهمة الهرطقّة في ۲٠۹‏ قضيّة (من بين 
هؤلاء المُدانين 541٤‏ -812 عل إعع51 الذي صدّقه دانتي 1021266 مع 
أهل الجنة). 

ولقد أورد «عثمان يحيى» في كتابه عن ابن عربي قائمة اشتملت على 
أربعة وثلاثين مصتَمًاء وثمان وثلاثين ومائة فتوى» كلها تحاكِمُ ابن عربي 
وتُديئهه وبرغم ذلك لم تستوعب هذه القائمة كلّ ما كيب إدانة لابن عربي؛ 
إذ قد نَدّ عنها كثيرون من المولّفين الذين توقفت شهرتهم عند حدود 
بيئاتهم المحلية» كما سقط من حُسبانها كل ما كِب في الآداب الفارسية 
في هذا الشأن2. 


)١(‏ توجد أوجه شَّبّه كثيرة في قضايا الاتهام بين ابن عربي والعلماء اللاتين» منها: التفسير 
البدعي لمدلولات وتعاليم النصوص المقدسة المتعلقة بموضوع العذاب في جهنم 
وأبدية العالم ولا نهائيته» ومسألة الإباحة الجنسية» (تلك التي رددها السخاوي - 
كثيرا- في كتابه القول المُنبي..» مخطوطات برلين 7844 581: ۹۰٩۷ء‏ وعلى سبيل 
المثال لوحة ٠7‏ أء ۹۷ب)» هذا وإن اتهام الصوفية بالإباحة مطعن تقليدي اضطلع 
بصياغته ودرج عليه ابن الجوزي في كتابه: تلبيس إبليس» (القاهرة ص 70١‏ - 2705 
بدون تاريخ). غير أن اتهام ابن عربي بالإباحة يتناقض تناقضا كاملا مع موقفه من 
الشريعة» وسنعود إلى هذا الموضوع مرة أخرى فيما بعد. 

(۲) من ناحية أخرى أورد عثمان يحيى قائمة تضم ٠۳‏ فتوى تنتصر لابن عربي وتزكيه. ومما 
تجب ملاحظته أن المصدر الأساسي الذي اعتمد عليه عثمان يحيى في إحصاء الفتاوى 
التي أدانت ابن عربي هو كتاب «القول المنبي» للسخاوي» (المتوفى ۹۰۲/ »)١٤۹۷‏ 
ويشتمل مخطوط هذا الكتاب على ما يقرب من 0٠١‏ لوحةء تعَدّ- في معظمها- قوائم 
من ترويج الإشاعات أو من الطعون الجارحة» الأمر الذي يصعب معه حسبان هذه = 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش or‏ 

وهذه الخصومات العنيفة التي تتابعت عبر الأجيال» والتي غالبا ما 
كانت تستند في احتجاجها على دعاوى «التبديع والتفسيق» - التي عرّضها 
ابن تيمية في مؤلّفاته عرْضًا منهجيًا“ - لم تفتر ولم تتوقّف, وإنما ظهرت 
بأقوى من ذي قبل مع ظهور الحركة السَّلَفية'" في نهاية القرن الماضي 
ثم عادت -حديثًا- إلى الظهور في مصر - في قَوَةٍ وعنفي- حين اندلعت 
متاقفاث على مسوئ الصيحافة والإذاعة قد على ميشرق جالعب 
وانتهت هذه المناقشة إلى استصدار قرار بمصادرة كتاب «الفتوحات» في 
طبعيه المُحققة التي يُعنى بها مشروع عثمان يحيىء غير أنَّ هذا القرارٌ قد 
ألفى فى ينه وكات داي هذه الحملة وسالة مقتوحة تسرت في جويذة 
الأخبار المصرية في عددها الصادر بتاريخ ١5‏ من نوفمبر عام ١۹۷٠م»‏ 
وكانت مسألة الولاية وطبيعتها ومظاهرها -في هذه الرسالة- إحدى 


مسائل التزاع التي استبدَّت بهواجس قاد ابن عربي» وأقلقت بالّهه”. 


$ 


$ 


-الطعون أو الشتائم فتاوى بالمعنى الحقيقي لكلمة «فتوى»» وإن كان هذا لا يُهون - 
بالطبع- من مدى العنف ولا من حَِدَّته في المنازعات ضد الصوفية. 

)١(‏ حول هذا الموضوع انظر أطروحة الدكتوراه التي تقدم بها سيريل شودكيفيتش إلى 
جامعة باريس )٤(‏ في نوفمبر ١4/5‏ م بعنوان: ابن تيمية والجدل المبكر حول ابن عربي 
“Les Premiéres Polêmiques autour 0” Ibn Arab1: Ibn Taymiyya”‏ 
وفيما يختص بموضوع الولاية راجع بوجه خاص الصفحات .571-١57‏ 

(۲) فيما يتعلق بموقف السلفية من الأولياء والتبرك بمزاراتهم» انظر: 
J. Jomier, Le Commentaire coranique du Manûar, Paris, 1954,‏ 
chap. VII.‏ 

(۳) انظر مقالات الشيخ كمال أحمد عون» «دلالات في كتاب الفتوحات» في مجلة لواء = 


www.alimamaltayeb.com 


0 الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 

لكنّ منتقدي الشيخ الأكبر وهم يُحاكمون أنظارّه» ويصمونها 
بالهرطقة إنما يُعارضون -بوجه عام- أمورًا ثابتة بص الكتاب والسنة» كما 
يعارضون أقوال أو أفعال السلف الصالح من صحابة النبي بي وصوفية 
الصَّدرٍ الأول من الإسلام. 

ومن هناء يلزمّنا -وقبل أن نبداً في عرض مذهب ابن عربي في مسألة 
الولاية- أن نرجم -أولا وقبل كل شيء- إلى ذروة الأمر وسنامه» وهو 
القرآن الكريم» وقبل ذلك يلزمنا أن نعرض لمشكلةٍ شائكة تتعلّقٌ بمصطلّح 
أو بلّفظ «الولاية». 

إِنَنا ترجھ كلمة «ولي» بمقابلها الفرنسي: Sai‏ لاله طا في 
المعنى» ولأنه لا يوجَدٌ مقابل فرنسيٌ آخرٌ يؤدّي المعنى بأفضل من ذلك 
وكلمة «ولي» جمعها «أولياء»» وأصل الكلمة هو «و ل ي»» ويجب علينا 
هنا - وبدون أن تَستَبقٌ القول فيما قد يترتّبُ على ذلك من أوجه الشبه أو 
أوجه الاختلاف بين طبيعة الولي» ووظيفته في تدبير الحياة الرّوحيّة في 
الإسلام» وبين طبيعته ووظيفته في الأديان الأخرى - أن نشير من وجهة 
نظر اشتقاقيّة صرفة إلى أن المقابل العربي الحقيقي للكلمة الفرنسية 
5212 أو «ع]220)52126 يجب أن يكون مشتَقا من مادّة: (ق د س) التى 
تعكس معنى الطهارة والحرمة؛ وعليه يصبح المقابل المناسب في ال 


$ EN 


=الإسلام» الأعداد الخمسة الأولى من سنة 2191/5 وانظر بوجه خاص عدد مايو - 


يونيو» ص ۳۹-۳۲ وعدد سبتمبر- أكتوبر» ص 0-117 7. 
)١(‏ معناها قديس أو قداسة. 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۵۵ 


اليونانيّة هو 11328105آ, وفي اللاتبنية به Sanctus‏ روت العبريّة قادوش) أو 


3 


يكون مشها من ا بورهو ا عرس رحج هرم 
تعبر عن معنى آخخر مسقل «هو معنى التقديس أو إضفاء القداسة» 1207" 
باليونانية 1116105» وباللاتينية 1ع 52» إل أنها دائمًا لا تنم من الناحية 
العلمة عن مفهوم الولاية؛ ففي الإنجليزية نجد أن كلمة (yواه#‏ عط1» 
تعنى المقدسء تھا جد کل 5369 861¥ 1156 تدل في الاستعمال 
العادي على الوليٌ. 

ران فإن ا من هله الشات المالشوظة مواق سس لا يسايق ب 
عادة- على مفهوم كلمة «ولي» الله إا مادة (ق د س» حين يشتقٌ منها 
قولهم : "قدّس الله سرّها» كمدح وتقريظ ظا للشخص بعد وفاته» ومن الطَّرِيفٍ 
أن نلاحظ -في مقابل ما تقدّمَ - أن الاصطلاح المسيحيّ العربيٌ يَسِتَعملُ 
كلمة «قدّيس» للدلالة على معنى الأولياءء وهذا البون في الاستعمالٍ بين 
الكَلِمتينِ ال لاجد قد رول قلسي ودرا ا ل أنه 
ر ا 

وحين نتدبّرٌ معاني مادة «و ل ي» نجد أنَّ معنى القرب والدنوٌ هو أولٌ ما 
يتبادر إلى الذهن من معاني هذه المادة ثم ڌ تتولد عنه بعد ذلك دلالتان أخريان: 

= ولال على الصديق: 

- ودلالة على الحاكم» والمديّر والقائم بالأمر. 

وإذن فالوليَ بالمعنى الدَّقيق» هو الصديق» وهو القريب» وهو أيضًا 


www.alimamaltayeb.com 


۵٦‏ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
-وكما يلاحظ ابن منظور في: «لسان العرب» - النَّاصرٌ والمدبّر. 

وها هنا تساؤل يفرض نفسّه» وهو: لو انا ترجمنا كلمة (8411) 
بالمقابل العربي «ولي»» توخيًا للسّهولة» وتمهيدًا لتحديدٍ أوجه 
الاتفاق والافتراق التي ف ليما بعد رين المدلرلاث: الدقيقة هت 
المصطلحين» فما المقابل العربي لكلمة »)€Sa1ntet(؟‏ 

والإجابةٌ أن ها هنا كلمتين تستعملان -معًا- مقابلا للمصطلّح 
الفرنسي» هما «وّلاية»» و«ولاية)» TET‏ 
وَلاية وولاية» وأنّ الاستعمالٌ الجاري في التّصِرَّفٍ لكلمة ولاية «تلك 
التي تتضمَّنٌ من بين معانيها الشائعة معنى المرجعيّة أو السّلطة الدّينية» إن 
هو إلا فهم صوفي معكوس الإمامةٍ شيعي غامضةٍ تستحي أن تُعلنَ عن 
نفسها)”"'» ونحن -من جانبنا- سنرجع في ثنايا بحثنا إلى هذه الدّعاوى, 
وإلى مثيلاتها التي حاولت أن تختصر التصوف الإسلامي بوجه عام 
وتصوف ابن عربي بوجه خاص في نطاق التَشيّع المُستتر. 

ونقول من وجهة نظر لُعْوية بَحتة: إن وزن «فعالة» الذي تصاغ عليه 
كلمة «ولاية)» لا شك يستعمل في الدلالة على ممارّسة الفعل أو الوظيفة» 
مثل خلافة التي تعني وظيفة الحَليفة» وإمارة التي تعني وظيفة الأمير» ونفس 
الشيء أيضًا بالنسبة لولاية التي تعني في الاصطلاح السَّياسِيَ والإداريٌّ 
وظيفة الوالي - بمعنى الحاكم- ومجال اختصاصه بوجو عامٌ. 

أما وذك «فعالة) الذي تصاغ عليه كلمة «ولاية» فإنه ا للدلالة 


„En Islam Iranien, Paris, 1979,!, p48, no. 20, et 111, انظر: 9-10 مز«‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش 0۷ 
على «الحالة»» يعلد أن هذا الوزن هو الأكثر ملاءمة لصياغة مصطلح يدل 
على الول بالمعنى الدَّقيقٍ لهذه الكلمة» ونظرًا لان نصوص المخطوطات 
الأصليّة لكتب التصوف غيرُ مضبوطة بالشَّكُل فإن كلمة «ولاية» الواردة 
فيه لا عرف هل هي بكسر الواو أو بتتحها إذ مع غياب اقبط بالشّكل 
تشتبه كتابة اولاية» مع كتابة «وّلاية) وهم لمرن بيتهماء وح لو حاولنا 
ضبطً الكلمة بالشكل فسوف تظل الكلمةٌ محتولةً للأمرين: ورد بي 
كسر الواو وفتحها معًا. 

اال الا وخصوصًا تلك التي یا ا لمر في 
البلاد العربية فإنها تظهرٌ ترجيحًا واضحًا ل «ولاية» ل ل 
أن هذا الترجيح را جع إلى تقليد ل قديم؛ ذلك أنَّ اختيار «ولاية») -بالكسر- 
55 ترج أسبايُه - أو بعص أسبابه على الأقلّ- إلى اهتمام التاطقين 
بالغرية ت بتنغيم النطقٍ وتطريبه» مما حمّلّهم على استبدالٍ الكسرة اة 
إذا وقعت قريبةٌ من الألف الممدودة. 

وقد توجدٌ لهذا الاختيار أسبابٌ أخرى غير ما ذكرناء لكن يبقى هذا 
الاختيارٌ غيرٌ مَبتوتِ الصّلة -بصورة أو بأخرى- بالتهج الذي بي عليه 
تصوٌّرٌ «الولاية» في الأمة الإسلامية» وهو تصوّر يعوّل في أهمية مباشرة 
-تتضح للعامة أكثر من غيرهم- على القوى التي يُخَص بها الولي بأكثر 
مها يرل على الخضائص الأساسية التي تمدق مها الولاية أوبهذه القوى: 
ومهما كان الأمر في ذلكء فإن مسألة الفرق بين «ولاية» و(وّلاية» مسألة 
هينه ويسيرةٌ ولا ينبغي أن تُالِعْ في بحثها أكثر من ذلك. 


www.alimamaltayeb.com 


0۸ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 

أمّا أصحاب المعاجم من علماء اللغة العربية فإنهم قد ناقشوا في 
معاجمهم المعاني التي تدل عليها هاتان الكلمتان» والعلاقات الدلالية 
المتبادلة بينهماء لكنهم برغم مناقشتهم وإيرادهم الآراء المتعارضة» تردّدوا 
تردّدًا واضحًا في القطع برأي يحسم هذه القضية» ونود أن بين - على سبيل 
الاستطراد- أن مصطلّح أميسيتيا) :162 تتتتة 1 المستعمل في تحديد 

وظيفة «القدّيس الشفيع» عند الرُومان المتأخرين يدل في المقام الأول - 

كما يلاحظ 13105712 1ع6]ه”1- على متهوم الصداقة» كما د في الوقت 

ذاته على معنى الحماية وَالسّلطة أي يدل على الولاية والولاية معا . 

ويبقى أن تور أن أقوى بج تشهدٌ لترجيح «وَلاية» -بالفتح-» والذي 
جا يوس سس ا احاتم 
ابن عربي على وجه التَأكِيدِء لاختيار «وّلاية» بالفتح بدلا من الكسر؛ فقد 

وردت «ولاية» -بالفتح- في القرآن الكريم مَرّتين: 

(۱) انظر: «لسان العرب)» بيروت» بدون تاريخ: ٠//١5‏ 5» و«تاج العروس» (مكان وتاريخ 
الطبع مجهولان): ."98/٠١‏ انظر أيضًا من المعاجم الحديثة: «المعجم الوسيط» ط. 
مجمع اللغة العربية» القاهرة ١1971١م:‏ ص١1 .٠١‏ 
أما المستشرقون فإنهم ينقسمون حيال هذا الموضوع إلى فريقين: 
- فماسينيون يستعمل ولاية أحيانًاء ووّلاية أحيانًا أخرى. 
- ونويّة في Exégêse coranique et Langage mystique‏ يستخدم كلمة ولاية» 


وكذلك فعل أبو العلا عفيفي في رسالته عن ابن عربي. 
رفا يساق بامتسمال ايها ف اللامطلاع الي اط 
.23 .م ,1985 La Société et le sacré dans L Antiquité tardive, paris,‏ 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش 01 


-جاءت في المّرة الأولى في سياق الكلام على بعض النَّاس مع اتصال 
ذي دلالةٍ قويّةٍ بكلمة أولياء المذكورة فى الآية نفسها (الأنفال: .)۷١‏ 


وجات فى المرة الثانية متعلقة يلفظ الجا (الكيف» 48), 


وعليه فسوف تُبقي على استعمال «وّلاية» -بالفتح-» ولكن دون أن 
يعني ذلك معارّضة أو رفضًا للاستعمال الشائع لكلمة «ولاية» -بالكسر-. 

غلى أن هذا الحدراتن الذي رحا في كلمة «ولاية» بين الفتح 
والكسر ا مدر أعميثه إذا علا أن بعلي القرادات لم يسم هذا الات 
أيضًا؛ فين بين الروايات السّبع المعروفة في قراءة القرآن الكريم» والمروية 
عن ابن ماجد» قرأ (حمزة) «ولاية بكسرالواو فى الأبفين اسان بیدا 
قرأها الباقون بفتح الواو0". 

أمّا مادة «و ل ي» فإنها تكرّرت في القرآن الكريم كثيرًا؛ إذ قد وردت 
فيه - تحت اشتقاقات متنوعة - سبعًا وعشرين ومائتي مرة» كما وردت 
كلمة «ولي» وجمعها «أولياء» بمعانٍ شديدة الاختلاف؛ فقد وردت في 
بعض الآيات بمعنى حَسَن في قوله تعالى: الا إت أولیاء الله لا حو 
يهم ولا هم روت ا)) [يونس: 77]» ويذكرنا رجع الصدى في ألفاظ 


رودم صو 2 ع 
2 


5 5 شياع لوس عر وام را ابر 
هذه الآية بقوله تعالى في آية أخرى: «فلتا أَهْيطُوأ مها جمِيعا فَإِمَا تنكم 
مق هُدَى فمن تی هدای فلا حَوَفُ عَليوِمْ ولا هم رون )€ [البقرة: ۳۸]» 
دكا يشي ق عقاء- إلى أن ا الرلاے مساوق لنقطة البدء فى الغا 
)١1(‏ فخر الدّين الرازي: التفسير الكبير» طهران» (بدون تاريخ)» ١٠ء‏ ص 7١١‏ في تفسير 

الآية ١لا‏ من سورة الأنفال. 


www.alimamaltayeb.com 


1 الولاية والبوة عت الشنيع الأكبر مسي الثيق بن العري 
الإنسانية؛ فقد خاطب الله تعالى آدم ي بهذا الوصف لما تاب عليه 
وأهبطه إلى الأرض لينقُدَ عليها مَهامً الخلافة» ووردت -أيضًا- كلمة 
«ولي» وجمعها «أولياء» في آياتِ أخرى بمعنى سلبي سيئ» وذلك في 
قوله تعالى: #فْمَئِلُوا أوليآء لشَّيِطانَ € [النساء: »]۷١‏ وسوف يقتبس ابن تيمية 
من هذه التسمية عنوان رسالته التي أشرنا إليها سابقاء ويستوحي منها - 
في شيء من العُموض- فكرة الولاية المعكوسة أو التي تتدرّجٌ وتتسلسلٌ 
عكس اتجاه «أولياء الله» بحيث ينتهي التدرج في أولياء الشيطان إلى 
«قطب» مثلما ينتهي التدرج في أولياة الخ إلى قطني ا 

على أنَّ كلمة «ولي» وإن كان يُوصّف بها الواحد من أفراد الناس» 
فإنها -كذلك- اسم من أسماء الله الحسني» وسنرى فيما بعد أن خاصة 
الاشتراك هذه ستتكشّفٌ عن فهوم بالغة الدّقة في تصوف ابن عربي» يقول 
الله تعالى: افةو ارج اموأ مُفْرجهُم م المت إل لبور © [البقرة: 
۷ ويقول: وله وَلَُالْمَوْمننَ )€ [آل عمران: 18]» ويقول: ون 
لين جعم اليا بعَض € [الجائية: 1]. 


)١(‏ قطب أولياء الشيطان هو الدجال» والدجال ليس - فقط- مرادفا لما يسمى 
ألتتداء 86 بل يمثل وظيفة تبلغ قمتها في المسيح الدجال» (راجع الشعراني» 
مختصر تذكرة القرطبى» حلب 46١ه»‏ ص۱۷۹؛ ويذكر الشعرانى حديثًا فى هذا 
الصدد يدل على أن عدد الدجالين يبلغ قريبًا من ثلاثين. انظر أيضًا السيوطي» الجامع 
الصغيرء القاهرة ١١464‏ ۲» ص۷۸؛ وهو يذكر حديثًا آخر يحدد عدد الدجالين بسبعة 


وعشرين» منهم أربع من النساء). 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش 51 
المعاني التي يمكن أن مُت إلى اللّفظ بِصِلَةٍ -ولو من بعيد- والتمييز 
بين هذه المعاني في شيء من التعشّف والقسر -أحيانًا- فقد اضطروا 
يد إلى معانٍ كثيرة» وقد أحصى 
«مقاتل» -من قدماء المفسرين- عشرة معان للولاية» ترجع كلها 
في الحقيقة -إلى آمرَين: 
- الأمر الأول E E‏ بم اا كلا حمق فيك 

إنه أل ما يتبادرٌ إلى الذّهن من معاني أصل هذه الكلمة» وأنه يدل بحسب 
السَّياقٍ على معاني: الصَّديق والصّاحبٍ والقريب والحليف والناصح. 

- أما الأمر الثاني: فيدور حول معنى الناصر والحاكم. 

وجميمٌ هذه المعاني المذكورة في الأمرّين السّابقين تتّصلُ اتصالا 
وثيقا بطبيعة كلمة «ولي». 

عقف الام أن دلالة كلمة «ولي» تستند إلى أنَّ وزن «فعيل» يأتي 
بمعنى «فاعل» وبمعنى «مفعول» في آنِ واحد» ومن هذا المنطلق يكون 
«الولي» بمعنى مفعول هو المقرّب والمحبوب» والمنصور والمُمَدٌ 
وبمعنى فاعل» هو الناصر والوالي -بالاصطلاح الروماني-» والحاكم؛ 
وقد عرض ابن عربي - انطلاقا من هذا المبدأً- لما جاء من الأسماء 
الحسنى في القرآن الكريم على وزن فعيل» واستنبط منها نتائج كبرى في 
اق 


P. Nwya, Exégése Coranique et langage Mystique, Beyrouth, 
1970, pp. 114-1015. 


www.alimamaltayeb.com 


1۲ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
مذهبه الصوفي» كأن يقول -مثلا- في اسمه تعالى: «عليم): «فعَليمٌ بمعنى 
عالِم» وبمعنى معلوم» وكلا الوجهين سائغ في هذه الآية 1...] فهو في كل 
شيء معلوم» ویگل لني ie‏ 

وهكذا نجد أن موضوع الولاية في أساسه وتكونه ينبع من القرآن» 
ويرجمٌ إليه» غير أن فهم آيات الكتاب الكريم إنما يزدادُ ثراء مع تدبْرٍ 
الأحروديت الوب الى 'تكرو فبها ورود ماد او لي بصورة فاضا 

ونكتفى هنا بذكر بعض من الأحاديث التى يكثر ورودها فى الكتابات 
الصوفية» ضاربين صفحًا عن الفروق الطفيفة في ألفاظ الحديث المروي 
بروايات متعددة. 

ويجب أن تنتبه إلى أن معظّم الأحاديث الواردة في هذا الموضوع 
هی أحاديث قدسية» يقول الله تعالى فى حديث قدسق: «إن أغبط 
أوليائي عندي لَمُؤمِن خفيف الحاذ» ذو حظ من الصلاة» أحسن عبادة 
ربه» وأطاعه في السرء وكان غامضًا في الناس لا يُشار إليه بالأصابع» 
وكان رزقه كفافًا فصبر على ذلك ثم نفض بيده فقال: عُجّلت منيّته» قلت 
وا 
)١(‏ الفتوحات ٣‏ ص**٠".‏ وهناك كلمة أخرى مشتقة من مادة «و ل ي)» ترد كثيرا في 

القرآن والحديث» وهي تشبه كلمة «ولي» في تضمنها لمعنى فاعل ومفعول» وإطلاقها 

على الله تعالى وعلى الإنسان» هذه الكلمة هي «مولى» وهي من ألفاظ الأضداد مثل 

كلمة «ع1206) الفرنسية. 


(۲) انظر« «فنسنك) .Wens1"^Ck‏ المعجم ا لمفهر س لألفاظ الحديث؛ ۷ ص 7375-1777 
(۳) سنن الترمذي» کتاب الزهد» باب ۳۹ مسند أحمد بن حنبل» ۵» ص۰۲۹۲ ۰۲٠۰‏ ابن 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش 1۳ 

ويقول ككَِهِ: «... واعملوا أن لله كك عبادًا ليسوا بأنبياة ولا شهدا 
يغبطهم الأنبياء والشهداء على مجالسهم وقربهم من الله [...] يضع الله 
لهم يوم القيامة منابرٌ من نور فيجلسهم عليهاء فيجعل وجوههم نورًا [...] 
وهم أولياء الله». 

وحديث «من عادى لي وليًا..) يكثرٌ وروده في نصوص كثيرة» وله دورٌ 
أساسييٌ في مفهوم الولاية عند ابن عربي» ولأنَّنا سوف نذكّرٌ هذا الحديث 
مصحوبًا بشرح ابن عربي في موضع لاحقء فإننا نكتفي هنا بسرد صدر 
الحديث» وهو: «من عادي لی وليّا فقد آذنته بالحرب)”" كما ينبغي أن 
نذكر أيضًا حديثين يُشكلان مصدرًا مهما في تحديدٍ معنى «الولي»: 

2 3 TT 

- الحديث الأول جاء فيه: «... وإن أوليائي من عبادي واحبائي من 
خلقي الذين يذكرون بذكريء وآذکر بذزكرهم)””". 

- والحديث الثاني: «لله كك مائة رحمة» وأنه قسم رحمة واحدة 
بين أهل الأرض فوسعتهم إلى آجالهم» وذخر تسعة وتسعين رحمة 
ولائ 


i 3‏ © ك 03 1 ا »ا 0 مس 23 
وسوف نلتقي في ثنايا بحثنا هذا بأحاديث أخرى كثيرة» وسنعرف من 


عربي مشكاة الأنوار» حديث رقم". 
)١(‏ الترمذي» زهد ۰٥۳‏ ابن حنبل» 6 ص79 4-7" ۳٤۲ ۳٤۱‏ 7117 
(۲( البخاريء الرقاق ۳۸ ابن ماجه» الفتن ١٠ء‏ ابن عربي: مشكاة الأنوار» رقم .٩۱‏ 
(۳) ابن حنبل» ۳» ص 570 . 
(5) المصدر السابق» ۲» ص5 .0١‏ 


www.alimamaltayeb.com 


51 الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
شروح شيوخ التصوف لهذا الأحاديث أنها تكشف أول ما تكشف عن فهم 
معنى الولي والولاية» ولكن علينا أن تُقررَ - بادئ ذي بدء- أن ذات النبي لا 
هي- على وجه التحديد- مفتاح السّرّ لاسم الولي» هذا الاسم الذي يطلق 
بالاشتراك على الله تعالى وعلى الإنسان معًا. 


www.alimamaltayeb.com 


الفصل الثاني 
من رآك فقد رآني 

يمكن للبحث أن يلمح من خلال نظرة سريعة يلقيها على كلمتي: 
ولي وولاية» مجموعتين من الدلالات تكمل إحداهما الأخرى» أما 
الأولى-وهي الأكثر شيوعًا- فتعود إلى معنى «القرب»» وأما الأخرى 
فتعود إلى مع: مشتق من معنى القرب» وهو «تولي الأمر» و«الحكم» 
وهاتان الدلالتان المرتبطتان بمادة «و ل ي»» واللتان تؤكذهما استعمالات 
النصوص المقدسة من الكتاب والسنة تحدّدان - ضمتًا أو صراحة» ومن 
غير أن تنفي إحداهما الأخرى - المعنى التَّامَّ لكلمة «ولي»» وفيما يرى ابن 
تيمية”" فإن الأولياء هم «المقرّبون) بالمعنى الدقيق والبسيط لهذا الوصفي. 


at 


وقد وردت كلمة #المقربو 


عا و 


ن في القرآن الكريم وصمًا مميّرّا لخاصّةٍ 
الخاصّةٍ في التقسيم اتا أضحاب الكيمنة وأصحاب المشعمة» وهذا 
الوصف قري وصفب آخرء هو #الَيقُونَ )€ ميّر به القرآن الكريم هذه 
الصفوة المختارة أيضًاء وذلك فى قوله تعالى: ##والتَنيفون التنيفوة ل 
د ےیور ١‏ 
ولك امرون ا [الواقعة: .]١١٠١٠١‏ 

ويستعمل ابن عجيبة -من صوفية القرن الثاني عشر الهجري -معنى 
«الأنس» بالله بوصفه معنى مساويًا لمعنى الولاية"» وعلى خلاف ذلك 
(1) ابن تيمية»مجموغة الرسائل والمساتل ١ء‏ صن» 4. 
(۲) انظر: 

J. L. Michon, Le 50115 marocain Ibn’ Ajîba et son mi rãj, Paris, 


1973, p204. 


www.alimamaltayeb.com 


5 الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
يؤكّد ابن عربي -في بعض الأحيان- على مفهوم «النصرة» في تعريفه 
للأولياء» فيقول: «واعلم أن الأولياء هم الذين تولأهم الله بنصرته في مقام 
N e‏ ا والشيطان»'. ونلاحظ 
أن الفعل «تولّى) في هذا النّصَّ فشكن هن الاصاا «ولي). 

ولكن إذا كانت ار التي م مدل شنبهة صو و 
ااا تسا ال 7 خراسان يقول فيه: 00 50 اسم با بلا 


(0 


ا 
نسبيا 


حقيقة» وقد كان من قبل حقيقة بلا اسم 
ونحن» حين نقرأ تعليقٌ الهجويري هذا في ضَوء «التوهج الرُوحي» 
السّائد إبّان تلك الفترة التي قيل فيها هذا التعليق الساخر فإنه لا ينبغي 
أن نفهم دن عدر هذا السلق ا بر أله مدا نص ا 
إيقاظٌ همم السّالكين من المبتدئينَ» لكن يبقى عَجُرُ العبارة ذاتها محلا 
بدلالات تاريخيّة؛ ذلك أن مصطلح «صوفي» -حسبما تفيده النصوص- 
إنما يرجع في أقدم استعمالاته إلى منتصف القرن الثاني الهجري» حيث 
سمي به في الكوفة هناك العالم الشهيدٌُ جابر بن حيان» تلميذ الإمام جعفر 
الصادق» وتأسيسًا على القاعدة التي تقرٌ مور أن وجود الأشياء يسبق وجود 
)١(‏ الفتوحات ”. ص۳٥‏ . 
(0) الهجويري» كشف المحجوب» ترجمة د. إسعاد عبد الهادي قنديل» ۱» ص 23794 


القاهرة ٠/19١م.‏ هذا ومنذ أن نشر >1120111©1' في سنة ۱۸۲۱ كتابه: ,5011835112115 
Theosophia Persarum Pantheistica‏ 68 ونحن الغربيين نترجم كلمة 


تصوف بكلمة 501118۳١۴‏ وهي ترجمة مربكة ولا تفي بالمعنى المقصود. 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش 1۷ 
المصطلّحات فإن كلمة «ولاية» يقال فيها نفس ما قيل في كلمة ١صوفي)؛‏ 
فقد ضَّ مصطلح «ولاية» يدي لا إلى أن جاء الحكيم الترمذي 8 
القرن الثالث الهجري فكان - كما يؤكد الهُجويري- أولّ من أدخل هذا 
المصطلح ضمن اصطلاحات التصوف”". 

وليس من شك في أن الهُجويري كان على وَعي بأنَّ هذه الألفاظ: 
فرلا رل ار لاء حدوقه ذكرت في القرآة الأ اديت المرة - لا 
يمكن أن تكون مجهولة جهلا تامًا طوال القرنين الأول والثاني للهجرة» 
وكذلك «الاستعمالات» والمفاهيم التي عبّرت عنها هذه الألفاظ قبل 
القرن الثالث الهجري» لا تقدح فيما ذكره الهجويري وأكده من قبل؛ لأن 
أهمية الترمذي -في واقع الأمر- هي أكبرٌ بكثير من أهمية مجرد استعمال 
مصطلح أو إدخاله ضمنَ مصطلحاتٍ أخرى. 

وإذاكان بعص معاصري الترمذي «من أمثال سهل التَستّرِي في تفسيره 
الذي سنتحدث عنه فيما بعد وأبي سعيد الخرّاز في رسائله» قد ألقوا بعض 
الضّوء على مفهوم الولاية» فإنَّ الترمذيّ هو أول من احتَطّ للولاية أبعادًا 
مذهبيّة أوسع وأشمل» وهذا هو ما يسوّغ الأهمية أو المكانة التي يمثْلّها 
كتابه «ختم الأولياء» بالنسبة لما سيقوم به ابن عربي - فيما بعد- من تأصيل 
لنظريّة الولاية. 1 
)١(‏ المصدر السابق ۲» ص57 5» 47 4» وفي هذا النص الذي خصصه الهجويري للحديث 

عن «الحكيمية» -أتباع الحكيم الترمذي- يظهر الخلط واضحا بين معاني ودلالات 

مصطلحي ولاية ووّلاية. 


www.alimamaltayeb.com 


1۸ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
ولد الحكيم الترمذي في خراسانء وتوفي بها بعد أن عمّرٌ طويلا في 


نهاية القرن الثالث الهجريء كان من أتباع الخّضرء وكان الحَّضر يزورٌه كل 
يوم أحدء كما يذكرٌ تلميذّه أبو بكر الورًاق"» وأكبرٌ الظن أن آراء الترمذيٌ 
ونظراته في موضوع «الولاية» كانت من وراء اتهامه بدعوى النبوة ثم 
الوشاية به عند والي بَلْخْ وكان ذلك سببًا في ابتلائه بالمصائب والمحن. 

أمّا كتابه الرئيسيئٌ «اختم الأولياء» الذي يُحتمل أنه صنفه حوالي سنة 
7ه فقد عد مفقودًا لفتراتٍ طويلةٍ لا يُعرّف عنه شيء ذو بال الله إلا 
من خلال فقرات اقتبسها منه ابن عربي في كتاب «الفتوحات»» وقد ظل 
الأمر كذلك إلى أن عثر في إستانبول -قبل أكثر من ثلاثين عامًا- على 
نسشيين خطكين من هذا الكداب» كما عثر فى الوقت تفه على نة 
ثالثة في لندن مطابقة للنسختين الأخرّيين» الأمر الذي أتاح لعثمان يحيى 


هه 
20 
هو هو م4 

32 


أن يُخرج هذا التص في طبعةٍ علميّة محققَة. 

)١(‏ المصدر السابق» ص۳٥٠‏ انظر أيضا علاقة الترمذي بالخضرء في قصة أبي بكر 
الورّاق» ص٤‏ 7”5 من الكتاب نفسه. 

(؟) كتاب ختم الأولياء بيروت ١٦۹٠ء‏ وقد ترجم عثمان يحيى هذا الكتاب إلى اللغة 
الفرنسية» (ترجمة غير مطبوعة)» ضمن أطروحته لدبلوم الدراسات العلياء وفي هذه 
الترجمة» ص١4‏ -19 قائمة إحصائية بمؤلفات الحكيم الترمذي. انظر ص9" -07 
في مقدمة ختم الأولياء. انظر أيضًا بروكلمان» الأصل ١ء‏ 2.114 والملحق ١ء‏ ١٠٠٠ء‏ 
وفؤاد سزكين 2١‏ '1601-57651. وحسبما نعلم فإنه لم يطبع من مؤلفات الترمذي - عدا 
كتاب ختم الأولياء- إلا كتاب الرياضة وأدب النفس» تحقيق آربري» القاهرة ۷٤۱۹ء‏ 
بيان الفرق بين الصدر والقلب والفؤاد» تحقيق نيقولا هرء القاهرة ۸١۱۹ء‏ الحج 


وأسراره» تحقيق حسنى نصر زيدان» القاهرة ٩٦۱۹ء‏ آداب المريدين وبيان الکسب» = 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش 53 

وكتابٌ «ختم الأولياء» ليس كتابًا منهجيًا في عَرْ ض موضوع «الولاية)» 
وترتيب الأفكار والمعلومات المتعلقة بها ومع أنه يشتملٌ -حسب تبويب 
عثمان يحيى - على تسعةٍ وعشرين فصلا إلا أن الترمذيّ لم يعرض لقضيّة 
ختم الأولياء إلا في الفصل الثامن» والفصل الثالث عشرء ثم عاد لدراستها 
-من جديد- في الفصل الخامس والعشرين. 

هذاء ويف تتح الترمذي كتابه هذا بص رائع يجيله في صورة سؤالٍ 
وجواب بينه وبين أحد مريديه» وهذا النّصٌّ يسجُلٌ في المقام الأول 
التجربة الرّوحيَّةَ التي عاشها الترمذي والتي حرص على إخفائهاء وهو 


-تحقيق عبد الفتاح عبد الله بركة» القاهرة (بدون تاريخ)» علم الأولياء» تحقيق سامي 
نصر لطف» القاهرة .١19417“‏ وفيما يتعلق بحياة الترمذي وتاريخه انظر رسالته» بدء 
الشأن» ضمن كتاب ختم الأولياء ص ١5‏ وما بعدهاء وأيضًا: العطّار» تذكرة الأولياء 
تحقيق نيكولسون, لندن 5 .14017/-19٠02‏ ج۲ ص 44-91١‏ ماسينيون €5[ 5111 105531 
origines du lexique technique de la mystique 121151111112116, Paris,‏ 
286-4 .م7 ,1954. (وهو شذرات سطحية ومغرضة» إضافة إلى أن ماسينيون لم 
يحصل على نص كتاب ختم الأولياء)» عبد المحسن الحسيني: المعرفة عند الحكيم 
الترمذي» القاهرة (بدون تاريخ» لكنه سابق على كل حال على الكتاب التالي المتضمن 
إشارات تحيل إليه)» عبد الفتاح عبد الله بركة الحكيم الترمذي ونظريته في الولاية» 
القاهرة ١۱۹۷ء‏ جزآنء (الجزء الأول عن حياة الترمذي) محمد إبراهيم الجيوشي: 
Al-Tirmidhî's theory of saints and Sainthood, Islamic Quarterly‏ 
Xv A971), pp. 17-61. B. Radtke,‏ 
Al-Hakîim al-Tirmidhî, Ein Islamishcer Theosoph, des 3/9‏ 
Jahrhunderts, Freibourg, 1980.‏ 


أحمد عبد الرحيم السايح» السلوك عند الحكيم الترمذي» القاهرة .٠۹۸۸‏ 


www.alimamaltayeb.com 


2 الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي اليّين بن العربي 
يصرف الخطاب -في كلامه- إلى شخص آخرٌ مجهول» وبرغم من ذلك 
فإن السّطورٌ الأولى من هذا النّصّ تكشف منذ أول وهلةٍ عن حقيقة الأمر 
في حياته الرُوحيّةَه وبحيث يمكن القولٌ بأنه كان يتحدث عن نفسه» وعن 
تجربته الروحية الخاصة. 

يقول الترمذي: «أما بعد» فإنك ذكرتٌ البحث في ما خاض فيه طائفة 
من الناس في شأن الولاية» وسألتَ عن شأن الأولياء ومنازلهم ومايلزم من 
وله رهل يعرف الراك ف ا 81 وذكرت آذ ااا ر لرن إن اللاي 
مجهولة عند أهلهاء ومن حسب نفسه وليّا فهو بعيد عنهاء فاعلم أن هؤلاء 
الذين يخوضون في هذا الأمر ليسوا من هذا الأمر في شيء. إنما هم قوم 
يعتبرون شأن الولاية من طريق العلم» ويتكلبوة بالمقايس وبالتوهم من 
تلقاء أنفسهم» وليسوا بأهل خصوص من ربهم» ولم يبلغوا منازل الولاية» 
ولاعرفوا صنع الله)"". 

ونلاحظ أنه تطالعنا -ومنذ البداية- في كتاب «ختم الأولياء» تفرقة 
جوهرية تعتود في الأساس على مفهوم «حق الله)» وهو حق يشا نتيجة 
سلطان الله المطلّق على جميع الكائنات دون استثناء» وهنا لاد من تجذّب 
الخَلط -فيما يرى الترمذي- ب بين «وليٌ حق الله)» وبين ¿ (وليٌ الله حقا»» 
والأصل في هذه التفرقة أن الحياة الرُوحيّة تتجلّى في مظهرّين أو بتعبير 


اصح في دين 
الدوجة الأوق تاشت عل قاعدة «التزام الصدق» بمعنى أداء 


.1١5-١١5 خحتم الأولياء ص‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۷۱ 
التكاليف بأسرها على الوجه الأكمل» سواء في ذلك التكاليف الظاهرة 
والباطنة» وهي تكاليف تقتضيها طا العلاقة بين العبد وسيده. 

أما الدرجة الأخرى فإنها تأتي ال 

ويناسبُ الشخص في الدَّرجةٍ الأولى وصف «العبادة»؛ أما في الدرجة 
الثانية فيناسبّه وصفف «العبودية»» وهي تعني- عند الترمذي - مثلّما تعني- 
لاحقا- عند ابن عربي الشعور بافتقار جميع الكائنات إلى الله تعالى افتقارًا 
تطاقاء والتاذة ا لكا بل ان اراد وا 
الاختياري- لا تنفي إحساسٌ الإنسان سدوية ا نفيًا تامّاء أما العبودية 
فإنها لما كانت تعني افتقارٌ الوجود الكوني افتقارًا مطلقًا فإنها تَجدتُ من 
الأساس مثل هذا الشعور الزائف. 

وحقّ الله على العباد يستلزمٌ - بطريق ضمنع- حقٌّ العباد على الله؛ 
ذلك أنَّ ولي «حق الله» إذا كان مدار ولايته على رعاية التكاليف الشَّرعيَ 
فهو إذيفعلٌ فإنما يفعل نَظيرٌ مقابل بر جو حصوله» أما ولي الله فهو -خلامًا 
ااا ل ال 2 
يُقايض عليه أو يُبَِلُ من أجله. 

وتحمّنٌ «وليَ الله بالعبودية المطلّقةٍ يؤمّلُ قلبّه لتجلياتِ الكمال 
المطلق» ومن هنا كانت إحدى علامات الولاية الحَقّة أو بمعنى أصح 
إحدى العلامات المتكفلة بصحة الولاية» هي- فيما يقولٌ الترمذي-: 
نزول السّكيئّةِ على قلوب الأولياء والسكينة هي «السلام» وهو من الأسماء 
الحسنى» مما يشير إلى أنَّ الحضرة الإلهية أو الحضور الإلهي حاصلٌ مع 


www.alimamaltayeb.com 


۷۲ الولاية والبوة عند الشنيع الأكبر معي الثيق بن العري 
حضور الأولياء؛ وإذن فليس من المُستغرّبٍ أن تكون إحدى العلامات 
الظاهرية للولي e‏ ارش أن أولياء الل 
هم «الذين إذا رُؤوا ذُكِر الله كك أي أنَّ السّمة الأساسية للأولياء هي 
e‏ 
التجليّاث الإلهيّة. 

وها هنا سؤال يفرضٌ نفسّه؛ بل لا مقر لأيٍّ مذهب في الإسلام يتعلّق 
بالكمال الرُّوحاني من مواجهة هذا السؤال» كائنة ما كانت «الاصطلاحات» 
التي تحدّدُ صور ومستويات هذا الكمال» هذا السؤال هو: العلاقة بين 
«الولي» من جانب» وبين ن «النبئ» و«الرسول» من جانب آخر؟ وعد ةالسالة 
هي التي ثارت على الحكيم الترمذي حَفيظة الفقهاء وشخطهم» وجرت 
عليه من صنوف البلاءٍ والاضطهاد ما ظلّ يعاني منه طوال فترة حياته. 

وقد حدَّئنا الترمذي نفسّه عن ذلك في رسالةٍ صغيرة ضمَّنها سيرته 
ال الشعوونة ا نايت الشافااة 1 الترمذي - بصدد هذا السؤال أن لتر 
والرسالة نهاية تتزامن مع ثهاية العالم؛ بمعتى أن مهمّة كل منهما تتنهي 
بانتهاء الحياة الدنياء فمع مجيء يوم القيامة يبطل معنى الإنذار بالآخرة 
وع الا اا ار و مهما بلا رشو ا 
من المعرويته أن الا قاروالا تالكر حا عدار 
نبوة النبي ورسالة الرسول «مع ضرورة الأخنٍ في الحُسبان أن كل رسولٍ 
a as VEEL ANO‏ الحديث راجع السيوطي» 

الفتح الكبير» القاهرة ١5١١ه‏ ج١‏ ص٤٠١‏ . 


\o: 


ف 


تا 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۷۲ 
نبيئٌ ) رئيس كن رر وعكذا يتوقّفُ زمان كل من الإيمان والعمل 
بغر وور ا لاب كإنها دعا فك ما تقلت كد رل 
فالأنيانة: 

ولعل في هذه التَقْرقةِ بين الولاية وبين الثبوة والرسالة مايشرحٌ لنا لماذا 
َسَمّى «الله» سبحانه بالوليّ» ولم يتسم بالنبي ولا بالرسول» ولكن هل 
تعني هذه التفرقة أن الأولياء أعلى مرتبة من الأنبياء والمرسلين؟ والإجابة 
بالتّمي المطلّق؛ لان كل نبي ) وکل رسولٍ هو في المقام الآولٍء وعلى وجه 
التحديدِ ولي كأكمل وأتمٌّ ما يكون الولي؛ غير أنه في أشخاص الأنبياء 
ولرل ودام ارلا امل مو الا ومو الا وا ا 
هذا المسغرى تمكل الرجه الخفى الابت لرجود الآتبياء والرسلء با لا 
تمثل مهمّة التبليغ التي يضطلعون بها في الحياة الدنيا إلا الوجه الظاهري 
الموقك من هذا الوجود: 

وهكذا تنشأ بين «النبوة» و«الولاية» علاقة أولية ظاهرةٌ الوضوح. 
وسيزيدها ابن عربي وضوحًا في موضع لاحقٍ. 

وإذا كان الآمر كذلك» فما المقصود من «ختم الأولياء» الذي اتخذه 
الترمذيٌ عنوانا لكتابة المعروف؟ ومرة أخرى نجد أن ابن عربي هو 
الذي سيحدّة لنا المقصود من ١ختم‏ الأولياء» من حيث طبيعته ووظيفته» 
وصحبجٌ أن الترمذيّ تحدَّث عنه كثيرًا في كتابه هذاء وفي كتابات أخرى 
إل" آنه ذم ركفت لاي هذه ال الى يبدو اة بها عن كل تن 


سَبَقهء اللهمّ إلا إشارات مُبهّمة لا تكاد تبين عن شىء محدد. 


www.alimamaltayeb.com 


41 الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 

إن َنم الأولياء - فيما يقول الترمذي - هو «حجة الله على الأولياء» 
الذي سيخاطبُهم الله بقوله اساتو راواه طخو وان نام لصوارها 
من مشاركة النفين + وهيدا أضعفكم وأقلّكم عمرًا قد آتی بجميع الولاية 
صدقاء فلّم يجعل للنفس فيها نصيبًاء ولا تلبيسًاء وكان ذلك في الغيب من 
منة الله تعالى على هذا العبد» حيث أعطاه الختم لتَقَرّ به عين محمد كَل 
في الموقف» حتى قعد القيطاة بم ل وجاء محمد ية يوم القيامة) 
بالختم فيكون أمانًا لهم من ذلك الهولِء وجاء هذا الول بحَّتمه فيكون 
أمانًا لهم بصدق الولاية» فاحتاج إليه الأوليا'. 

وفي موضع آخر ينقل عثمان يحبى نضا للترمذي یتغتی فيه بختم 
الأولياء» ويذكر أوصافه بعباراتٍ جيّاشة بالوجدان يقول فيها": «وذلك 
عبد قد ولي الله استعماله» فهو في قبضته یتقلب» به ينطق وبه يسمع. 
وبه يبطش» وبه يعقلء شَّهَرّهِ في أرضه. وجعله إِمام خلقه» وصاحبَ 
لواء الآولياء» وأمان أهل الأرض» ومنظر أهل السماءء وريحانة الجنان» 
وخاصة الله» وموضع نظره» ومعدن سره» وسوطه في أرضه» يؤدّبٌ به 
خلقه» ويُّحبِي القلوب الميتة برؤيته» ويردٌ الخلق إلى طريقه» ويُنعش به 
حقوقه» مفتاح الهدى» وسراج الأرضء وأمين صحيفة الأولياء» وقائدهم» 
والقائم بالثناء على ربه.. فهو سيد التُجباء» وضالح الحكماءة 
)١(‏ ختم الأولياء ؟575. هذاء وسياق المعنى يحتم أن نقرأً العبارة الأخيرة من النص «فاحتاج 


إليه الأولياء» بدلا من «فاحتاج إلى الأولياء». 
(۲) ختم الأولياء ٤٥۸٤٥۷‏ (نقلا عن نوادر الأصول »١15/82١101‏ ط الآستانة). 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۷۵ 

وإذاكنا تحبذ في هذا ال شا من مو وإيهام فإن تتاب اختم 
ا اض ن آخر ارصم 0 0 5 الترمذي في 
ميب حت يت يي سي 
على محور واحدٍ هو تحدّي مدعي الولاية» ومّن ا ةر وير 
بعيدٌ عنها». 

وقد طرح الترمذي في قائمته هذه سبعة وخمسين ومائة سوال ثم ترّكّها 
كلها بلا جواب» ودونما شرح أو توضيح» منها: اما بدء السكينة؟! ما معنى 
الحديث «خلق الله الخلق فى ظلمة»؟ و«ماهى حالة الخلق فى هذه الظلمة؟» 
ما معنى الحديث (إن لله مائة وسبعة عشر خلقا»؟ و«ما تلك الأخلاق؟» 
«ما كلام الله للرسل يوم القيامة؟» «ما مفاتيح الكرم؟» «كم أجزاء النبوة؟» 
«ما السجود؟ وما بدؤه؟» «ما رأس الأسماء الذي استوجب منه جميع 
الأسماء؟» د الباب الذي يكشف عن هذا س عن الخلق؟». 
ني تريب الاسلة على هله الضصورة يلإ الأسلوب الذي عیشت به خا 
الأسئلة غالبا ما يمحن ة في الغموض لدرجة أن الباحث المتأْمّلٌ لَيشعْرٌ بن 


r: 


عليه آنا از مخف طبيحة هذه لأنعلة قبل مراجية الجا عنها. 
وفيما نعلم فإن هذه الأسئلة التي وضّعَها الحكيم الترمذي امتحانًا لمن 
يزعم معرفة سر الولاية ظلّت طوال قرونٍ ثلاثة دون أن تجرؤ أي شخصية 


www.alimamaltayeb.com 


۷٦‏ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
في الإجابة عن هذه الأسئلة في رسالة صغيرةء لم تنشر بعد «الجوابُ 
المستقيم عمًّا سأل عنه الترمذي الحكيم» ثم أجاب عنها مره أخرى مع 
زيادة بيانِ وتفصيل في البات الثالك والشيعين من كناب «الفتو اتا 
ولق كانت هذه انعا مع أجوبتها أشبة بمبارّزةٍ رُوحيّة جَرَت على 
صفحات التاريخ بين حَكيمَين مُتوحٌدّين باعدت بينهما العصور والأزمان. 

وبرغم ما يسود كتاب «ختم الأولياء» من غموض في الأسلوب 
- أحيانً- ومن اضطراب في منهج التأليف» فإنَّ هذا الكتاب قد جلّى - لمن 
يدق يالل رفيا من المظاس ا ا ج اا فى ديوع اللاي 
وقد كان ذلك بمثابة خطوة أولى على طريق البحث في هذا الموضوع» لكن 
سرعان ما توقّفت هذه الخطوةٌ وانقطع سَيرُ البحث فيها زمانًا طويلًا قبل 
أن تظهر شخصيّةٌ أخرى تتابمٌ ما بدأه الحكيمٌ الترمذيٌء فهل يرجع السبب 
في ذلك إلى أن موضوع الولاية من طبيعته أن يتداخل بموضوع النْبوّةٍ أو 
أنه لا يمكنٌ له أن يُعالّج في معزل عن موضوع التبوة وخصائصها الذَاتية 
مما اضطر الباحث في الولاية إلى التزام الحذَّرٍ البالغ» والتحوّط الشديد في 
استعمال الألفاظ والعبارات؟ وليس من شك في 0 الضّجّة -التي أثارتها 
أقوال الترمذي في موضوع الولاية» والتي أثارتها أيضًا في أغلب الظن 
عبارات وأقوال جارّفَ بها تلاميذُه من بعده - كانت من وراء التَّهيّبِ أو 
(۱) الفتوحات: ۲/ ۱۲۸-٤١‏ وقد نقل عثمان يحيى في كتاب «ختم الأولياء» نص إجابة 


ابن عربى الواردة فى كتابه: «الجواب المستقيم»» كما اقتبس بعضا من نصوص الإجابة 
الواردة في الفتوحات (انظر ختم الأولياء ١55‏ -0777. 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۷۷ 
الحذر الذي التَرّم به كل من عالّج هذا الموضوع ممن جاءوا بعد الترمذي. 

وسوف نضرب صَفْحًا هنا عن علماء الكلام الذين خاضوا في مسألة 
الولاية» وإن كنا نعثرٌ عند بعضهم على تحديداتٍ أو تعريفاتٍ تعلق 
بالموضوع كالباقلاني (ت. ٠7‏ 4ه) في كتابه الذي أفرده لبيان المَرْقٍ بين 
المعجزاتٍ والكرامات والجيّل والسّحر”"”» والذي اكتفى فيه بالتأكيد على 
إمكان وقوع a‏ لباه وكا ENE‏ 
كما اكش في وصف الأولياء بأنهم «الصالحون»» وهذا الوصف -الذي 
هومن قبيل المرادفات اللفظية- لا بعد بحال من الأحوال تعريمًا كاشمًا 
عن حقيقة الأولياء. 

إذا ما ذهبنا نستطلعٌ المولّفاتِ الصوفية نفسها ألفيناها تشتملٌ باليقين 
على إشارات شلايدة الوضوح في بعضن الأحيان تتعلّق بموضوع الولايةة 
لكن يشيع في هذه المؤلّفات مَيْلُ ظاهرٌ إلى التكتّم والحذر كلما أخذ الحديثٌ 
مَجراه صَوبَ مفهوم الولاية» وتحديدٍ مقوماتها وخصائصها؛ بل هناك 
نصوص كثيرة لا تلوي على مصطلح «ولاية)» وتستعمل بدلا منه مصطلح 
«عارف» أو «صوفي» أو أي مصطلح آخر مشابه» لكنها مع ذلك تسهم -بلا 
ريب- في تحديد طبيعة الولاية» ولنا أن نعجب حين نلاحظ أن مصطلح 
«ولاية» - وهو مصطلح قرآني -لايُذكر في مؤلّفات التصوف إلا تلميحًا أو 
اقتضابًاء بينما يُذكر غيره من الاصطلاحات الأخرى في صراحة ووضوح. 


() الباقلاني» كتاب: «البيان عن الفرق بين المعجزات والكرامات والحيل والكهانة 
والسحر والنارنجات» ط. رتشرد مكارثيء بيروت /919١م»‏ ص5 0. 


www.alimamaltayeb.com 


۷۸ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
E TT‏ 
من دلالة هذه المفارقة العجيبة في موضوع الولاية» يقول فيها: «وقد 
لف المشايخ رحمهم الله كنبا في هذا «في الولاية» وقد مدت سريعًا 

لنفاسَتها)7". 
وهذا الذي يقوله الهجويري - عامدًا أو غير عامد- في صورة مبِهّمةٍ 

عامّةٍ هو في الحقيقة إشارة إلى كتابات الحكيم الترمذي في الولاية أو 

كتابات تلاميذه الذين يطلق عليهم اسم «الحكيمية»)» وقد تحدث عنهم 
الهجويري وأفاض في ذكر أوصافهم في الفصل نفسه الذي اقتبسنا منه 
العبارة السابقة» ولا يزيد الهُجويري- في هذا الفصل- على التذكير بما هو 
موجوةٌعند الترمذي مع ذكر شيء من الروايات والنوادر, مؤكدًافي كل ذلك 

على القاعدة المعروفة: «كل الأنبياء أولياء» لكن كل الأولياء ليسوا أنبياء». 
وقد أهمل الهُجويري قضيّة ختم الأولياء وأُسقَطّها من الحسبان» 

ولم يكن إهمالّه هذا مجرَّد أمر عارض غير مقصود» خصوصًا حين نأخذ 

في الحسبان أنه يذكر كتاب الترمذي «ختم الأولياء» وهو کاب ال 

بنفس الموضوع الذي تجاهله من قبلٌ(". 

)١(‏ الهجويري» «كشف المحجوب): 55 4» ويقول الهجويري أيضًا: «ولكل من المشايخ 
رحمهم الله رمز في تحقيق العبارة عن الولاية» »50١‏ وفي هذا النص ما يشهد لكتابات 
الترمذي ولما تميزت به من دقة بالغة في الموضوع. 

(؟) المصدر السابق ."٠۳‏ وقد يرجع السبب في ذلك إلى خشية الهجويري من الخلط بين 
مفهوم «ختم الأولياء» وبين بعض التعاليم الإسماعيلية. وكما لاحظ 1320016[ .11 
فإن الداعي المؤيد في الدّين الشيرازي (ت١417ه)‏ الذي عاش في هذه الفترة نفسها = 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش نها 
وكتلك أكياتك كب اصرف الى ع ف مو قر ها نا لالا تاف 
هي الأخرى عن شيءٍ أكثر تحديدًا في هذا الموضوع؛ فهذا أبو طالب 
المكى (ت. ٠؟ه)‏ يتحدّثُ فى أحد فصول كتابه «قوت القلوب» عن آهل 
المقافات مق اليو ويم بين راف د مين الأو لباك كر رن 
زه قارا رح آهل العم بالله».واهل الت وافل الخرف فيلا 
مأثوراتٍ تنسب للمسيح #6 يعدّدُ فيها فضائل الأولياء» وهذا هو كل ما 
أما كتاب «اللّمع» لأبي نصر السراج (ت. ۴۷۷ه) - من كبار قدماء 
الصوفية- فإنه يشتمل على فصل ينقد فيه المؤلفٌ دا لاذعات هو لاء 
الذي بجو ن مر هة الولذية قوق مرتبة الوه لك قر تف هنا لال عل 
يعد نقد السراج هذا نقدًا غير مباشر للحكيم الترمذي الذي لم يذكر اسمه؟ 
أو لبعض تلاميذه من «الحكيمية) ممن انحرفوا عن نهج الترمذي؟ أو على 
-- استحدث عقيدة «ختم الآئمة» ولا شك في أنها كانت عقيدة مشبوهة ومريبة في 
نظو أهل ا 
)١(‏ إضافة إلى النماذج التي نوردها هناء فإنه يمكن الرجوع إلى نصوص أخرى جمعها 
عثمان يحيى في ملحق تاريخي منشور في نهاية كتاب ختم الأولياءء ص۹٤٤‏ وما بعدها. 
(۲) أبو طالب المکي» قوت القلوب» ط. القاهرة ٠5١ه‏ ص۰۱۱۱ ۱۱۲ (فصل ۲۹). 


(۳) أبو نصر السرّاج» كتاب المع تحقيق عبد الحليم محمود وطه عبد الباقي سرورء 
بغداد ١97٠‏ ص ه08 - ٥۳۷‏ . وتجدر الإشارة إلى أن طبعة نيكولسون لهذا الكتاب 
اف قات سر و قا می هيت الاعف ادع الط طاتا آنها قير كامات رمه 
المؤسف أن المحقَقَيْن- في الطبعة العربية- لم يذكرا أي بيانات عن المخطوطات التي 
استهدا إلبها في التحتيق. 


www.alimamaltayeb.com 


۸۰ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
أقل تقدير هو نقدٌ موجّه ضد هؤلاء الذين ساهموا بتأويلاتهم الفاسدة في 
تشويه مذهب الترمذي في الولاية؟ 

ومهما يكن من أمر هذا التساؤل» ومن أمر الإجابة عنه فإن السرّاج قد 
خصّص -إضافة إلى ما سبق - فصلا آخر من كتابه”" لبحث كرامات الأولياء 
للرد على المعتزلة النافين لهذه الكرامات. ولكن إذا ذهبنا نلتمس في هذا 
الكتاب طرحا معمقا لموضوع الولاية» فإننا لا نظفر فيه بشيء ذي بال. 

ومن بين المؤلفين المعاصرين لأبي طالب المكي وأبي نصر السرّاج 
يبرز مؤلف أخر تَعَدَ كتاباته إسهامها حقيقيًا في التعرف على التصوف. 
إنه «الكلباذي» (ت ١۳۸ه)‏ صاحب كتاب التعرف» هذا الكتاب الجدير 
بما له من منهجية في التأليف» بأن يكون رسالة علمية حقيقة. وكغيره من 
السابقين له واللاحقين عليه» يخصص الكلاباذي الباب السادس والعشرين 
من كنانه هذا ليحت مسألة الكرافيات27, 

وكما هو منتظر أيضًاء يدافع الكلاباذي في هذا الفصل عن إمكان 
الكرامة وعن إثباتها ووقوعها بالأدلة الشرعية كذلك» ثم ينتهي إلى أن الولي 
تابع للنبي ومقتد به» وأن «ظهور الكرامة تأييد للنبي» وإظهار لدعوته» وليس 
قدحًا في نبوته». وهذا الذي يقرره الكلاباذي يعتمد في الأصل على قول 
(1) المصدر السايق ١۸-۴۹١‏ 4: 
(۲) الكلآباذي؛ كتاب التعرّف لمذهب أهل التصوف» تحقيق عبد الحليم محمود وطه 

عبد الباقي سرورء القاهرة ١947٠١‏ م, (مصور عن ط. أربريء القاهرة »)١9651“‏ ص١‏ /ا- 


٩‏ وهذا الكتاب ترجمه أخيرا إلى اللغة الفرنسية 1061301161 .۸ ترجمة بعنوان 


.١98١ باريس‎ 11216 de Soufisme 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش 3 
أبي بكر الوراق: «النبي لم يكن نبيا للمعجزة». وقد أورد الكلاباذي قبل 
قليل من هذا الموضع عبارة الوراق هذه واستشهد به بوصفه تلميذا مباشر 
للحكمي الترمذي. ثم يطرح الكلاباذي السؤال التالي: «هل يعرف الولي 
أنه ولي أم لا؟» (وهو السؤال نفسه الذي طرحه على الترمذي أحد تلامذته» 
بالإيجاب والإثبات. وأخيرا يُنهى الكلاباذي كلامه في الولاية بالتمييز 
بين ولايتين: ولاية بالمعنى العام» وهي لعامة المؤمنين» وولاية بالمعنى 
الخاصء أي بالمعنى الاصطلاحي في علم التصوف» «ويكون صاحبها 
محفوظا عن النظر إلى نفسه [...] ويكون محفوظًا عن آفات البشرية». 

وفي هذا النص نقطتان ليستا جديدتين» لكنهما جديرتان بالتقدير: 
النقطة الأولى» العلاقة بين الولى والنبى» ومكانة الولى بالنسبة للنبى 
فى إطار هذه العلاقة لا تتجاوز دور التأكيد» وثمتئذ لا مجال لأي فكرة 
تتحدث عن تحلل الولي من قيود الشرع» أو تتحدث عن مساواة الولي 
للنبى فضلًا عن أفضليته على النبى. أما النقطة الثانية» فهى وصف الولى 
بحسبانه کائنا بشريا لا یری نفسه ولا یری بشريته. 

إذا ما انتقلنا بالبحث إلى المتأخرين من علماء التصوف. فإن أول من 
نلتقي بهم من رجال هذه الفترة» هو أبو عبد الرحمن السّلمي (ت١١٤ه)‏ 
الذي يقول في مفتتح كتابه «طبقات الصوفية» بعد حمد الله» والصلاة 
على رسوله: «وأتبع الأنبياء 3 بالأولياء». ونلاحظ أن كلمات: ول 


)١(‏ السّلمى»طبقات الصوفة تعقيق تور الدين شربية القاهرة 198 ضا 


www.alimamaltayeb.com 


۸۲ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحي الدّين بن العربي 
- أولياء- ولاية- وإن كانت تتردد كثيرا في ثنايا هذا الكتاب المتخصص 
في تاريخ الأولياء وسيرتهم» إلا أنه يخلو من أي عرض مذهبي لموضوع 
الولاية» ولا يعثر القارئ على شيء من ذلك حتى وهو يتوقع - منطقيا- 
أنه على مقربة منه. ومما يستلفت النظر - حقيقة- أن حديث السّلمي عن 
الترمذي”" لا يتضمن أدنى إشارة إلى علاقة الترمذي بموضوع الولايةه 
بل يردد السّلمي - وهو يتحدث عن الترمذي - الحكم الصارم القاسي 
الذي ينسب إلى جعفر الخُلدي (ت8: "اه) حين سئل: «هل عندك من 
كتب الترمذي شيء؟)» فيقول جعفر: «لاء ما عددته من الصوفية»”©. وهذا 
القول يجب أن يسر بما معناه أن الخلدي كان يَعُدَّ الترمذي من الفلاسفة 
لا من الصوفية. وغنى عن البيان أن كتاب طبقات الصوفية هذا يثير كثيرا 
من المسائل التقليدية» كمسألة الكرامات» ومسألة: هل يعرف الولي أنه 
ولى؟ كما يحث الكتاب على زيارة الأولياء وزيارة أضرحتهم» ويذكر 
سات ا ولا وخصائصهم» ويتحدث بصفة أخص عن أوضاعهم في 
الدنيا بوصفه أسبق لأحولهم في الآخرةء أو كما يقول السّلمي نقلا عن أبي 
سعيد الخراز (۲۸۷ه): «إن الله تعالى عجلّ لأرواح أوليائه التلذذ بذكره» 
والوصول إلى قربه» وعجّل لأبدانهم النعمة بما نالوه من مصالحهم» فعيش 
أبدانهم عيش الجنانيين» وعيش أرواحهم عيش الربانيين»". 

بيد أن أروع تعريف للوليّ يمكن أن نعثر عليه في هذا الكتاب» 
)١(‏ المصدر السابق» ۲۱۷ .۲۲٠-‏ 


(9) المضدر الان ۴ : 
المصتر اا۴ 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش 4 
ويلخصء تلخيصًا دقيقاء كثيرا من المفاهيم التي سنلتقي بها عند الشيخ 
الأكبر -في هذا الموضوع- هو بلا شك تعريف أبي يزيد البسطامي 
( ت٤۲۳‏ أو 171ه) الذي يقول فيه: «ولي الله لا يسم نفسه بسيماء» ولا 
يكون له اسم يتسمى به)". وهذه العبارة تشبه» إلى حد كبير» عبارة أخرى 
للبسطامي نفسه يحكيها عنه السَّهُلجي بقوله: "قال رجل لأبي يزيد: كيف 
أصبحت؟ قال: لا صباح ولا مساءء إنما الصباح والمساء لمن تأخذه الصفة» 
ونا لا صفة لي)”". نعم لا صباح ولا مساء في إحساس هذا الرجل الذي 
استغرقه المدد المتواضل للتور السرمديئ» وهو لا يمثلك اسما ولا رسماء 
فصار منذئذ فوق كل الصور المتغيرة ومن وراء جميع المظاهر المتعددة. 
ومن الآثار الباقية التي عنيت بتاريخ الأولياء وسيرهم كتاب «حلية 
الأولياء وطبقات الأصفياء» لأبي نُعيم الأصفهاني (ت570ه)» وبرغم 
دلالة عنوان هذا الكتاب على «الولاية» وأبحاثها فإنه لا يروي لنا غليلًا في 
هذا الموضوع. ومع ذلك» لا نعدم في ثناياه بعضا في الإشارات المهمة 
في هذه المسألة. وهذا الكتاب» الذي يقع في مجلدات عشرة ويتضمن 
ما لا يقل عن تسع وثمانين وستمائة ترجمة» يهمل الحديث عن الترمذي 
قلسي اله لا قار عاط سر "ان ولا يكن أذ بكرن هذا لكعمال 
إلا مقصودا كذلكء فالكتاب لا يشير من قريب أو بعيد إلى أيّ من تعاليم 
)١(‏ المصدر السابق» ص١١‏ . 
() عبد الرحمن بدوي» شطحات الصوفية »١‏ أبو يزيد البسطامي» القاهرة ٩٤۱۹ء‏ صص١.‏ 


(۳) أبو نعيم الأصفهاني» حلية الأولياء وطبقات الأصفياء» بيروت ١9537‏ ج١٠‏ ص 777 
=0 


www.alimamaltayeb.com 


٤‏ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحي الدّين بن العربي 
الترمذي أو أقوله في موضوع الولاية» مع أن هذه التعاليم تمثل -دونما 
ريب- أعظم ما أسهم به الترمذي في علوم التصوف. 

وفي هذا الكتاب تحدد» شيئا فشيئاء صورة الولي» كما تأخذ في الظهور 
دراسة لأنموذج الولاية» ولكن من خلال معالجة مضطربة» وعبر جمَّل 
إشارية» أو عبر أوصافء قد تتضارب -أحيانا- مع سلوك الشخصيات التي 
يتحدث عنها أبو نعيم. ولكن يبقى مفهوم الولاية ذاتها عاريا عن أي تعريف 
أو تحديد يكشف عن حقيقتها. 

وتتضمن مقدمة كتاب الحلية إشارات موحية» تقتصر في حديثها 
عن الأولياء على ذكر النعوت الظاهرة للولي» مع الاستشهاد على ذلك 
بسلسلة من الأحاديث النبوية» ومن أخبار الأوائل والقدماء”'. وفي إطار 
هذه النعوت يذكر أبو نعيم أن الأولياء هم الذين يذكرون الله» وإذا رُوُوا 
ذكر الله يله وهم المحفوظون من الزلل في زمن الفتنة» وعيشهم عيش 
الفقراء» وهم الخاملون الذين لاحظ لهم من ذكر أو شهرة» وفيهم يقول 
النبي كَلِِ: رب أشعث ذي طمرين» تنبو عنه أعين الناس» لو أقسم لى الله 
كك لأبره»”". ويستشهد أبو نعيم على قضية خفاء الولي واستتاره» مؤكدا 
على ثباتها واستمرارهاء بحديث آخر يقول فيه النبي: 4 «أحب العباد إلى 
الله الأتقياء الأخفياء» الذين إذا غابوا لم يُفتقدواء وإذا شهدوا لم يُعرفواء 
أولئك هم أئمة الهدى ومصابيح العلم»2. 
)١(‏ المصدر السابق» ج١.‏ ص ه-١7١‏ . 
(؟) الحديث مع اختلاف يسير في ألفاظه» رواه مسلم» بز 178» الجنة /4. 
(۳) هذا الحديث لم يرد في كتب الصحاح» وقد أورده السيوطي (الفتح الكبير ط. القاهرة 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۸۵ 

ومن الملامح المهمة» في مقدمة هذا الكتاب» وصف أبي نعيم لمراتب 
الأولياء» وكلامه في الزهد» واستشهاداته عليه بأقوال منسوبة إلى سيدنا 
عيسى عا وبأوامر وتوجيهات إلهية» أمر الله بها موسى وهارون 44ا 
قبل أن يذهبا إلى لقاء فرعون» وكلها تدور حول قيمة الزهد» وضرورته. ثم 
يذكر أبو نعيم بعد ذلك بقليل عبارة «ذي النون» الرائعة التي يلخص فيها 
صفات الأولياء بقوله: «هؤلاء قوم خالط القرآن لحومهم ودماءهم»'. 
وهي عبارة يُذكرنا صدى كلماتها بقول عائشة أم المؤمنين ص لما سئلت 
عن خلق النبي يَكَِِ: «كان خلقه القرآن". ويورد أبو نعيم -في مقدمته أيضًا- 
حديثا للنبي يك يقول فيه: «إن من خيار أمتى» فيما نبأني الملا الأعلى في 
الدرجات العلى» قوما يضحكون جهرا من سعة رحمة ربهم» ويبكون سرا 
من خوف شدة عذاب ربهم 35خ)”". 

غير أن أخص وصف من بين أوصاف الأولياء التي عرضها أبو 
و ا ل ا اي 
للأحاديث والآثار المتضمنة لهاء هو أن الولاية لا تقتضى -بالضرورة- أن 
لكرة رلك فاا بون لاي بل ل كيد ال اال د 
من لا صفة له» حسبما يذكر البسطامي- هو الهارب دائما من أعين الخلق. 
ومن المفارقات الغريبة في هذه المسألة أن استتار الولي (وهذا الوصف 
لا ينبغي أن نتبسط في تفسيره أو اختزاله إلى مجرد تحلي الول بفضيلة 


۱ هب ج١‏ ص52) نقلا عن أبي نعيم في حلية الأولياء. 
)١(‏ حلية الأولياء »١‏ ص5 .١‏ 
)۲( المصدر السابق >١‏ ص1 »١‏ وهذا الحديث غير موجود في كتب الصحاح. 


www.alimamaltayeb.com 


۸٦‏ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
التواضع أو الخمول» بل هو - في حقيقة الأمر - نتيجة التوبة الكاملة» 
بالمعنى الحرفي لهاذ المصطلح) هذا الاستتار يستلزم -حين يُرى الولي 
- حدوث الذكر- ولو لمدة يسيرة- في نفس الرائي. 

ولذي النون المصري- علاوة على ما سبق في هذه المسألة - أنظار 
لطيفة ترتبط بتأملاته في موضوع اتحاد الولي بالكلمة الإلهية ذاتهاء أو 
-على حد تعبيره السابق- مخالطة القرآن للحوم الأولياء ودمائهم. ويرى 
ذو النون أن النبي ية هو أنموذج هذا الاتحاد أو هذه المخالطة وضمانها 
في الوقت نفسه. وسوف نرى - فيما بعدٌ- ما تتكشف عنه هذه التأملات 
من ثمار ونتائح. 

ولخا رمال التشيرى ( تة اه واحدة من أمهات الكت القديية 
في علم التصوف. وتشغل الولاية في هذه الرسالة باب مستقلا"» لكن 
يغطي الحذر أرجاء القضية كلها في هذا الباب مثلما رأينا في المصادر التي 
ذكرناها من قبل. وفي هذا الباب يُصدر القشيري حديثه بالآية الكريمة: 
الآ ارك اوی الله لا خرف میھت ولا هم روا)4 [بونس: 
7 وهذه الآية هي العمدة في الاستدلال على موضوع الولاية. ويذكر 
القشيري أيضّاء مثلما يذكر السابقون عليه الحديث القدسي: «من أذى لي 
وليا فقد استحل محاربتي..). ثم يشير إلى ما سبق أن ذكرناه من قبل» من 
أن كلمة ولي» وهي على وزن فعيل» ذات معنى مزدوج؛ فهي فعيل بمعنى 
مفعول» وثمتئذ يكون الولي هو - فيما يقول صاحب الرسالة- «من يتولى 


(۱) القشيريء الرسالة» القاهرة» »١19651/‏ ص‌۹-۱۱۷١١.‏ 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۸۷ 
الله سبحانه أمره)؛ أو فعيل بمعنى فاعل» وحينئذ فالولي هو «الذي يتولى 
عبادة الله وطاعته». ثم يضيف القشيري «أن من شروط الولي أن يكون 
را كما امن کو المى أن کرت راک کو ان رع 
عليه اعتراض فهو مغرور مخدوع». وبعد ذلك يطرح القشيري السؤال 
المعهود: هل يعلم الولي أنه ولي؟ ويناقش الخلاف بين شيوخ التصوف 
في الإجابة عن هذا السؤال. ويبدو من كلام القشيري أنه يرى أستاذه ووالد 
زوجته أبي على الدقاق» وهو الرأي القائل بجواز أن يعلم الول أنه وليّ. 
ثم تتوالى موضوعات الولاية» بعد ذلك في هذا الباب» عبر قول تشير 
- في اختصار - إلى بعض المسائل التي عرضّت لنا من قبل» مثل مسألة 
استتار الولي في قول أبي يزيد البسطامي: «أولياء الله تعالى عرائس الله... 
لا يراهم أحد في الدنيا ولا في الآخرة». ومثل «العلاقة المستمرة» بين 
النبوة والولاية» في قول السّلمِي (أحد أساتذة القشيري أيضًا): «نهايات 
الأولياء بدايات الأنبياء». ومثل: فناء النفس» في قول أبي علم الجوزجاني 
في تعريف الولي: «هو الفاني في حاله. الباقي في مشاهدة الحق سبحانه). 
ويختتم القشيري باب الولاية بشرح مختصر للآية الكريمة التي افتتح 
بها هذا الباب» يذهب فيه إلى تفسير الآية بالعبارة المأثورة عن الصوفية في 
قولهم: «الصوفي ابن وقته»» وهي -كما نرى- وصف للصوفي لا للولي» 
غير أن القشيري ينقلها بعد تعديل طفيف ليصف بها الولي فيقول: «الولي 
ابن وقته». وتعني عبارة القشيري -كما أراد لها- أن الولي ليس له ماض 


$> 


www.alimamaltayeb.com 


۸۸ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
مهت ولا هم روت ا)4 [يونس: .]٦۲‏ 

وجريا على عادة المصنفين» يفرد القشيري بابا آخر يتحدث فيه عن 
كرامات الأولياء لكنه لا يضيف جديدا إلى الموضوع» والشيء نفسه نجده 
في تفسيره المُسمى «لطائف الإشارات» الذي طبع لأول مرة في القاهرة 
قبل سكوات» حيث لا نكاد نكر فيه إلا على قلة قليلة مخ الأضافات ذات 
الشأن» وذلك إذا ما استثنينا أنظاره الدقيقة المتعلقة -في هذا الموضوع- 
بالفرق بين المعصوم والمحفوظ. فعنده أن عصمة النبي ترجع في أساسها 
إلى أن النبي لا يخطر على قلبه السوء ولا الفحشاء» حتى مجرد التفكير في 
اقتراف الذنب لا يخطر على قلوب الأنبياء» أما الولي» فإنه لا يكون بمعزل 
عن وقوع مثل هذه الرغبة في خاطره؛ «بل قد يكون له -في الثدوة- زلآأت 
ولكن لا يكون له إصرارا»» لأن العناية الإلهية تحفظه من ذلك. 

وثمة صوفي آخر شهير هو عبد الله الأنصاري (١۸٤ه)»‏ كان والده 
مريذا لشيخ من ترمذء وكان عبد الله يذ شيخ والده هذاء حلقة الوضل 
التي ينتسب بها إلى الحكيم الترمذي انتسابا روحياء ومع ذلك لا يبدو مما 


3 


نعرفه له من مصنفات أنه أعار موضوع الولاية أهمية خاصة”". 
(۱) القشيريء لطائف الإشارات تحقيق إبراهيم بسيوني» تقديم حسن عباس زكي» القاهرة 
بدون تاريخ» في ستة مجلدات. راجع في تفسير الآية 75 من سورة يونس المجلد الثالث 
ص 5 .٠١‏ هذا ولا نجد في تفسير القشيري لقوله تعالى: #هَمَدِلوا أوْليآه ليطن 4 [النساء: 
7 أي إشارة من قريب أو من بعيد إلى موضوع أولياء الشيطان» كما صوره ابن تيمية. 
(۲) فيما يتعلق بعبد الله الأنصاري راجع: S. de Laugier de Beaurecueil‏ في كتابه 


. ١956 بيروت سنة‎ Khwaja Abdul Ansar, mystique hanbalite 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ده 
والإمام الغزالي (ت05١5ه)‏ يصنع الصنيع نفسه في كتابه الإحياء 
وهو بصدد الرد على من ينفي كرامات الأولياء» جريا على ما قضت به عادة 
كتب التصوف في هذا الموضوع'. 
ولكن مَن هم الأولياء؟ حول الإجابة عن هذا السؤال يطرح بعض من 
شيوخ التصوف» مثل نجم اين الكبرى (ت1117ه) - في كتابه فوائح 
الجمال - هذا الموضوع بصورة غير مباشرة» في إطار الحقيقة التي تؤكد أن 
الولاية هي التي تفسر الكرامات وليس العكس» وأن الولاية محجوبة دائما 
وراء مظاهرها وعلاماتها”". من بين هذه العلامات أن يكون الول محفوظا 
من الله تعالى (مع ملاحظة الفرق بين الحفظ النسبي للولي والعصمة المطلقة 
للنبي)» ومن هذه العلامات إجابة الدعوة» وأيضًا معرفة اسم الله الأعظمء 
وأسماء الروحانيين من الملائكة والجن.. إلخ. والولاية -فيما يرى نجم 
الدّين- هي الدرجة الثالثة والأخيرة من درجات السلوك الروحاني التي 
يعبر عنها بالعبادة» والعبودية» والعبودة أو العبودية المطلقة”". أو يُعبّر عنها 
بعلم اليقين الذي هو علم مكتسب» وحق اليقين الذي هو «حال» مستمرة» 
وعين القين الذي هو فناء العارف في المعروف”» أو بالتلوين والتمكين 
)١(‏ الغزالي» إحياء علوم الدَّينء القاهرة» بدون تاريخ ٤‏ ص 5ه 09-1". 
)١(‏ فوائح الجمال وفواتح الجلال» تحقيق فريتزماير» فايسبادن »١1951/‏ ص۸۲ وما بعدها 
من النص العربي. 
(۳) يفرق ابن عربي أيضًا من حيث المبدأ بين العبودية والعبادة» الفتوحات ۲ ص9١‏ 20 غير 
أنه فيما يكتبه لا يأخذ فى الحسبان هذه التفرقة النظرية. أما الترمذي» فإنه لا يفرق في 
ااا 1 


(5) ترتيب درجات اليقين - وهو ترتيب مألوف في علوم الصوفية - يشير إلى الآيتين ٥‏ ۷= 


www.alimamaltayeb.com 


3 الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحي الدّين بن العربي 
والتكوين. هذاء ولا ر يُمنح التكوين للولي إلا إذا فنيت إرادته فناء تاما في 
إرادة الحق» فها هناء ومن فم هذا الوليء ي يتحقق الأمر الإلهي حسين ينطق 
بكلمة ١كن»‏ . وفي هذا الكلام إشارة إلى قوله كدان > ا وا ت 
ردن أن تقول لك فک )4 [النحل: .]4٠‏ ويقول نجم الدّين: «واعلم أن 
السيّار [أي السائر إلى الله] إنما يوصف بالولاية إذا أوتى كن». وهنا لا يحاول 
نجم الدين- خلافا لابن عربي - أن يقدم المسوّغات الميتافيزيقية لما قد 
E‏ ميالغة مقرطة في SENE‏ للكلمة الاليي: 
كن » وإنما يكتفي بإيراد الآية الكريمة: #وَمَاهَمَآمُودَ إل أن اء أنه 4 


[الإنسان: °[ شندا فخ القران الكريم لما يقول"» ويتعين أن يكون معنى 


31 


الآية 57 هذا السياق هو «(لا تشاءون شيئا إلا يشاؤه الله كذلك». 


م 


op 


ونجم الدين» وإن كان لا يستطرد في عرض موضوع الولا ية« | إلا أنه 
يحدثنا عنها بأكثر مما حدثنا الآخرون. وما نعرفه عن حياته الروحية» من 
خلا لنصوص مؤلفاته» يوحي بأنه كان يستطيع -لو أراد- أن يذهب إلى 


=من سورة لكا حيف نكر فيهما كلمتا «علم اليقين» و«عين اليقين»: # كَلَالَوَ 
لوم عل القن © ليوك کے © راک القن (40. 

)١(‏ وللآية -في الترجمات الدارجة للقرآن الكريم - معنى آخرء هو «(لا تشاءون شيئا 
إذا كان الله لا يشاؤه». وهذان المعنيان محتملان في تفسير الآية» وهما من الناحية 
الميتافيزيقية لا يتزاحمان أو يتعارضان» ذلك أن هاتين المشيئتين» مشيئة الله ومشيئة 
عباده هما في الأمر نفسه» وعند المتحققين بأعلى رتب الولاية» مشيئتان غير متعاقبتين» 
ولا متمايزتين في أي صورة من صور المشيئة» وهذا معنى قول نجم الين الكبرى» 
«فما يريد الحق شيئا إِلّا يريده العبد» ولا يريد العبد شيثًا إلا يريده الحق». المصدر 
السابق» ص85. 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش 0 
أبعد مما ذهب إلى في هذا الموضوع. ويقطع النظر عن حياته الروحية 
الخاصة» فإن الذي لا نشك فيه هو أنه كان ميّالا إلى اقتفاء أثر الترمذي 
في نظرته لقضية الولاية. يدلنا على ذلك أن نجم الدّين كثيرا ما كان يقتبس 
عبارات شيخه عمار البدليسي (ت ٥۹۰‏ ه) ومصطلحاته» وكان هذا الشيخ 
-بدوره- يحيل في كتاباته إلى الحكيم الترمذي في مواضع عدة. وقد ربط 
البدليسي بين معنى الولاية ومعنى السكينة مثلما ربط بينهما الترمذي من 
قبل و كما مير الترمذي - أيضا- بين درنجات الولاية كذلك مير الباليسي 
في الولاية بين ولاية مقيّدة» وولاية مطلقة. وعنده أن الولي الذي يصلي 
إلى الولاية المطلقة «لا يبقى له تصرف طبع» ولا إرادة نفس» ولا اختيار 
شهوة)» بل جميع تصرفه بالله» والله يتصرف به"". وكذلك يستمد 
البدليسي من الترمذي مفهوم «ختم الأولياء»» وإن كان يعيده في صياغة 
جديدة تخلو من العمق على كل حال. ولكن البدليسي يبقى بعد كل ذلك 
شاهدا على أن تعاليم الترمذي لم تتوقف. بل ظلت تتوارث عبر الأجيال» 
حتى وإن كان في شيء غير قليل من الحذر والتردد. 

وهكذا نستطيع القول بأن كبار الأولياء الذين ضمّهم القرن السادس 
الهجري» ومن بينهم هذه الشخصيات التي فرغنا من الحديث عنها في 
الفقرات السابقة» كل هؤلاء كانت أقوالهم شاهدة على أن مسألة «الولاية» 
كانت تدخل ضمن همومهم وشواغلهم وأنهم كانوا يُسألون عن قضاياهاء 
وأنهم كانوا يجيبون عما يُسألون عنه» لكنا لو ألقينا نظرة على إجاباتهم 
)١(‏ الفقرات التي اقتبسناها هي من كتاب بهجة الطائفة للبدليسي» وقد نشرها عثمان يحيى 


في نهاية: «ختم الأولياء»: 417١-5579‏ معتمدًا على مخطوط برلين. 


www.alimamaltayeb.com 


۹۲ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
الموجزة فسوف نجدها خاوية لا تكاد تنبئنا بشيء في بادئ الأمرء وهنا 
تغدو الوسيلة الوحيدة لاكتشاف ما تتضمنه إجاباتهم من أبعاد وأنظار متسقة 
هي أن نفسر أقوالهم وأفعالهم تفسيرا مستأنيا» وسوف نرى في موضع آخر 
كيف استطاع ابن عربي أن يقدم لنا كثيرا من مفاتيح هذا التفسير. 

وثمة شخصية أخرى تَعَدٌ من أعظم شخصيات هذا القرن» ونعني بها 
شخصية عبد القادر الجيلاني المتوفى ببغداد سنة ٠ه‏ أي في الوقت 
نفسه الذي ولد فيه ابن عربي بالأندلس» ومثلما فعل البدليسي» وهو يستعير 
صورة الشجرة وفروعها ليوضح بها مفهوم الولاية» يكتفي الجيلاني بالقول 
بأن الولاية هي «ظل النبوة» والنبوة ظل الإلهية»”"» غير أن هذه الصورة لا 
تعدو أن تكون صورة مجازية» وهي وإن تكن تؤكد العلاقة الوثقى بين 
النبوة والولاية» إلا أنها صورة مقفرة لا تتكشف عن مضمون علمي كاف 
في موضوع الولاية» وسوف نعود إلى الحديث عن عبد القادر الجيلاني 
في مناسبة أخرى من كتابنا هذا. 

ولكن إذا أردنا أن نختم هذه الجولة المختصرة في النصوص المتعلقة 
بالولاية خلال قرون ثلاثة فصلت ما بين الحكيم الترمذي وصاحب 
الفتوحات» فعلينا أن نتجه بالبحث شطر شيخ من شيوخ الصوفية 
المعاصرين لابن عربي» وهو روزبهان بقلي المتوفى سنة ١ه‏ أي بعد 
عشر سنين تقريبا من وصول ابن عربي إلى بلاد المشرق» وهذا الشيخ قد 
أفرد له کوربان صفحات كثيرة للتعريف به» كما اضطلع -أيضًا- بتحقيق 
)١(‏ الشَّطَّنوفِي (ت ۱۳ ۷ه)ء بهجة الأسرارء القاهرة ١ه‏ ص74. 
(۲) انظر على وجه الخصوص: 9-146 صم ,3 .En Islam Iranien,‏ 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش 4 
كتابه (عَبّهّر العاشقين)”2. ولعل من المفيد أن نلفت الأنظار -برغم كتابات 
كوربان- إلى فقرات من كتاب روزبهان نفسه. وبين أيدينا الآن طبعات 
جديدة من هذا الكتاب لم تكن في متناول كوربان آنذاك. نقول هذا برغم ما 
نخاطر به من الوقوع في التكرار أو التداخل مع معين 1017 .11 وكوربان 
Corbin‏ .1 فى هذه النقطة أو تلك من نقاط البحث. وكذلك توجد بين 
أيدينا الآن طبعة” من كتاب روزبهان الذي سرد فيه تاريخه وحياته الروحية 
ونعني به كتاب «كشف الأسرار»» وتعد هذه الطبعة أكمل من غيرهاء برغم 
ما وقع فيها من اختلافات طفيفة. ولكننا نشير -قبل كل ذلك - إلى كتاب 
آخر هو كتاب «مشرب الأرواح» الذي نلمح فيه تأثر البقلى بالأنصاري 
في ترتيبه لكتابيه «مائة مقام»» و«منازل السائرين»» وقد انعكس تأثر البقلي 
وزعها على عشرين بابا في كتابه «مشرب الأرواح» ومن بين فصول هذا 
الكتاب فصل وقفه البقلي على موضوع الولاية يقول فيه”. «أول الطريق 
H. Corbin et M. Moin. Le Jasmin des Fidéles d4 Amour, )١(‏ 
.Téhéran-Paris, 1958‏ 
)١(‏ د. نظيف خواجه» روزبهان بقلي وكتاب كشف الأسرارء إستانبول ١م‏ وقد طبع 
نص كشف الأسرار استنادا إلى المخطوط المحفوظ في قونية. ونود أن نبين على 
هامش هذا الموضوع أن نغمة التشيع التي بروج لها كوربان في كتابات روزبهان بقلي 
لا تتفق بحال من الأحوال مع التكريم الذي يخلعه روزبهان على أبي بكر الصَّدّيق في 
حديثه عن إحدى مشاهداته» ص٤ .٠١‏ 


(۳) كتاب مشرب الأرواح» عقي بتصحيحه نظيف محرم خواجه» إستانبول اام 


الفصل: ٤۸‏ ص 5/. 


www.alimamaltayeb.com 


۹٤‏ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحي الدّين بن العربي 
الإرادة ومعها المجاهدات» وأوسط الطريق المحبة ومعها الكرامات» 
وآخر الطريق المعرفة ومعها المشاهدات. فإذا تمكن في هذه المراتب» ولا 
تجري عليه أحكام التلوين» وصار سبّاحا في بحار التوحيد» وسر التفريدء 
يكون وليا نائبا وصادقا من الأصفياء. والولاية اسم جامع بجميع منازل 
ديقي ا وقاك العارف 5© الراك لاسا نى الق سسا 

وهذا النص الذي يبدو وكأنه كلام نظري» يُجِسّده لنا عملا وواقعا 
ما يقصه روزبهان في كتابه كشف الأسرار من مكاشفات ومشاهدات 
ومنامات حصلت له في طريق القوم حين كان في الخامسة والخمسين من 
عمره» وفيها من عمق الدلالة وإثارة المشار ما يشجعنا على أن نورد بعضا 
من كلامه هاهنا. 

يقول البقلي: «رأيت الله تبارك وتعالى على سطح بيتي بوصف 
العزة وجلال القدم» ورأيت كأن العالم بأسره نور شعشعاني كثير عظيم» 
فناداني من وسط النور بلسان الفارسية مرة: «ياروزبهان! اخترتك للولاية» 
واصطنعتك للمحبة» أنت ولي ومحبي» ولا تخف ولا تحزن. فأنا أكمل 
وأعينك في جميع مرادك)» ورأيت كأن من العرض إلى الثرى”' كان بحرا 
وكان مثل شعاع الشمس ففتح فمي بغير اختيار» وأدخل جميعا في فمي» 
فما بقيت قطرة إلا شربتها». 

وواضح هنا أن معنى الكلمتين «ولي» و«ولاية» الواردتين في كلامه 
)١(‏ قرأ كوربان الثريا بدلا من الثرى وهو خطأ تابع فيه خطأ الناسخ في مخطوطة مشهد. 

التي اعتمد عليها. 


9 كشف الأسران 37 .١١‏ 


www.alimamaltayeb.com 


ا 4۵ 
هو «القرب» الذي هو المعنى الأول لأصل الكلمة «و ل ي» كما بيناه 
سابقاء ولكن بما أن الولاية يمكن أن تضاف إلى الله تعالى» فهي بهذا 
التقدير تعني النصرة التي يتسلح بها الولي؛ والولاية بهذا المعنى هي التي 
اختير لها روزبهان في رؤياه التي قصها علينا منذ هنيهة. 

وثمةنصوص أخرى لاتتضمن ذكر صريحاللولاية»لكنهامع ذلك لاتخلو 
من إشارات معتبرة» إلى حد بعيد» في فهم طبيعة الو لاية» من هذه النصوص: 

«رأيت الحق جل مرة بوصف الجمال والجلال» ومعه الملائكة 
وقلت: إلهي كيف تقبض روحي؟ فقال: آتيك من بُطنان الأزل وأقبضص 
روحك بيدي وأذهب بك مقام العنديّة وأسقيك من شراب الدنو وأظهر 
لك جمالي وجلالي إلى الأبد كما تريد بلا حجاب)2"0. 

«ورأيت ليلة بحرا عظيما وكان البحر من الشراب الأحمر”"”» ورأيت 
النبي بيا جالسا على وسط لجّة البحر متربعا سكران» وفي يده قدح فيه 
شراب من ذلك البحر فشربه» فلما رآني غرف من البحر غرفة وسقاني 
ذلك ففتح علي ما فتح» وعلمت فضله على سائر الخلق حيث يموتون 
عطاشا وهو في وسط بحر الجلال سكران»6©. 

«ورأيت في عالم الغيب عالما منورا من نور ساطع» ورأيت الحق 
سبحانه بلباس الجلال والجمال والبهاء» وسقاني من بحار الوداد وشرفني 
80 راا 
() من الملاحظ أن تكرار ظهور صورة البحر العظيم واللون الأحمر سمة بارزة تشترك فيها 


كل الرؤى والمكاشفات المذكورة في كشف الأسرار. 
)۳( كشف الأسراره .٠١١‏ 


www.alimamaltayeb.com 


۹٦‏ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
بمقام الآأنس» فلما دوت في ضوء القدّم وقفت على باب العزّة فرأيت 
جميع الأنبياء 44 حاضرين» وَرأيت موسى وبيده التوراة» وعيسى وبيده 
الإنجيلء وداود وبيده الزبور» ومحمدًا 4 وبيده القرآن» فأطعمني موسى 
التوراة» وأطعمني عيسى الإنجيل» وأطعمني داود الزبور» وأطعمني محمد 
كل القرآن» وأشربني آدم الأسماء الحسنى”" والاسم الأعظم» فعلمت ما 
علمت من العلوم الخاصة الربانية التي استآثر الحق أنبياءه وأولياءه بها». 

وفي مكاشفة أخرى يحدثنا رو زبهان أنه رأى أسدا أصفر (نلاحظ وضوح 
الرمز المزدوج للشمس في صورة الأسد الأصفر) كان يمشي على رأس جبل 
قاف» وهو جبل من زمر د يتعذر الوصو ل إليه» وهذا الجبل يشير إلى نهاية العالم 
الأرض. ويقول روزبهان إن الأسد قد أكل جميع الأنبياء» وإن الدم يسيل 
من فمه. وقد أدرك روزبهان أن ذلك إشارة إلى «قهر التوحيد وسلطنته على 
الموحدين»» ون الأسد إشارة إلى تجلي الحق تعالى في نعوت الكبرياء". 

ثم يذكر روزبهان بعد ذلك بقليل قصة مطولة عن حوادث روحية 
عرضت له في رباطه بشيراز» يقول فيها: «ثم جعلني متصفا بصفاته» ثم 
جعلني متحد بذاته» ثم رأيت نفسي كأني هوء ثم أفقت من ذلك» ونزلت 
من مقام الربوبية إلى مقام العبودية)“. 


عم و 


السا لَلْسَىَ € [الأعراف: .]18٠١‏ 
(۲) كشف الأسرار /ا١٠١.‏ 
(۳) المصدر السابق» .١١9‏ 
(:) المصدر السابق» .١١١‏ 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش فك 
وهذه أيضًا نجوى فاضت بها عبارات روزبهان» ننقلها هنا لعلاقتها 
بما قلناه سابقا عن شفافية الولي النورانية واهميتها في صيرورة قلب الولي 
محلا للتنزلات الإلهية. يقول روزبهان: «جلست (مرة) قبل نصف الليل 
عند ابني «أحمد» وكانت به الحمّى الشديدة» وكاد قلبي يذوب من الهم 
فرأيت الحق سبحانه بالبديهة على نعت الجمال» فتلطف بي وبه» فغلب 
على الوجد, [....] قلت: إلهي! لم لا تكلمني كما كلمت موسى ؟ 
فقال!: أما ترضى أن من أحبّك فقد أحيّني ومن رآك فقد رآني؟)2". 
وقد مر بنا من قبل أن الأنبياء وحدهم هم المعصومون عصمة كاملة 
من الوقوع في الذنب» أو هذا هو -على الأقل- مذهب أهل السّنة في 
هذا الموضوع» وإن كان مذهب الشيعة يثبت العصمة أيضًا للأمة من آل 
بيت النبي بيا وتأسيسا على ذلك نقول: إن حياة روزبهان» وإن أمكن 
أن نستشف في ثناياها طبيعة العطايا الإلهية الممنوحة للوليء إلا أن حياته 
-نفسها- جَسَّدتْ لنا مثلً مدهشا للمهالك التي تعرض للسالك في طريق 
القوم. يحدثنا ابن عربي في الباب الذي خصصه لمقام المعرفة من كتاب 
الفتوحات عن العلل الروحية والأدوية التي يحتاج إلى معرفتها الشيوخ 
)١(‏ كشف الأسرار» 21١7‏ وهذا الجواب الإلهي هو نفس ما جاء في دعاء أبي يزيد البسطامي 
في إحدى مناجاته: «وارفعني إلى أحديّتك حتى إذا رآني خلقك قالوا: رأيناك»» كتاب 
المع صن 451 بل إننا معد تنس الاضطلاتحات ای جاده فى با رانك روؤبهانة کرو: 
بعد أربعة قرون من وفاته في المواقف الإلهية للشيخ ابن قضيب البان (50 ١٠١ه)»‏ فقد 
نودي هو أيضًا من قبل الحق وهو في موقف مقام الخلافة: «من رآك رآني» والذي تريده 
إرادتي» انظر ابن قضيب البان» كتاب المواقف الإلهية تحقيق عبد الرحمن بدوي ضمن 


كتاب» الإنسان الكامل في الإسلام» الكويت 1515م ص V۵‏ 


www.alimamaltayeb.com 


۹۸ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحي الدّين بن العربي 
المربّون ليعالجوا بها تباعهم. وبعد أن يحدثنا عن أمراض الأفعال» يحدثنا 
عن أمراض الأحوال» وهنا يشير ابن عربي إلى واقعة في حياة ولي شيراز 
وقعت له في أثناء مقامه بمكة» يقول عنها: «حكى عن الشيخ روزبهان أنه 
كان قد ابتلى بحب امرأة مُغنية وهام فيها وجداء وكان كثير الزعقات في 
حال وجده في الله بحيث إنه كان يَسْوّش على الطائفين بالبيت في زمن 
مجاورته» فكان يطوف على سطوح الحرم وكان صادق الحاق. ولما ابتلى 
يحب هذه المغنية لم يشعر به أحد» وانتقل حكم ذلك الذي كان عنده بالله 
بهاء وعلم أن الناس يتخيلون فيه أن ذلك الوجد لله على أصلهء فجاء إلى 
الصوفية وخلع الخرقة ورمى بها إليهم» وذكر للناس قصته» وقال: لا أريد 
أن أكذب في حال. ولزم خدمة المغنية» فأخبرت المرأة بحاله» ووَجده 
بها وأنه من أكابر آهل الله» فاستحيت المرأة وتابت إلى الله مما كانت فيه 
ببركة صدقه» ولزمت خدمته» وآزال الله ذلك التعلق من قلبه فرجع إلى 
الصوفية ولبس خرقته)”". 

إن ما حدث لروزبهان بقلي يحملنا على الاعتقاد بأن ما نجده من 
مظاهر الولاية عند بعض الأشخاص يتعارض تعارضا قويا - في ظاهر 
الآمر على الأقل- مع ما نجده من مظاهر أخرى لنفس الولاية عند أأشخاص 
أخرين» فالحب الجارف وما قد ينحرف إليه - أحيانا- من ضلال» هو 
مظهر محتمل من مظاهر التصوف» وهذه حقيقة أكدتها وشهدت عليها 
شخصيات صوفية بارزة في تاريخ التصوف من أمثال الشبلي والحلاج 
في القرن الثالث أو جلال الدّين الرومي في القرن السابع» وكثير غيرهم. 


(۱) الفتوحات لك ار 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ى- 
ويتميز هذا النوع من الحب بسمة غنائية تشيع في صياغته اللفظية. ومع 
أن آفة المبالغة والسطحية كانت تتهدد هذه السمة باستمرارء إلا أنها في 
بعض الأحيان كانت تبلغ من الجمال مستوى تنفطر له القلوب. كذلك 
تميز هذا الحب بشيء من الاعوجاج عن الجادة في السلوك مع شيء 
من الافتخار والتباهي بهذا الاعوجاج وبرغم ذلك» لا ينبغي أن نقارن - 
بصورة فاصلة- بين طريق المعرفة وطريق الحب في الحياة الروحية» إذ إن 
الحياة الروحية لم تكن أبدا اختيارا أحاديثا بين أمرين لا يجتمعان: إما نور 
المعرفة» وإما غمرة الحب» وكل من عرفوا بالولاية في الجو الإسلامي 
على اختلاف بيئاتهم كانوا يجمعون بين هذين الأمرين» ومنهم ابن عربي 
الذي نظم ديوانه «ترجمان الأشواق» بإلهام من إحدى سيدات عصره» 
والقصة نفسها - أيضًا- حدثت من قبله لروزبهان بقلي في كتابه عبهر 
العاشقي» ١‏ . وإذا كان من المألوف تلقيب ابن عربي بسلطان العارفين» 
وابن الفارض بسلطان العاشقين» وجلال الدّين الرومي بسلطان المحبين» 
خصوصا عند هؤلاء الذين يعتادون زيارة أضرحتهم» فمن المعروف - قبل 
ذلك- أن كل ولي هو في الوقت ذاته» عارف ومحب. ولقد رأينا كيف 
سودّى روزبهان- في نص سالف- بين معنى الولاية وبين التخلق بخلق 
الحق. وقد لا نعثر على هذه التسوية بين المعنيين عند غير البقلي بمثل هذه 
الصياغة الصريحة» لكننا نجدها كامنة بين السطور بصورة أو بأخرى في 

4ه وى ,1د ال وازاقنا ترس رر ا فیک وانظر تیا 


يتعلق ب «عبهر العاشقين) 50 71 .2 ,3 ,11321612 .Corbin, En Islam‏ 


www.alimamaltayeb.com 


۱۰۰ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحبي الدّين بن العربي 
أدبيات التصوف التي تتحدث عن موضوع الولايةة مناغية ذاكهما اه 
مقرر من أن كلمة «ولي» اسم مشترك بين الرب والعبد؛ فالله تعالى يتصف 
بصفة العلم وصفة المحبة» بمعنى أنه العالم وأنه يُحبء قال تعالى: ع 
ومحبونة € [المائدة: 54]. وجدير بالملاحظة أن تبتدئ الآية التالية لهذا الآية 
مباشرة بقوله تعالى: لما ولیم َد [المائدة: 00]. 

إن المعرفة والحب أمران متلازمان في الولاية» ولا ينفصم أحدهما 
عن الآخر بحال من الأحوالء وما نراه من غلبة أحد الأمرين أو سيادته 
دون الأمر الآخر فإنما هو مقياس من بين مقاييس شتى في تحديد تصنيف 
الأولياء وتقسيمهم إلى نماذج كثيرة» وسوف ندرك في مواضع لاحقة من 
دراستنا هذه مدى ثراء هذا التصنيف وخصوبته. 

ومهما يكن من أمر هذا التصنيف» فإن سلوك الصوفي محفوف 
بالك کرت وهی على کر ها ر فرعا ليست إلا صررة فن ف الفرئ 
التي تستبد بالسالك وهي في أوج شدتها. فهناك فتنة النفس أو عبادة النفس» 
e‏ 
شطر معرفة «الواحد)» فإذا ما تو قف السالك في بعض مراحل الطريق 
اكتشافه «للواحد» لا يكون ثمتعذ إلا اكتشافا لنفسه هو. وهناك أيضًا فتنة 
الغير أو عبادة الغير» وهي آفة تعرض للسالك في طريق الحب» حين يغيب 
غنه أن «الغيرة أو «الكغر ليس الامظهرا من مظاهر هذا «الراحكا :وقد 
وقع روزبهان بقلي في هذا الفخ مرتين» أو مرة» على أقل تقدير» لأن مقدمة 
«عبهر العاشقين» لا تقطع في هذا الأمر بوضوح. 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۱۰1 

لقد كان البقلي غارقا في الحب الإلهيء بَيّد أنه -ولبعض الوقت- 
تسلطت عليه عبادة الغير» فانتهى في هذا الحب الإلهي إلى عبادة الظلال 
والصور المنعكسة. لا عبادة «الواحد» في ذاته» وهذا هو الكفر بالمعنى 
الحرفي لهذه الكلمة» إذ هي تعني في مدلولها اللغوي -كما يقول ابن 
عربي في مواضع عدة- حجبّ الشيء وستره''' وخفاءه. 

وتفسير ذلك أن الاستغراق في تجل واحدء وإيثاره على غيره يحول 
دون معاينة التجليات الأخرى ويحجب شهودهاء بل يحول دون شهود 
«المصدر» الذي يفيض منه هذا التجلي وتجليات أخرى لا نهاية لهاء ولا 
يمثل هذا التجلي أو ذاك إلا مظهرا واحدا من مظاهرها التي لا ينالها العدّ 
ولا الحصر. 

من هنا كان مكمن الخطر الذي أسبهت في بيانه كتب التصوف» ونعني 
به الخطر الذي يُهدّد السالك حين يركن إلى أي من الكائنات -رجلا كان 
أو امرأة- ليتخذ من ركونه إليه «أمارة على وجود التأمل الروحاني». 

ومن هنا أيضًا كانت ضرورة التقيد بالتعاليم التي تحذر من هذه 
القواطع» والتي ما فتى أئمة التصوف يرددونها في غير سأم ولا ملل» ولم 
تكن هذه التعاليم مجرد ثمرة للتقيد بنظام أخلافي تقليدي» وإنما كانت 
تجسيدًا لما تقتضيه الحكمة في هذا الأمر. 

ومما لا شك فيه أن هذه المهالك قد هوی فيها كثيرون» بل وهؤلاء 
المتميزون لم ينجوا - هم الآخرون- من المكر الإلهي الذي هو -في 


(۱) انظر على سبيل المثال الفتوحات .١‏ ص0١‏ 5» ۲ ص۱۱٩۰‏ ۲» ص۰۲۷ ٠5‏ 6. 


www.alimamaltayeb.com 


۱۲ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي اليّين بن العربي 
حقيقته- ابتلاء واختبار لصدق السالكين» ولئن أمكن أن يَضل الولي 
باقترافه الإثم» فإنه لا يمكن أن يُضْلّل غيره» لأن الحفظ الإلهي يحول دون 
ذلك: «من أحبّك فقد أحبني» ومن رآك فقد رآني». هكذا خوطب روزبهان 
بقلي وهو جالس يرنو - في شفقة إنسانية بالغة- إلى ابنه الذي كان يعاني 
من وقدة الحمّى وآلامها". 


١0‏ توجد معلومات أخرى قيمة عن الولاية بنفهومها الصوفي والفقهي والسياسي» في 
مقال 1.3206016 .11 المنشور فى: ۰ ٠‏ 00 
H. Landolt. Encyclopedia of Rela, New York 1987, vol,‏ 
pp 316-323.‏ ,15 


www.alimamaltayeb.com 


الفصل الثالث 

فلك الولاية 
لئن كانت النصوص التي أشرنا إليها -آنفا- يشوبها شيء من الغموض 
والإبهام» فإن من الواضح أن الولاية في الإسلام - في كل أحوالها- ليست 
أمرا منحصرا في معنى «البطولة» الناشئة عن الفضائل اللاهوتية والدينية» 
ونعنى بها تلك البطولة التى أدت دورًا أساسيا فى تحديد معيار «الولاية) 
عند علماء اللاهوت من الكاثوليك. وإذا رجعنا إلى الولاية في الإسلام 
فإننا نجد أن ملامح هذا المفهوم وقسماته إنما تحدد على يد ابن عربي» 
ومن خلال أنظاره وتصوراته. وسنعرف -فيما بعد- أي أساس هذا الذي 
استند إليه الشيخ الأكبر في تحديد معنى الولاية» سواء في منظوره هوء 
أو فى منظور تلامذته من بعده» كما سنعرف -أيضًا- أي ضرورة علوية 
جاوبها ابن عربي وهو يبوح بمكنونات العرفانية في تلك الفترة المحددة 
وقضية الولاية» بوصفها «حجر الزاوية» في كل كتابات ابن عربي» 
يقع في الجهة المقابلة لمستوى العلوم الميتافيزيقية الخالصة» الذي يمثل 
الجانب الآخر في كتاب الشيخ الأكبر”2 ولقد عولجت هذه القضية في 


)١(‏ من الضروري أن نبين أن هذين الجانبين السري التلقيني» والميتافيزيقي غير منفصلين» 
بل يشكلان - بطبيعة الحال- أمرين مرتبطين تمام الارتباط» ولا ينبغي أن يوحي لنا هذا 


www.alimamaltayeb.com 


14 الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
نصوص كثيرة من كتب ابن عربي دون ان يصرح -بصورة مناظمة- 
بمصطلح الوليء أو يشير إليه بهذا الاسم» وإنما ذكرها تحت اصطلاحات 
فيما بعد)» أو ملامی» أو وارث» بل ذكرها - فى بعض الأحيان - تحت 
مصطلح صوفي وعبد» أو حتى تحت مصطلح رجل (بمعنى الإنسان 
الكامل). لكننا سنقتصر في بحثنا المبدئي على النصوص التي تتضمن 
ذكرا صريحا لكلمة ولاية وكلمة أولياء. 


ويجب أن نتوقف هناء بشكل خاص» عند مصنف من أواخر مصنفات 
ابن عربى» ونعنى به كتاب فصوص الحكم”". لأسباب تتضح لنا فيما 


«التقابل» بأي نوع من أنواع التناقض أو التعارض بين المذهب الميتافيزيقي والتعاليم 
السرية في كتابات ابن عربي» إذ إن كل ما تعنيه هذه المقابلة لا يعدو «مجرد تمايز» بين 
منظورين يكمل أحدهما الآخر وهما يتبادلان التعبير عن علوم الشيخ الأكبر. 

)١(‏ اختار حامد طاهر عبارة «الولاية والنبوة» عند محي الدّين بن عربي» «عنوا لبحثه في 
مجلة ألف» (العدد 4» »١9/5‏ القاهرة ص۳۸-۷). ونشر ضمن بحثه هذا نص رسالة 
ابن عربي في هذا الموضوع لأول مرة. وبرغم هذا العنوان (الولاية والنبوة) فإن الرسالة 
التي ذكرها عثمان يحيى - بدون عنوان- تحت رقم 575 من الفهرس العام لمؤلفات 
ابن عربي» (وهي -تقريبا- نفس الرسالة المذكورة تحت رقم 577 من الفهرس 
المذكور) والتي صنفها ابن عربي سنة ٥۹١‏ ه بعد زيارته للشيخ عبد العزيز المهدوي 
في تونس. هذه الرسالة لا تعد رسالة في الولاية بالمعنى الدقيق الذي يوحي به العنوان 
السابق» (إذ هي في حقيقة الأمر ليست رسالة مستقلة في موضوع الولاية» وإنما هي 
مجرد مقدمة أو مدخل لكتاب مشاهد الأسرار القدسية -رقم ”47 في تصنيف عثمان 
يحيى - يؤكد ذلك مخطوط 77١85‏ -8101) الورقة 78-١‏ بء كما يؤكده أيضًا شرح 
ابن سودكين على هذه الرسالة» مخطوطاتء فاتح .)٠٥١۲۲‏ = 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۱۰۵ 
بعد من دراساتنا هذه. وكتاب الفصوص هذاء يتألف من ديباجة» وسبعة 
وعشرين فصلاء يبدأ الحديث في كل فصل منها من إشارة أو إلماع إلى نبي 
من الأنبياء بدءا بآدم كا وانتهاء بمحمد يَلٍِ. ولا يلتزم ابن عربي الترتيب 
التاريخي للأنبياء في ترتيب فصوص الحكم» بل يتحدث - مثلا- عن 
غيسى قبل أن يتحدث عن سليمان» وكلامه عن سليمان سبق كلامه عن 
داود 4#. ونلاحظ أنه يتتحدث عن «شيث) و«خالد بن سنان» بوصفهما 
من الأنبياء» ويفرد لكل منهما فصلا في كتابه هذاء برغم أن القرآن الكريم 


-والمتفحص لهذه الرسالة يجد أنها تعرض - إضافة لبعض قضايا في الولاية- قضايا 
أخرى غريبة عنها. ويحدثنا ابن عربي في مفتتح رسالته هذه أنه ألفها لأصحاب الشيخ 
المهدوي ليوضح لهم بعض عبارات جاءت في كلام الشيخ عن الولاية. ومع أن ابن 
عربي قد عرض بالفعل لبعض القضايا الأساسية في الولاية مما له نوع تعلق بكلام 
المهدوي. إلا أنه - في المقابل - ضرب صفحا عن قضايا أخرى في الموضوع ذاته لم 
يتحدث عنها. وبرغم كل ذلك فإن نشر نص هذه الرسالة مفيد إلى حد بعيد» وسنحيل 
إليه -فيما بعد- في مواطن مختلفة. ويطيب لنا في هذا المقام ان نوجه الشكر إلى السيد 
جيمس و. موريس الذي نبهنا إلى نشره هذا النص تحت عنوان «رسالة في الولاية». 
أما كتاب فصوص الحكم. فإننا نعتمد في إحالتنا إليه على الطبعة العلمية المحققة التي 
أصدرها أبو العلا عفيفي في بيروت عام 447١م‏ وهي أفضل طبعة ظهرت -حتى 
الآن- لكتاب الفصوصء برغم أنها لم تعول على أقدم مخطوط موجود لنص الفصوص» 
ونعني به النسخة المكتوبة بقلم صدر الدَّين القونوي» وبها شهادة إقراء مؤرخة بسنة 
٠ه‏ (مخطوطات إيف كاف موسيس .)١1977”‏ وفيما يتعلق بشروح الفصوص» 
فإننا نعول على الشروح الأصلية لهذا النص» وهي شرح جندي» (ت )١١٠١/۷٠١‏ 
طبعة أشتياني (غير محققة وكثيرة الأخطاء)» مشهد .١9/7‏ شرح عبد الرزاق القاشاني» 
(ت۷۳۰/ ۱۳۳۰)» القاهرة ۱۳۲۱ھ وشرح داود قيصري (ت١17/6/ »)170٠‏ بومباي 
5ه وشرح بالي آفندي» (ت٠45/‏ 1557)). إستامبول ١1١9‏ ه. 


www.alimamaltayeb.com 


ل الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
لا يذكر أيا منهما فيمن ذكر من الأنبياء والرسل» وإن كان «خالد بن سنان» 
قد ورد ذكره في بعض الأحاديث النبوية. ومن جهة أخرى. يصمت ابن 
عربي عن «ذي النون» و«ذي الكفل» وهما من الأنبياء الوارد ذكرهم في 
القرآن الكريم. وأخيرا نجده يعد «لقمان» نبينا من الأنبياء ويُعَنُون به فضا 
من فصوص کتابه» برغم أن لقمان - كما يبدو من سياق آيات القرآن - 

وتعني كلمة «فص» بالنسبة للخاتم - وكما هو معروف- هذا الجزء 
الذي يرصع -عادة- بالجواهر والأحجار الكريمة» وقد جعل ابن عربي 
من هذه الكلمة عنوانا يتصدر كل فصل من فصول الكتاب» تتلوه بعد ذلك 
مفردتان تحددان موضوع «الفص» ومجاله؛ هاتان المفردتان هما (حكمة) 
و«كلمة». وترد المفردة الثانية (كلمة) مقرونة أو مرتبطة بنبي من الأنبياء 
الذين تحدث عنهم ابن عربي في الفصوص. وهكذا تبدأ عناوين الكتاب 
بذكر كلمة «(فص» متبوعا ب: حكمة, ثم كلمة» فيقال -مثلا- «(فص حكمة 
إلهية في كلمة آدمية» وفص حكمة نفثية في كلمة شيثية» وفص حكمة 
قلبية في كلمة شعيبية»... إلخ. وبهذه الطريقة تستبين -على طول الكتاب- 
سلسلة من الصور أو النماذج الروحية» يمثل كل أنموذج منها- إن صح 
التعبير- نقطة التقاء بين مظهر من مظاهر الحكمة الإلهية» وذات بشرية 
قابلة تستوعب هذا المظهر أو ذاك وتحيط به» لكنها بما هي ذات بشريةء لا 
محالة تؤثر في هذا المظهر فتحدده بطبيعتها وقيودها. وسوف نرى -فيما 
بعد- أن تصنيف كتاب «الفصوص» على هذا النحوء لا يرتبط -من قريب 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۱۷ 
أو بعيد- بدواع بلاغية أو لغوية» وإنما يرتبط- عن طريق الرمز- بالبناء 
الحقيقي لمعنى الولاية. 

وتمدنا مقدمة «الفصوص» بمعلومات محددة تتعلق بالملابسات 
والظروف التي أملت على ابن عربي تصنيف كتابه هذاء وتسوّغ في الوقت 
نفسه مدى الأهمية» التي نعرفها لهذا الكتاب. ولا تتوقف مقدمة الفصوص 
عند هذه الأهمية بل تذهب إلى أبعد من ذلك» فتمدنا -إضافة إلى ما سبق- 
بتفاصيل أخرى تتعلق بأهمية ابن عربي ودوره المنوط به في هذا الأمرء 
وسوف تتكشف لنا الدلالات الدقيقة لهذه التفاصيل في موطن لاحق من 
دراستنا هذه. ولنستمع الآن إلى ما يقوله ابن عربي في هذه المقدمة: 

«بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله منزل الحكم على قلوب 
الكلم بأحدية الطريق الأمم من المقام الأقدم وإن اختلفت النحل والمدّل 
لاختلاف الأمم. وصلى الله على ممد الهمم» من خزائن الجود والكرم» 
بالقيل الأقوم» محمد وعلى آله وسلم. 

«أما بعد فإني رأيت رسول الله 4ة في مبشرة أريتها في العشر الآخر 
من محرم''' سنة سبع وعشرين وستمائة بمحروسة دمشقء وبيده وَل كتاب 
يذكر كووبانة خط انار هذه الرؤيا هو اليوم العاشر من شهر المحرم» (انظر المقدمة 

الفرنسية لكتاب نص النصوص لحيدر آملي» ص 4» طهران -باريس .)١91/8‏ مما يدل 

دلالة واضحة على وقوع كوربان في أسر هاجس يستبد به ويدفعه إلى محاولة اكتشاف 

دلالات ذات صبغة شيعية» كهذا التوافق -المزعوم- بين تاريخ رؤيا ابن عربي وتاريخ 


مقتل الإمام الحسين. هذا وسنرجع بوجه خاص إلى فصل Prophétologie et‏ 
amg‏ من كتاب كو ربان 219-284 En [slam 112121612, 1, pp.‏ للتعرف = 


www.alimamaltayeb.com 


۱۰۸ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحي الدّين بن العربي 


فقال لي هذا كتاب فصو ص الحكمء خذه واخرج به إلى الناس ينتفعون به. 


-على أبعاد فلسفته في اقتحام المفاهيم الشيعية- خصوصا مفهوم الإمامة - في قضايا 
التصوفء ثم تشويه هذه المفاهيم بسبب ذلك الخلط. وثمة محاولة أخرى مماثلة- وإن 
كانت تتميز عن سابقتها بانتهاجها نهجا تاريخيا -نجدها في كتاب الصلة بين التصوف 
والتشيع للدكتور مصطفى الشيبي» الطبعة الثانية» القاهرة 214794 (راجع فيما يتعلق 
بموضوع «الولاية) ص ۳۷۹-۳۲۳۲۹). 

ونحن لا ننكر وجود صلات أو علاقات تأثير وتأثر متبادلة بين التصوف والتشيع» 
خصوصا فيما قبل العهد الصفوي» سواء تم هذا التأثير والتأثر على مستوى المصطلحات 
أو مستوى المفاهيم. 

إن نفي هذا النوع من العلاقة بين التصوف والتشيع أمر غير مقبول» لكن الذي نؤكد عليه 
في هذا المقام هو أن علاقات التأثير لم تكن من جانب التشيع وحده» وإنما كانت أمرا 
متبادلا من الجانبيين. يدلنا على ذلك أن تأثير ابن عربي في نظرية» الولاية» عند الشيعة 
أمر ثابت ومفروغ منه» وقد أكده كثير من مؤلفي الشيعة أنفسهم. 

وما نجده عند حيدر آملي في شرحه المطول على فصوص الحكم من الإعجاب الشديد 
بابن عربي والاعتراف الصريح بفضله عليه» ليدل دلالة خاصة على تأثير التصوف في 
التشيع» ويكفيا هنا ما أورده آملي نفسه» في شرحه هذاء في أثناء حديثه عن الولاية 
والأولياء في القاعدة الرابعة التي خصصها لبحث هذا الموضوع» ص .۲٦۷‏ 

فقد ذكر أنه ألف كتابه نص النصوص» لتمكين طائفتين بعيدتين عن المنهج الحقيقي 
في فهم ما تضمنه الكتاب من تحقيق القول في الولاية والأولياء» وهاتان الطائفتان هماء 
جماعة من أهل السنة الذين ما أقروا قط بهؤلاء القوم ولا قبلوا كلامهم» برغم معرفتهم 
بهم» وجماعة من الشيعة الإمامية الذين ما طرق - قط- سمعهم هذا الكلام» ولا نطقت 
ألسنتهم بمثل هذا. 

وبرغم كل ذلك لا يجد كوربان حرجا في تكرار القول بأن التشيع حين يقبل مفاهيم أو 
قضايا صوفية فإنه إنما يسترد بضاعة خالصة له. 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۱۹ 
الأمنية» وأخلصت النية وجردت القصد والهمة إلى إبراز هذا الكتاب 
كما حذه لی رسول الله بيا من غير زيادة ولا نقصان. وسألت الله تعالى 
أن يجعلني فيه وفي جميع أحواله من عباده الذين ليس للشيطان عليهم 
سلطان» وأن يخصني من جميع ما يرقمه بناني وينطق به لساني وينطوي 
عليه جناني بالألقاء السبوحي» والنفث الروحي في الروع النفسي بالتأييد 
الاعتصامى» حتى أكون مترجما لا متحكماء ليتحقق من يقف عليه من أهل 
الله أصحاب القلوب أنه من مقام القديس المنزه عن الأغراض النفسية 
التي يدخلها التلبيس. وأرجو أن يكون الحق لما سمع دعائي قد أجاب 
ا القى | كما انق دول آل ق فاا و | مال هع 
ولست بنبي رسول» ولكني وارث ولآخرتي حارث»)2". 
في كلمة عزيزية» إشارات بالغة الأهمية في موضوع الولاية يقول فيها ابن 
عربي”": «واعلم أن الولاية هي الفلك المحيط العام» ولهذا لم تنقطع 
[. وأما نبوة التشريع والرسالة فمنقطعة» وفي محمد بي قد انقطعت» 
)١(‏ الفصوص ١ء‏ ص573» 48» ويرى ابن عربي فصوص الحكم بمثابة أمانة اؤتمن عليها 
من قبل النبي . وبهذا يكتسب كتاب الفصوص ميزة خاصة عند ابن عربي لدرجة 
لدرجة أنه كان يعد نفسه مفسرا وشارحا لهذه الفصوصء ولكل هذه الاعتبارات منع 
ابن عربي - حسبما يقول جَندي- (تلميذ القونوي الذي هو- بدوره - تلميذ ابن 
عربي)» أن يجمع بين هذا الكتاب وبين غيره من الكتب في جلد واحد. (راجع جُندي» 
شرح الفصوص» ص 0 من النص العربي). 


(0) الفصوص١. ٠١‏ وما بعدهاء هذا وقد ذكر «عزيز» في القرآن الكريم مرة واحدة 
(التوبة: .)١١‏ 


www.alimamaltayeb.com 


۱1۰ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي اليّين بن العربي 
فلا نبي بعده يعني مشرعا أو مشرعا له" ولا رسول وهو المشرع”". 
وهذا الحديث قصم ظهور أولياء الله لأنه يتضمن انقطاع ذوق العبودية 
الكاملة التامة». والنقطة الأخيرة من هذا النص» وإن كانت تبدو غامضة 
بعض الشيء. إلا أن ابن عربي يزيدها وضوحا بما يعني أنه بعد انقطاع 
النبوة لا يمكن لكائن ما أن يسمى نفسه بنبي أو رسول» وهذان الاسمان 
من الأسماء البشرية أو التي يتسمى بها البشرء لكنهما ليسا من أسماء الله 
الحسنى» فلا يتسمى الله بأي منهما. وإذن فالاسم الوحيد الذي بقى صالحا 
للاخ شتراك في التسمية هو اولي» يتسمى به المخلوق» وهو في الوقت نفسه 
5 أسماء الله الحستىء لكن شعور السالك بالعبودية التامة- أو بعدم ذاته 
في مستوى الوجود الحق - يقدح في حقيقة اشتراك العبد والرب في اسم 
واحد» ضرورة أن هذا الاشتراك لا محالة يتضمن اث شتراكا ما في معنى 
الربوبية. إلا أن ابن عربي يبين -بعد ذلك- أن النبوة بالمعنى الخاص- 
وهي نبوة التشريع- إذا كانت تنة تنتهي وتنقطع فإن النبوة ة العامة - وهي التي 
لا تشريع فيها - باقية دون انقطاع» والنبوة بالمعنى العام هي ما يعبر عنها 
حسباننا» البعد الواسع الذي يضيفه ابن عربي إلى معنى النبوة» ويمكن أن نمثل للأنبياء 
المشرع لهم بأنبياء بني إسرائيل الذي جاءوا بعد موسى ل من غير كتب ولا تشريعات 
خاصة يبلغونها أقوامهم 
(؟) قد يبدو ها هنا تعارض ظاهري بين ما يقرره ابن عربي من عدم مجيء رسول بعد محمد 
يك ونزول عيسى 4# وهو رسول- في آخر الزمان. وسنتناول موقف ابن عربي من 
هذه المشكلة في الفصل القادم» وسنرى أنه موقف يتطابق كليا وجزئيا مع ما يقرره 
الفقهاء في هذا الموضوع. 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش 11 
عادة باصطلاح «الولاية» وهي وإن كانت تخلو من وصف «التشريع» الذي 
هو خاصة الأنبياء -بالمعنى الاصطلاحي الدقيق- إلا أنها لا تخلو - مع 
ذلك- من مظهر ما من مظاهر التشريع. وهذا ما يؤكده الحديث الشريف: 
«العلماء ورثة الآنبياء»"» مع ملاحظ أن «الأولياء» هم المستحقون لهذا 
الوصف» أو هم الذين ينطبق عليهم وصف الوراثة في الحديث. وسوف 
يتكشف لنا -في فصل قادم- الدور الرئيسي الذي تمثله الوراثة في بناء 
مفهوم الولاية وتكوين حقيقتها. 

ويتابع ابن عربي حديثه - بعد ذلك - فيعرض للمسألة التي أثارها 
الحكيم الترمذي من قبل» فيقول: «فإذا رأيت النبي يتكلم بكلام خارج عن 
التشريع فمن حيث هو ولي وعارف» ولهذا مقامه» من حيث هو عالم» أتم 
وأكمل من حيث هو رسول أو ذو تشريع وشرع؛ فإذا سمعت أحدا من أهل 
الله يقول أو يُنقل إليك عنه أنه قال الولاية أعلى من النبوة» فليس يريد ذلك 
القائل إلا ما ذكرناه» أو يقول إن الولي فوق النبي والرسولء فإنه يعني بذلك 
في شخص واحدء وهو أن الرسول يل من حيث هو ولي أتم من حيث هو 
نبي ورسولء لا أن الولي التابع له أعلى منه» فإن التابع لا يدرك المتبوع 
أبدا فيما هو تابع له فيه» إذ لو أدركه لم يكن تابع له. فافهم. فمرجع الرسول 
والنبي المشرع إلى الولاية والعلم)”". 
)١(‏ البخاري» ك» العلم» ب١٠.‏ الدارمي» المقدمة» ص "١‏ وما بعدها. 
(؟) شن ابن تيمية هجوما عنيفا على الفقرة الأخيرة من هذا النص» (مجموعة الرسائل 


والمسائل» ٤‏ ص28 وما بعدها). هذا وإن نصوص ابن عربي الواضحة في ضرورة فهم 
المعنى الصحيح لعبارة الولاية أفضل من النبوة (في شخص النبي) لكافية في دحض - 


www.alimamaltayeb.com 


ل الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 

وها هنا نتائج أولية نستخلصها من قراءة هذا النص» وإن كان يبدو من 
الصعب أن يتسق بعض هذه النتائج مع بعضها الآخر. فمن ناحية نجد أن الولاية 
جامعة للنبوة والرسالة» وأن النبوة والرسالة نابعتان من الولاية أو راجعتان 
إليهاء ولذا تفضل الولاية كلا من النبوة والرسالة في ذات الشخص الواحد 
الموصوف بهذه الأوصاف الثلاثة مجتمعة. ومن ناحية أخرى نجد أن فكرة 
الوراثة التي تتضمن - بالضرورة - انتقال شيء مامن مواريث الأنبياء الخاصة 
بهم إلى الآولياء» هذه الفكرة لاشك تعني أن الولاية - بصورة أو بأخرى- 
تابعة للنبوة» وأنها - على العموم - تمثل صورة من صور التبعية للنبوة. 

وهذا الذي استتتجناه: من النص السابق تؤكده تصوص ألخرى لابن 
عربي في الفتوحات يقول فيها: «وإن كنت" وليا فإنك وارث نبياء فما 
يجيء إلى تركيبك إلا بحظك من الورث ونصيبك». ويقول: «فإنه لا يرث 
أحد نبيا على الكمالء إذ لو ورثه على الكمال لكان هو رسولا مثله أو نبي 
شريعة تخصه)""". وهذا المعنى نفسه نجده مبسوطا - بصورة متقاربة- في 
كتاب التجليات”" ورسالة الأنوار: «وأعلم أن النبوة والولاية تشتركان في 


=ملاحظات 1075011723 لاقي مقالة: in Ibn Arabi’s Fusus‏ 5 [[ المنشور في: 
185-0 مم 1982 .8 N‏ .aemochristianaا‏ ويتكرر تأكيد ابن عربي على 
أفضلية النبي على الولي - التابع للنبي- في مواضع كثيرة من مؤلفاته. راجع على سبيل 
المثال كتاب العبادلة» تحقيق عبد القادر عطاء القاهرة» ١9569‏ ص۸۲. 

.۳۹۸ ۰٤ الفتوحات‎ )۱( 

(؟) الفتوحات ٠۲‏ ١۸ء‏ السؤال الثامن والخمسون من أسئلة الترمذي. 

(۳) كتاب التجليات تحقيق عثمان يحيى» نشر بمجلة المشرق ١951-١955‏ (العدد ١ء‏ 
۷ ص۳٥ ٤‏ 0). 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۱1۳ 
ثلاثة أشياء» الواحد في العلم من غير تعلم كسبي» والثاني في الفعل بالهمة 
فيما جرت العادة ألا يُفعل إلا بالجسم أو لا قدرة للجسم عليه والثالث في 
غير مخاطبة النبي» ولا يُتوهم أن معارج الأولياء على معارج الأنبياء» ليس 
الأمر كذلك [...]. لكن معارج الأنبياء بالنور الأصليء ومعارج الأولياء بما 
يفيشن هن النون الأصلى)1!". 
ويلزمنا قبل أن نبداً محاولة التوفيق بين هذه العناصر» وإزالة ما قد يبدو 
بينها من تعارض ظاهري» ومع المخاطرة بشيء من البلبلة أو الاضطراب 
- الذي قد يتعرض له القارئ - نقولء يلزمنا - قبل كل ذلك- أن نتابع 
سير البحث والتنقيب في تراث الشيخ الأكبر عن مزيد من النصوص في 
)١(‏ رسالة الأنوار» حيدر أباد 1۹١۸‏ ص .١5‏ هذا ويهدف ابن عربي من تأكيده المستمر في 
التفرقة بين النبي والولي إلى إزالة أي لبس أو خلط قد ينشأ من بعض عباراته أو عبارات 
غيره من الصوفية ممن يرجعون لكلامه وينقلون عنه» ولعل رسالته المعنوية ب «رسالة 
في الولاية» والتي أشرنا إليها سابقاء هامش ١‏ ص۷۲٠‏ تمثل نموذجا حيا لهذا التأكيدء 
فقد كان الهدف الأول من تأليفها توضيح عبارة من كلام الشيخ عبد العزيز المهدوي 
(ت1774/7717).» وهو الشيخ الذي آلف ابن عربي فتوحاته المكية من أجله» انظر 
جا ص4-5. ومن أجله أيضًا آلف روح القدسء انظر ط» دمشق ١9715‏ ص". وقد 
أسهب ابن عربي في رسالة الولاية» ص79- ”27 في ذكر مناقب الشيخ المهدوي 
وفضائله. وألمح إلى أفراد كتاب بالتأليف يستوفي فيه مناقب الشيخ» غير أنه لا يوجد 
- فيما يبدو - أي مخطوط يدل على عنوان هذا الكتاب» راجع رقم ١١4‏ من الفهرس 
العام لعثمان يحيى» (رقم 577 من الترجمة العربية). أما العبارة الغامضة التي شرحها 
ابن عربي في هذه الرسالة فهي قول الشيخ المهدوي «علماء (-أولياء) هذه الأمة أنبياء 
سائر الأمم» انظر ص١١‏ وما بعدها. 


www.alimamaltayeb.com 


۱1٤‏ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
فوضوعنا هذا وقد سيق لنا أن تدا عن مجر عة الأسكلة الشهيرة ال 
طرحها الحكيم الترمذي في موضوع الولاية» وذكرنا هناك أن الشيخ الأكبر 
قد أجاب عنها في باب طويل من أبواب الفتوحات وهو الباب الثالث 
والسبعون؛ وبين هنا أن السؤال الأول من هذه المجموعة وهو السؤال عن 
«عدد منازل الأولياء» يجيب عنه ابن عربي ببيان أن منازل الأولياء على 
نوعين: منازل حسية ومنازل معنوية» وأن عدد المنازل الحسية التي تنقسم 
فى الجنة» وفى الدنيا - كذلك- إلى درجات كثيرة» تزيد على بضعة عشر 
وماق مول أماغدة المتازل المع ت فيو ثمائية وار ين وماتها آلف 
منزل» وهذه المنازل «لم ينلها أحد من الأمم قبل هذه الأمق وهى من 
خصائص هذه الأمة)» وهذا العدد من المنازل المعنوية منحصر فى أربعة 
مقامات من العلم: مقام العلم اللَّدُنَّ (في إشارة إلى قوله تعالى: #وَعَلَمئهُ 
من لَدْنَاعلْمًا )€ [الكهف: ١٠]ء‏ وإلى أن الخضر هو الذي أعطى هذا العلم 
اللَدَنِي)» وعلم النور» وعلم الجمع والتفرقة» وعلم الكتابة الإلهية. 
ويستطرد ابن عربي فيبين أن عدد الأولياء حسب طريقته وما يعطيه الكشف 
الذي لا مرية فيه «خمسمائة نفس وتسع وثمانون نفسا». لكنه ينبه إلى أن 
هذا العدد خاص بالأولياء الذين تحدث عنهم في صدر هذا الباب (الثاث 
والسبعين) من أبواب الفتوحات» وبين فيه طبقاتهم وألقابهم المختلفة 
باختلاف مقاماتهم الروحية» وكيف أن هذه الألقاب محددة الأعداد في 


كل زمان» وبحيث يوجد في كل عصر قطب وأربعة أوتاد”"... إلى آخر 
(۱) الفتوحات» ۲ ص .5١٠5٠‏ 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش 1۵ 
من الفتوحات”" أن العدد الكلي للأولياء - في جميع طبقاتهم ووظائفهم 
- يجب أن تتساوى على الأقل مع الأنبياء على امتداد الدورة الإنسانية 
كلهاء مما يعنى أن عدد الأولياء- طبقا لما تقرره الأحاديث النبوية فى عدد 
الأنبياء - لا يقل عن أربعة وعشرين ألفا ومائة ألف. فإذا زاد عدد الأولياء 
على عد اا اء شتآ مراك تن فو الايا قن نسم على اک من 
ولي واحد. 

وفي جوابه عن السؤّال التاسع عشر من اسئلة الحكيم» (أينْ مقام 
فيقول: «الجواب هو خصوص فيه)». وينبغي - لكي يكون السؤال أكثر 
تحديدا- أن نعرف: أي نبوة نتحدث عنها؟ هل هي «نبوة الشرائع» (وهي 
النبوة التي أجاب عنها ابن عربي بالجواب السابق)؟ أو هي «النبوة المطلقة» 
التى تمثل - فى حقيقة الأمر- أعلى درجات الولاية؟ وهى الدرجة التى 
يتسمى بها «الأفراد» أو «المتفردون» من البشرء ومنهم يظهر القطب» وهو 
ولي نهاية الكمال في سلم المقامات الروحية”. 

ومع أن السؤّال الان والستين من أسئلة الترمذي يتعلق بالأنبياء فإن 
(۱) الفتوحات» ۳ ص8 .7١‏ 
(؟) الفتوحات» ۲ ص۳٥٠.‏ وتجدر الإشارة إلى أن مصطلح «نبوة مطلقة» الذي يتردد في 

كلام ابن عربي - في هذا النص - من المصطلحات التي يقع فيها لبس واضطراب» مما 


يجعل التنبيه الذي أشرنا إليه في الهامش ١‏ ص۷۸ أمرا ضروريا في تحديد «الوضع» 
الخاص بالنبي والولي. 


www.alimamaltayeb.com 


۱۱٦‏ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
إجابة ابن عربي عنه تمدنا فيه بمعارف تتعلق بالأولياء. يقول الترمذي (... 
وما حظوظ الأنبياء من النظر إلى الله؟». ويجيب ابن عربي: «لا أدري» فإني 
لست بنبي» فذوق الأنبياء لا يعلمه سواهم إن أراد (الترمذي) الأنبياء الذين 
خصّهم الله بالتشريع العام والخاص بهم» فإن أراد أنبياء الأولياء فحظهم 
منه على قدر ما عندهم من وجوه الاعتقادات في الله» فإن حصل على 
الجميع فحظه ما للجميع» فهو في النعيم العام فيلتذ بلذة كل مُعتقد» فما 
اعا 1931 و إن بحص على القن لاله س نا تا لف نوق 
انفرد بأمر واحد فحظه ما انفرد به من غير مزيد)”" وهناء ومن بين سطور 
هذا النص» تبرز فكرة رئيسية في تصوف الشيخ الأكبر» ملخصها أن كل 
اعتقاد في «الله» يمثل مظهرا إليها أو صورة إلهية محددة وغير كاملة» نتيجة 
أن كل اعتقاد منها إنما هو في حقيقته نفي لبقية الوجوه الأخرى للمظاهر 
الإلهية اللانهائية. ومع ذلك» يتطور كل اعتقاد منها على جزء من الحقيقة 
الكلية» ضرورة أن هذا الاعتقاد أو ذاك إنما يرجع في نهاية الأمر إلى صورة 
من صورة التجلي الإلهي: «فالعارف الكامل يعرفه في كل صورة يتجلى 
بهاء وفي كل صورة ينزل فيهاء وغير العارف لا يعرفه إلا في صورة معتقدة» 
وينكره إذا تجلى له في غيرها»”". ويعني «النظر إلى الله» -في هذا النص- 
(۱) الفتوحات» ۲» ص 80. 

(۲) الفتوحات» ۳» ص۳۲١.‏ وهذه الفكرة الرئيسية تتكرر كثيرا في نصوص ابن عربي» 


راجع من بين هذه النصوص» الفتوحات» ۲« ص۰۲۱۹ ۰ ۲ ص 15١ء‏ ا 
ص157. 517١ ۰۱٦١‏ ۰۲۱۲ ۳۹۳ الفصوصء ۱» ص ۱۱۳-٤۲٠ء‏ وقد عالج 


كوربان هذه الفكرة في كتاب الخيال الخلاق في تصوف ابن عربي (بالفرنسية)» = 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۱1۷ 
المدي الذي يطمح إليه الشخص من رؤية الله تعالى. وهذا المدي تحدده 
الصورة الاعتقادية التي حصل عليها الشخص من قبل. وترتيبا على هذا 
يقرر ابن عربي أن النظر الأم والأكمل - الذي هو نظر «أنبياء الأولياء» أو 
من يُسمون بالأفراد - لا يكون إلا لمن جمع كل صور الاعتقادات. وغني 
عن القول أن المقصوة من صون الاعتقاذاث :هنا ليس هو مجرة الصور 
الذهنية بالإضافة إلى ما يقابلها من أنواع الاعتقادات» ولكن المقصود 
الإدراك الكامل لصور الاعتقاد المعرفية المحددة مع ما يرتبط بكل منها 
من أنواع العبادات. 

ويعرض ابن عربي في موضوع آخرء وعبر عشرة أبواب من أبواب 
الفتوحات» معارف مهمة تتعلق بدراستنا هذه" منها حديثه عن «مقامات 
الولاية والنبوة والرسالة» حيث يعرضها أولا عرضا عاما في اصطلاحاتها 
المعهودة» ثم يعرضها -بعد ذلك- في اصطلاحات خاصة يبين فيها علاقة 
هذه الدوائر الثلاث بأحوال البشر من ناحية» وأحوال الملائكة من ناحية 
أخرى. ولا يفوت ابن عربي أن يلفت النظر إلى حقيقة ننا وإن كنا أمام دوائر 
ثلاث أو آفاق ثلاثة» إلا أنها في بعض معانيها آفاق متداخلة ومجتمعة حول 
مركز واحد» وأن دائرة «الولاية» هي الدائرة الكبرى المحيطة بالدائرتين 
الآخريين: «فكل رسول لابد أن يكون نبياء وکل نبي لابد أن يكون وليا»”". 

حص »١ 58-١56‏ ولنا بعض التحفظات على المصطلحات التي استخدمها كوربان في 


الك من الباب ۲ إلى الباب ١5١‏ الفتوحات» ۲ ص (7555- CTY‏ 
00 الفتوحات» 7 ص٦٥ ٢‏ 


www.alimamaltayeb.com 


14 الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحي الدّين بن العربي 
ويختم ابن عربي بحثه هذا بالباب الحادي والستين بعد المائة» وهو باب 
خصب وثري يشتمل على تفصيلات كثيرة تتعلق بحياة ابن عربي الروحية 
وتجاربه الشخصية في هذا الطريق. أما موضوعه. فهو «مقام القربة»» ذلك 
الذي يمثل كمال الولاية ودرجتها القصوىء بالمعنى الذي يدل عليه أصل 
كلمة «ولي» ومشتقاتها في اللغة العربية. 

وفي الباب الأول من الأبواب العشرة التي أشرنا إليها: (الباب )٠١١‏ 
يؤكد ابن عربي على معنى «للولاية» يرتبط بالمعنى الاشتقاقي السابق» 
ويغايره في الوقت ذاته» هذا المعنى هو «النصرة» أو كما يقول ابن عربي: 
«فإن الولاية نصر الولي». وكلمة «نصر» الواردة في عبارة الشيخ الأكبر 
يمكن أن تؤخذ بمعنى الفاعل» أي إعطاء النصرء أو بمعنى القابل» أي قبول 
النصرء والمعنى الأول هو المقصود من بحث الولاية وتحليلها في هذا 
الباب: فالولاية في هذا الباب مأخوذة بما هي صفة من صفات الله تعالى. 


500 


وهنا يتوقف ابن عربي عند قوله تعالى: اله ول لے ٤امنواً‏ 4 [البقرة: 01 ؟] 
ليطالعنا بفهم خاص في مضمون الآيةء يبين فيه أن َي ءَامَنُوا 4* في الآية 
الكريمة وردت عامة» مما يعني أنها منطبقة على كل من آمن وليست قاصرة 
على المؤمنين بالمعنى الخاص» أعني المؤمنين الموحدين. ويستخلص 
ابن عربي من فهمه للآية أن «ولاية الله» -بهذا المعنى- تنسحب على 
المشرك أيضًاء إذ المشرك مهما توجه اعتقاده إلى حجر أو صنم أو كوكب 
فإنه في الأمر نفسه معتقد في الله تعالى» أو - كما يقول ابن عربي-: «فإن 
كل جزء من العالم مسبح لله تعالى من كافر وغير كافر» فإن أعضاء الكافر 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش 11 
مسبحة لله [...1]» غير أن العالم لا يفقهون هذا التسبيح [...] وهذا من توليه 
سبحانه)”"2. ويرى ابن عربى أيضًا أن الولاية بمعنى النصرة الإلهية العامة- 
التى تشمل المشركين - هى التى تفسر لنا انتصار المشرك -أحيانا- وغلبته 
على المؤمن بالمعنى الخاص لهذه الكلمة» أعني المؤمن الموحد وذلك 
فيما إذا تخاذل الموحد عن واجباته المفروضة عليه وركن إلى الغفلة 
والتفريط. هذا ما يستنبطه ابن عربي من قوله تعالى: یکات حًا َا صر 
OETA‏ [الروم: »]٤١‏ ويراه «من أسرار الولاية التى لا يشعر بها كل 
عالم» فإن هذا لسان خصوص). أما لسان العامة في تفسير هذه الآية فإن 
ما يقع للكفار من غلبة على المؤمنين إن هو الا نوع من عقاب المؤمن 
وخذلانه لما داخله من خلل في القيام بواجباته» وليس نوعا من نصرة الله 
وتأييده للكافرين؛ «فالعارفون هم وحدهم الذين يعرفون أن الولاية من 
الله عامة في مخلوقاته من حيث ما هم عبيده» سواء أرادت المخلوقات 
ذلك أم لم ترد». ولما أخرج الله -في الأزل- ذرية بني آدم من ظهورهم 
وأخذ عليهم الميثاق [الأعراف: 177] كان سؤاله إِيّاهم: الست ریک 4؟ 
إجابتهم في قولهم # بل( إقرارا بالربوبية له تعالى» أقر بذلك المؤمن 
)١(‏ من نافلة القول أن نقرر أن كلام ابن عربي هنا وثيق الصلة بالمفهوم الذي أسلفه من قبل 

وهو مفهوم المخلوق المتَحَذ إلها في اعتقادات المشركين» وكثيرا ما يناقش ابن عربي 


هذا المفهوم في ضوء تفسيره الخاص لقوله تعالى: «( © وَقَصَى ريك ألا عدوا لياه 4 
[الكسرات 19# أنظر غل سيل اغا ارات ١‏ عة رقا صلق يقد امن 


تيمية لهذا التفسير انظر مجموعة الرسائل والمسائل ط. رشيد ج١‏ ص "17. 


www.alimamaltayeb.com 


١‏ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحي الدّين بن العربي 
والمشرك» والمشرك وإن كان قد زاد شركاء آخرين إلا أنه في كل الأحوال 
معترف بألوهيته تعالى. فولاية الله عامة التعلق بالمؤمنين جميعاء «وما ثم 
إلا مؤمن» والكفر عرض» يحجب الإيمان المنقوش في جوهر كل كائن 
مخلوق. ويرى ابن عربي أن الكفر إنما يعرض للبشرية بسبب موقفها - في 
بعض فترات التاريخ - من الشرائع المنزلة التي اقتضت حكمته -تعالى- 
أن تنزل لتحدد للإنسان طريق الاعتقاد وأنواع العبادات. ومهما كانت درجة 
الخطر المتمثل في مخالفة الشرائع المنزلة وعصيانهاء فإن ذلك لا يقدح 
في حقيقة «الالتزام الأزلي» بالميثاق الإلهي والإقرار بالربوبية» وتحقق 
هذا الالتزام واستمراره منذ الأزل وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها". 

وبعد أن يفرغ ابن عربي من حديثه في الباب السابق عن الولاية 
بوصفها صفة إلهية» يبدأ في الباب التالي حديثه عن الولاية البشرية» أي 
بوصفها صفة بشرية. وهنا نجد تفرقة واضحة بين الولاية العامة وهي 
الولاية بالمعنى الأعم» وتعني ولاية الناس بعضهم لبعض» من حيث 
المصالح والمنافع» وتسخير بعضهم بعضاء الأعلى للأدنى» والأدنى 
للأعلى» والولاية الخاصة وهي الولاية بالمعنى الأخص لهذه الكلمة 
وتعني أهلية الأولياء -حسب استعداداتهم- لقبول أحكام هذا الاسم أو 
ذلك من الأسماء الإلهية وظهور آثار هذه الأسماء من عدل أو رحمة أو 
جلال أو جمال حسبما تعطيه أحوال الأشياء في لحظة معينة. ثم يذكر 
ابن عربي- بمناسبة المقام - تفرقة أخرى في دائرة الأولياء بين أصحاب 
(۱) ما نورده هنا من نصوص في هذا الموضوع مقتبس كله من الباب ١97‏ من الفتوحات» 


اج ص55 ۲- ۲٤۸‏ . 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۱۳1 
الأحوال الخاضعين لأحوالهم الروحية» وأصحاب المقامات المُمكنين في 
مقاماتهم والمالكين لأحوالهم الروحية» وهؤلاء «هم ذكران الرجال» من 
أهل الطريق -فيما يقول- والقسم الأول من الأولياء (أصحاب الأحوال) 
أقل درجة من الآخرين» وولايتهم مشهودة ومبصرة من عامة الناس. أما 
أصحاب المقامات فإن ولايتهم أظهر - في بعض الوجوه - من ولاية 
اجات الأحوان» ] ١‏ أن ظليويها تخل إذراكها راعلى الانظان 
«فهم بصفات الحق ظاهرون ولذلك جهلوا» ولقد مر بنا من قبل - وسيمر 
بنا أيضًا في مواضع قادمة - هذا النوع من استتار الولاية الكاملة". 

وبقى أن نقرر هنا أن مفهوم الولاية لو كان مأخوذا في الفقرات 
السابقة بمعنى التولي والنصرة» (مما يستلزم أن يكون مدار البحث حالتئذ 
هو «وظيفة الولي ودوره» لا مفهوم الولاية في ذاتها أو ما به يكون الولي 
وليا)» نقول: لو كان الأمر كذلك فإن ابن عربي لاشك كان ينظر إلى الولاية 
بمفهوم «القرب من الله تعالى». وهو يلخص بحثه في الباب الأخير من 
سلسلة الأبواب العشرة التي ألمحنا إليها من قبل. 

أما الإمام الغزالي» فإنه بعد أن يؤكد على الأمر المعلوم ضرورة 
وهو انسداد باب النبوة أمام البشر إلى الأبد بعد النبي بك يشير إلى أن 
أقصى درجة يمكن أن يصل إليها بشر بعده بي هو درجة الصديقية» وهي 
مشتقة من كلمة «صديق» التي لقب بها الخليفة الأول أبو بكر و . 
)١(‏ الفتوحات 7. ص59 7. 


(۲) إحياء علوم الدّين ۳ ص5:44 ص۹١۰۱‏ 55 ؟ ومواضع أخرى. 


www.alimamaltayeb.com 


۱۲۲ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
لكن ابن عربي في النص السابق وفي نصوص أخرى مماثلة" يناقض 
صاحب الإحياء» ويعارضه بأن هناك مقاما روحانيا أعلى من الصديقية 
يقع في مرحلة متوسطة بين الصديقية وبين النبوة» هو مقام «القربة)» وهو 
المقام الذي يمثل الدرجة القصوى في درجات الأولياء» ويسميه ابن عربي 
أيضًا مقام النبوة اللاتشريعية» أو النبوة التي لا تشريع فيهاء كما يسميه نبوة 
الأولياء» ولا يصل إلى هذا المقام إلا «الأفراد»» أو -في تسمية أخرى ذات 

صلة بالقرآن الكريم - «المقرّبون». والقطب الذي هو «موضع نظر الله)” 

في الدنيا أحد أصحاب هذا المقام» وهو وإن كان يفضل غيره بقطبانيته 

إلا أن أفضليته من هذه الجهة لا تعني بأفضليته المطلقة في باب الولاية 

والمقامات الروحية؛ إذ ليس له تصرف ولا سلطة على الأفراد أو المقربين. 

وسنرجع مرة أخرى إلى هذه النقطة لنبين فيها المدلول الميتافزيقي لكلمة 

«القربة» والمعاني التي يثيرها ابن عربي في موضوع «القطب»» والمقامات 

الروحية» وسنرى أن هذه المعاني سوف تحدد - وتكمل في ذات الوقت- 

المفاهيم الأخرى المنثورة في كتب التصوف في هذا الموضوع. 

2577-1750 من الفتوحات ج۲» ص‎ ۱١١ مقام القربة هو الموضوع الرئيسي للباب‎ )١( 
وهو الباب الذي اعتمدنا عليه هنا في المقام الأول. وثمة إشارات أخرى كثيرة تتعلق‎ 
وأيضًا‎ 2٠١7 ج"ء‎ »5١ ٤٥ ۰۲٤ بمقام القربة نجدها في الفتوحات» ج7؟» ص۰۱۹‎ 
في كتاب القربة» حيدر آباد» ۸٤۱۹ء حيث يشير ابن عربي - في حذر واحتراس- إلى‎ 
وسرت الها الم ای فى ها الاب يعض مارات اا دد‎ 


تعلق بالولاية وصلتها بالنبوة والرسالة. 
(؟) اصطلاحات الصوفية رقم 19. 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۱۴ 

ولعل من المناسب هنا أن نبين أن ابن عربي يسرد في هذا الباب 
تفاصيل تتعلق بتجربته الشخصية في مقام القربة» فقد دخل هذا المقام 
في شهر محرم من سنة ۵۹۷ھ (أكتوبر - نوفمبر ١٠17م)»‏ وهو مسافر 
ببلاد المغرب» وحصل له في السنة نفسها -بمدينة مراكش- «كشف 
رأى فيه عرش الرحمن»» وألقى إليه في هذا الكشف باسم صديق يلتقي 
به -مستقبلا- في مدينة فاس» ويغادر معه بلاد المغرب للمرة الأخيرة 
-وإلى الأبد- متوجها نحو بلاد المشرق» وكان ذلك في سنة /014ه”) 
ومما يقصه علينا ابن عربي من تجاربه الروحية الخاصة في هذا المقام» 
أنه دخل هذا المقام ولم يجد فيه أحداء فاستوحش من الوحدة. ثم لاح له 
ظل شخص من بعيد» فلما جاءه وعانقه إذا به أبو عبد الرحمن السَّلَمِيء 
صاحب الطبقات» ونحن نعلم أن السا مات قبل ابن عربي بحوالي 
قرنين من الزمان. ولكن ابن غربي يذكرنا بأن قدرة الله تعالى جسدت 
له روح السّلمي رحمة به وإيناسا له من الوحشة التي استبدت به في هذا 
المقام» وأيضًا ليعرف من السلمي اسم هذا المقام وأحواله وما يحصل 

تحفقين به. 

وهكذا نجد أن بين «النبوة» و«الولاية» صلة ماء أو مناسبة ماء لكن 
تبقى بينهما -أيضًا- صلة أخرى تكمن في كون الأولياء ورثة للأنبياء 
وهذه الصلة التي هي «الوراثة»» وإن كانت مطروقة في كتاب الصوفية 
السابقين على الشيخ الأكبرء إلا أنها كانت مطروقة بصورة مجملة وغير 


(1) الفتوحات ١‏ ص47 هذا الصديق هو: محمد الحصار الذي رافقه إلى مصر ثم مات بها. 


www.alimamaltayeb.com 


۱۲ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
مفضلة» كقول سهل الستري -مثلا-: «لا نبي إِلّا وله نظير في آمته». 

لقد ذكرنا من قبل أن ابن عربي قال في نص سابق: «وإن كنت وليا 
فإنك وارث نبيا»» ونضيف هنا أن الشيخ الأكبر يقول بعد ذلك: «إنك إن 
ورثت علما موسويا أو عيسويا أو غيرهما ممن كان من الرجال بينهما فإنما 
ورثت علما محمديا». ولكن إذا كان كل الأولياء يشتركون في أنهم 
ورثة العلم المحمدي فإن فرقا كبيرا يبقى بين هؤلاء الذين يرثون العلم 
المحمدي كاملا وبين غيرهم ممن لا يكونون كذلك. وقبل أن نبدأ في 
تحليل هذه المسألة من مسائل الولاية عند ابن عربي يجدر بنا أن ندرس 
-أولا- ونتفحص» بصورة أعمق» الأصول العرفانية للدور الذي يقوم به 
النبي ئه في هذا المجال. 


)١(‏ نقلآ عن: 
Gerhard Bowering, The Mystical Vision of Existence in Classical‏ 
Islam, Berlin-New York, 1980, p. 65.‏ 

(۲) الفتوحات» »٤‏ ص۳۹۸. 


www.alimamaltayeb.com 


الفصل الرابع 
الحقيقةالمحمدية 
إن وراثة الولي لنبي - ما- من الأنبياء هي في حقيقتها وراثة للنبي 
محمد بيا لأن الأنبياء في واقع الأمر - وحسبما يقول ابن عربي - ناب 
للنبي في عالم الخلق» وهو كََِةِ روح مجرد عارف بذلك قبل نشأة جسمه. 
قيل له: متى كنت نبيا؟ فقال كنت نبيا وآدم بين الماء والطين» أي لم يوجد 
آدم بعد» إلى أن وصل زمان ظهور جسده المطهر َء فلم يبق حكم لنائب 
من تابه [..] وهم الرسل والأنبياء 4 . 
وثمة نصوص أخرى يمدنا بها ابن عربي» تتحدّد في ضوئها طبيعة 
«الحقيقة المحمدية» ووظيفتهاء تلك التي جاء الأنبياء - بدءا من آدم لن 
ليمثل كل منهم قبسا من نورها في فترة معينة من فترات التاريخ الإنساني. 
ولكن ماذا تعني كلمة «حقيقة» في قولنا «الحقيقة المحمدية»؟ إذا 
رجعنا إلى لسان العرب» وجدنا أن هذه الكلمة تعني المعنى الحقيقي 
للشيء» وذلك في مقابل المعنى المجازي كما تعني أصل الشيء وطبيعته 
وجوهره» كما تعني أيضًا «الخرمة»» أي حرمة الكائن أو حرمة الشيء”. 
وانطلاقا من هذه الدلالات التي تثيرها كلمة «الحقيقة» فإن مفهوم الحقيقة 
)١(‏ الفتوحات» ١‏ ص57 27 755. 


(0) ابن منظور: لسان العرب» (مادة: حقق) بيروت» بدون تاريخ» ج ١ ٠‏ ص05 انظر 
أيضَاء لويس جارديه في دائرة المعارف الإسلامية مادة: حقيقة. 


www.alimamaltayeb.com 


۱۲۳۹ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
المحمدية لا يعني فقط تجوهر هذه الحقيقة ووجودها -بالفعل وجودا تام 
- قبل أن يظهر في هذا العالم شخصه المسمّى محمدا بلي وإنما يعني أيضًا 
تقرر هذه الحقيقة وثبوتها في عالم الأزل أو عالم ما قبل التاريخ» ومفهوم 
الحقيقة المحمدية- بهذا المعنى - كان مثار جدل صاحب في تاريخ الفكر 
الإسلامي؛ فهذا هو ابن تيمية - ومن سار على دربه- يجري على عادته 
في نقد هذه المفاهيم» فيحاول تقويض الأصل الذي يتأسس عليه مفهوم 
الحقيقة المحمدية» وذلك بالقدح في صحة الحديث الذي ذكرناه من قبل» 
والذي يقول فيه النبي كَكِةِ: «كنت نبيا وآدم بين الماء والطين»» ثم يُحيل 
المسألة بِرٌّمّتها -فى نهاية المطاف- إلى دائرة البدعة المنكرة. وهكذا يرى 
هذا الإمام - الجدلي الحنبلي- أن الحديث- المتقدم بهذه الرواية - غير 
صحيح» وأن الرواية التي يمكن ان يقبلها هي رواية مسند أحمد والترمذي» 
ولفظها: «متى جعلت نبيا؟ قال: وآدم بين الروح والجسد). ونحن لا نركز 
من جانبنا هنا على مسالة اختلاف الفاظ الحديث ين الروايثين السارققية: 
(۱) ابن حنبل »٤‏ ص11 » ۵ ص9 5. ص ۳۷۹ الترمذي» مناقب .١‏ فيما يتعلق بنقد ابن 
تيمية المتكرر لهذا الموضوع انظر مجموعة الرسائل ٤‏ ص۸ ۷١‏ ١لا‏ هذا ويختار 
الإمام الغزالي رواية «كنت نبيا وآدم بين الماء والطين «وإن كان يفسر الحديث في إطار 
أضيق كثيرًا من إطار «الحقيقة المحمدية»)» فالحديث عنده يشير إلى نبوة محمد كيه 
في إطار التقدير الإلهي قبل خلق آدم َلك (انظر المضنون به على غير أهله» بهامش 
الإنسان الكامل» القاهرة ١4544‏ ج7, ص48). أما السيوطي فإنه يورد هذا الحديث في 
إجابته عن انتقادات السبكي بلفظ «كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد)» لكنه يذكر في 
شرح الحديث كلمة «حقيقة» حيث يقول: «فحقيقة النبي ية قد تكون من قبل خلق آدم» 
آتاها الله ذلك الوصف..؟» انظر الحاوي على الفتاوى» القاهرة ١1514‏ ج75., ص۱۸۹٠‏ . 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۱۷ 
لأن هاتين الروايتين تلتقيان في معنى واحد» واختلاف الألفاظ بينهما أمر 
هين ويسير؛ لكن نركز على حقيقة أخرى هي أن القواعد والمقاييس التي 
يستند إليها المحدّثون في تقرير صحة الحديث ترتبط -أساسا- باختيار 
سلسلة الرواية وفحصها والحكم على الحديث -تبعا لذلك - صحة أو 
ضعفا. ومن هذا المنطلق نقول إن ابن عربي وإن لم يتوقف - حتى وهو 
في سنة متقدم - عن دراسة الحديث حسب مناهج المحدّثين» وبرغم أنه 
لم يكن ليجهل شيئا مما هو مذكور في علوم الحديث من قواعد ومسائل؛ 
فإنه في أكثر من موضع"”'' كان يؤكد على أن «الكشف» هو الطريق الوحيد 
المأمون لمعرفة صحة هذا الحديث أو ذاك مما يُنسب إلى النبي كلك وإنه 
بتأكيده هذا يتحفظ على منهج علماء الظاهر في تقويم الأحاديث ونقدها. 

ومن ناحية أخرى» فإن اصطلاح «الحقيقة المحمدية» برغم ظهوره 
المتأخر في التراث الإسلامي» وعَدّه - من أجل ذلك - بدعة؛ فإن المفهوم 
الذي يدل عليه هذا الاصطلاح - في معناه المجرد - يُحَذٌّ واحدًا من أكثر 
المفاهيم الإسلامية أصالة وعمقاء ونعني به المفهوم الذي يرمز إليه - في 
وضوح تام - ب «النور المحمدي» أو «نور محمد)» والشيء نفسه يقال على 
الشبه القوي أو الربط الوثيق بين النبي َة وبين رمز النور» فهو لم يكن بدعة 
أو عم مشرعًا فى رات المسلميو راتما ھر د على الیک متا 
في الأصل من كلام الله تعالى» ففي الآية 45 من سورة الأحزاب وصف 
صريح للنبي 5 بأنه سراح منيرٌ ‏ وَدَاعِيِلَ لهذ وَسِرَاجا مُيِيرا (4)5 


.7 ص71‎ 7 2١6١ ص‎ »١ الفتوحات‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


۱۸ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
والشيء نفسه أيضًا في الآية ٠١‏ من سورة المائدة #قَدٌ جا كم يرت 
آلو دور وَكِتَبٌ ميرك ))؛ فالنور في هذه الآيات - كما يقول 
المفسرون - هو محمد كلا . 

ومن الجدير بالذكر هنا أن المسلمين لا يطلقون وصف النور على 

النبي بيا إطلاقا بالمعنى المجازي البسيط» بقدر ما يطلقونه إطلاقا حقيقيًا؛ 

يؤيد ذلك أن «ابن اسحاق» صاحب السيرة» الذي ولد بعد وفاة النبى كلا 

بسبعين عامًا فقط» يَذكر فى سيرة «عبد الله» والد النبى أنه قبل زواجه 

بالسيدة آمنة - والدة النبى بيا نظرت إليه امرأة وهو يسير فى الطريق» 

وطلبت إليه أن يتزوجها وتدفع له مائة من الإبل» لكنه لم يفعل» فلما دخل 

بالسيدة آمنة وخرج من عندها لقي المرأة التي اعترضته من قبل» غير أنها 
لم تكترث به» فقال لها: مالك لا تعرضين على اليوم ما كنت عرضت علي 
بالأمس؟ قالت له: فارقك النور الذي كان معك بالأمس» فليس لي بك 

. ٠٤١١ ص‎ .٠١ تفسير الطبري: تحقيق الشيخ شاکر» ج‎ )١( 

(۲) هذه القصة التي يرويها ابن إسحاق (ت ١٠٠ه/‏ ۷٦۷م)‏ يرويها ابن هشام أيضًا في 
كتابه: «السيرة النبوية» القاهرة 14056١م: .٠٠١ /١‏ فيما يتعلق بأحداث الدراسات عن 
تطور علم السيرة عند ابن إسحاق وابن هشام انظر في: 
par T'. Faris 19832 Vie du prophéte Mahomet‏ 60 
مقال «R. © KHOURY‏ بعنوان Les Sources Islamiques de la sîra‏ 
avant Hisham‏ وكذلك مقال W. Montgomery Watt‏ بعنوان The‏ 
3 -31 .مم of Ibn Ishq s sources.‏ 1167 1طدناء.. وفى هذا المقال الأخير 


يفند 177 تهمة التشيع المنسوبة إلى ابن إسحاق. 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش هنا 
ويقول ابن إسحاق إن هذا النور عُرَّةٌ بيضاء بين عيني عبد الله» وقد 
تلاشت عنه بعد ما دخل بآمنة» وحملت بالنبي كَكلةِ. 
وفي رواية أخرى - تختلف قليلا عن رواية ابن إسحاق هذه - أن 
المرأة التي اعترضت عبد الله هي أخت ورقة بن نوفل -أحد نصارى 
مكة- والذي أكد للنبي ية حين ظهر له جبريل أول مرة - أن هذا الذي 
يأتيه هو الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى» وأنه نبي هذه الأمة» وكانت 
أخت ورقة تعلم من أخيها أن نبا يوشك أن يظهر في مكة. 
وإذن فالنور الذي شاهدته هذه المرأة هو «نور النبوّة»» كان يحمله 
والده عبد الله ويظهر على جبينه""". 
TALS E NE LAE e a i LEO‏ 
موقفه من النبي وتأكيده على الوحي الإلهي» فيجب أن يؤخذ على أنه اعتراف من رجل 
الب کا رسالة إلهية ما لفان ا دور جديد من أدوار الرسالات 
الإلهية. وفي هذا الإطار يمثل اعتراف ورقة - من بعض الوجوه - معنى مماثلا للمعنى 


الذي انطوت عليه زيارة ملوك المجوس إلى بيت لحم. انظر: 

Paris. 1950 chap. 6. le Roi du monde.René GUENON 
وينطوي اعتراف ورقة على دلالة ذات صلة خاصة بتأكيد القرآن الكريم على بشارة‎ 
وهو تأكيد لا نجد له شواهد مماثلة اللهم‎ ] ٦ عيسى 4# بمحمد ب4 [سورة الصف الآية‎ 
أو تأويلات‎ .)۲١:۱٤ 217 :15( إلا تأويلات غير صريحة وردت في إنجيل يوحناء‎ 
مطعون في صحتها اشتمل عليها الإنجيل المنسوب إلى برنابا نذكر هنا بالمناسبة أن‎ 
1/11 أكثر النظريات احتمالا في تحقيق أصل هذا الإنجيل ومصدره هي نظرية 1ع‎ 
حيث يعزو تأليف هذا الإنجيل إلى مؤلفين موريسكيين. انظر مقاله:‎ e 0 
“Le milieu hispano-moresque de FEvangile de Baranbé” 


pp. 159-183).. 1982. n8. Rome. 42 


www.alimamaltayeb.com 


2 الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 

وقد تداول المؤرخون هذه القصة من بعد ابن إسحاق وابن هشام» 
وذكروها في مصتفاتهم مثل الطبري (۳۲۱ه/ 477م)» كما توسع في 
روايتها كل كناب السيرة النبويّة”2» وقد أثار تفسير هذه القصة - منذ وقت 
مبكر في الإسلام - موضوع «الحقيقة النبوية»» وَطَرّحَه بشكل واضح 
وور الموضرع يكن أن ا هین ما را کی دوت 
مروي في صحيح البخاري يقول فيه النبي 4 ابُعتَ من خير قرون بن 
آدمء قَرنًا فَقَرنّاه حتی كنت من القَرنٍ الذي كنت منه». 

ولكن هل غليئا أن تفهم أن تقل النطفة النبوية فى رحلتها هذه من 
مبدأ الخليقة إلى وقت ظهورها على أنه تنقل تمَّ في أصلاب آباء النبي كَل 
وأجداده» أي في نَسَبه الجسدي أو يمه على أنه اة من المحاط 
والتوقفات في أشخاص رجال حَملوا الوحي الإلهيء وتتابعوا في ظهورهم 
واحدًا تلوّ الآخرء ونعني بهم الأنبياء البالغ عددهم أربعة وعشرين ومائة 
ألف نبي» يُمَثْل محمد ية في سلسلتهم هذه مكان الجد الأعلى والنبي 
الخاتم في آن واحد؟ إذا رجعنا إلى ترجمان القرآن ابن عباس (ت 
۸٨ه/ ٨۸۷‏ م)» في تفسير قوله تعالى: « مالسد 4 [الشعراء: 
۹ فإنه يبدو لنا أنه يُرَجّح الاحتمال الثاني أو الشّقّ الثاني من هذين 
المعنييّن» يقول ابن عباس في تفسير هذه الآية: «من نبي إلى نبي» ومن نبي 
إلى نبي حتى أخرجك نبيا)””"» وابن سعد - الذي ينقل كلام ابن عباس 
)١(‏ الثعلبي» قصص الأنبياء» القاهرة ١/11١1ه‏ ص107015. 
(0) البخاري» مناقب 77. 
(۳) ابن سعد» الطبقات. ط ليدن 9 ١/١195‏ ص0. 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۱۳۱ 
هذا - يروي في طبقاته حديثا آخر - يرويه الطبري - أيضًا يقول فيه النبي 
كةّ: «كنت أول الناس في الخلق وآخرهم في البعث»'. 
2 ع ع - ءِِ 
أحذهما بالآخر؛ ذلك أن نسب النبي بيه يشتمل على عدد أو سلسلة من 
الأنبياء نعرف منهم» إسماعيل وإبراهيم #4 . 
ع و 
ومهما يكن من أمر فإن ثمة حديثا ذكر فيه «النور المحمدي» ذكرًا 
صحيحًاء وهو وإن لم يرد في كتب الصّحاح إلا أنه يعد أصلًا مهما في 
مسال ة أوّلية التور المحجدى» و أمنقته غلى النخلق» يقول حابن بن عبد الله 
-راوي الحديث- «قلت: يا رسول الله! بأبى أنت وأمى! أخبرنى عن أول 
)۱( المصدر السابق: ١ /١‏ ص45. والطبري» التفسيرة القاهرة ٣۲١۳١ه.‏ ١2؛2»‏ ونشير 
هنا إشارة سريعة إلى مقام Rubin‏ لآ بعنوان Pre-exİstence 210 11g‏ نشر فى: 
pp. 62-119.. 1975. V.Israel Oriental Studies‏ 
ويشتمل على معلومات بالغة القيمة تتعلق بموضوع النور المحمدي» بيد أن إشارتنا 
السريعة هذه لا تعني أننا نضرب صفحًا عن هذه الدراسة الشاملة أو المستقصية أو 
نسقطها من الحسبان في دراستنا لهذا الموضوع. وبرغم أننا لا نستطيع أن نتقبل مقالة 
جولدزيهر التي نعرضها بعد قليل في هذا الموضوع» فإننا نؤكد أن نقد ١1ات۸‏ لهذا 
المقال» خصوصا نقده لموقف جولدزيهر من أقوال ابن عباس المذكورة» والذي حاول 
فيه الرجوع بهذه الأقوال إلى أصول أفلاطونية محدثة» هذا النقد يبدو لنا نقدا مفرطا 
ومتجاوزا للحد. هذا ويمكن الرجوع في مسألة النور المحمدي إضافة إلى المقالات 
والمؤلفات التى نحيل إليها فى هذا الفصل إلى «ماسينيون» فى مقاله المنشور بهذا 
العنوان أيضًا في دائرة المعارف الإسلامية» الطبعة الأولى» وكذلك كوربان في كتابه 
E۸ 15122: 2‏ انظر فى فهرس المصطلحات الفنية الملحق بآخر الكتاب 
«الحقيقة المحمدية والنور المحمدي». 


www.alimamaltayeb.com 


1۲ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
شىء خلقه الله تعالى قبل الأشياء؟ قال: يا جابر! إن الله تعالى قد خلق قبل 
الأكياءكوو نك هن نورا" 
ونقول: إن مسألة «النور المحمدي» وما طرأ عليها - فيما بعد- من 
ات ا مها ر وة الما قر کے لاهن عضن 
المفاهيم التي عبرت عنها نصوص كثيرة سابقة على الإسلام» واكتسبت من 
خلالها صورًا شتى» ووجومًا كثيرة مثل مفهوم الكلمة العيسوية (1-0805 
195 -- الذي حمل القديس جوستان(ت. ١56‏ م) على أن يضفي 
طابعًا مسيحيًا خالصًا- وبأثر رجعي- على كل وجوه الحقيقة ومظاهرها 
في فترات ما قبل ظهور السيد المسيح 4 ومثل مفهوم «الحقيقة 
النبوية» الذي أشرنا إليه من قبل» ويُقصد به هنا استمرار تنقل النبوة من 
نبي إلى نبي إلى أن تستكمل مظهرها الآتم - وبصورة نهائية - في شخص 
«المسيح»» ومثل عقيدة «الحقيقة النبوية» التى نجدها فى قصة كليمنت 
المزيف المنسوبة إلى كليمنت بابا روما الرابع (ت. ۹۷م)؛ وهي قصة 
ذات طابع غنوصي واضح» تتخذ موضوعها من مصادر يهودية» ويهودية 
مسيحية» وفيما يقول 0٥3١ ۳٥1112311‏ فإن هذه العقيدة التى رفضتها 
)١(‏ إسماعيل العجلوني» كشف الخفاء» بيروت ١#6اذهه ٦١‏ 47135 والزرقانيء 
شرح المواهب» القاهرة ۳۲۹١ه‏ ج »٤۷ -٤ ٦ص 2١‏ هذا وللحديث روايات عدة 
متشابهة» وإن كانت تختلف في الجزء الأخير من الحديث» مثل رواية «إن أول ما خلق 
الله القلم...» الترمذي» تفسير 14» قدر ۱۷؛ أبو داود سنة ١۱؛‏ ابن حنبل 20 .۷۳١‏ 
ورواية «أول ما خلق الله العقل». وفيما يتعلق بمناقشة ابن تيمية لتفسير الصوفية لهذه 


الأحاديث راجع مجموع الفتاوى» ج9» ص ۲۳۲؛ ج218 ص٣٦۳۳‏ -71/8. 
.B. C«.Patrologie grecque VI. 397 (¥)‏ 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۱۳ 
المسيحية الأرثوذكسية قد ورثها الإسلام وجنى الكثير من ثمارها". 

ويُعدٌ «جولدزيهر» أول من انشغل بالبحث والتفتيش عن آثار أفلاطونية 
محدثة أو غنوصية في نصوص موضوع «النور المحمدي». 

ونحن من جانبنا لا نجد بأسا في القول بوجود بعض من أوجه الشبه 
بين هذا الموضوع وموضوعات أخرى مماثلة» وبين اعتقادات قديمة مثل 
الاعتقادات المانوية» ومثل مفهوم «التناسخ» في الفلسفة الهندية» ولا ننكر 
أن الإسلام بعد أن سيطر على الديانات الأخرى وطواها تحت جناحه قد 
تأثر في مسألة النور المحمدي وفي غيرها بمواريث قديمة أو حديثة آلت 
إليه من هذه الديانات وظهرت في مجال الألفاظ أو أدوات الفهم والتعبير» 


O. Clumann, Le Probléeme littéraire et Historique du roman )١( 
.pseudo-cléêmentin, Paris, 1930. P208sp., 230sp 
ولا مفر لنا من القول بأنه بالرغم من اعتماد كوربان على هذا المصدر» والقيمة التي‎ 
يضفيها عليه فإننا لا نستطيع بحال أن نوافقه الرأي في قبول مقالة 153110 .1 التي‎ 
يذهب فيها إلى أن إنجيل برنابا ينقل في هذه المسألة ومسائل أخرى تعاليم يهودية‎ 
مسيحية صحيحة وموثقة. انظر:‎ 
Paris 1977... L Evangile de Barnabé.L. Cirillo et Michel Fréêmaux 
Zeitschrift für Assyridologire, 1909, vol XX11,) جولدزيهر‎ )0( 
«Neuplatonische und Gnostische Elements Im Hadith» pp. 
.317-4 
انظر أيضًا: أبو العلا عفيفي» نظريات الإسلاميين في الكلمة. مجلة كلية الآداب» جامعة‎ 
ص”0-77لاء وانظر كذلك مقالا بعنوان:‎ .١975 فؤاد الأول»‎ 
"The Influence of Hemetic Litterature in Muslim Thoght" B. S. 
O. A. S. XIII, 1950, pp. 840-855. 


www.alimamaltayeb.com 


٤‏ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
لكننا - يرغم ذلك - نرفض نظريات التفسير العاريشئ القن تثاولت تسر 
هذه المواريث في انتقالها للإسلام؛ لأن هذه النظريات أو المناهج تدمر - 
في نهاية الأمر - جوهر التجربة الروحية في نفس المؤمنين» وتقضي على 
ذاتيتها واتساقها الداخلي. 

وشبيه بهذه النّظريّات نظريات أخرى سابقة» زعم فيها أصحابها 
أن التصوف الإسلامي ليس إلا أمشاجًا غير متجانسة من الأفكار» ومن 
السلوك» لا يعرفها الإسلام» ولا تعرف له ولقد رأينا كيف أن ماسينيون 
استطاع - بحق- أن يَُنّد هذا الزعم» وأن يبرهن على تهافته وزيفه. 

ومما يدحضٌ منطق هذه النظريات أن القرآن الكريم ينظر إلى الوحي 
المحمدي على أنه الوحي المؤكد والمتمم لكل الرسالات السابقة: #إإنَا 
سيا ڪا رل من بَمَدِ موس مُصَدََالِمَا بن يديد 4 الاد وان 
المؤمن الحق- في ميزان القرآن نفسه - هو الذي يؤمن بما أنزل على 
محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين من قبله: # وَآلدنَ مون ما أَنزلَ يك 
E E‏ لَه وَمَآأنِلَ إلا وما نرد إل عر 
َإِنْمَعِيلَ وَإسَحَقٌ وَيعْمُوب وَالْدَسْبَاطٍ وما وق مُوسى وعِيسَى وما أ آ اوق الو 
من رَه # [البقرة: 17]. مما يمكن معه القول بأن «الحقيقة النبوية» في 
سيرها الأزلي في ضمير الأزمان والآباد» وكمفهوم يُعبّر عنه أو يرمز إليه 
«النور المحمدي»» هي نتيجة منطقية لهذا الأصل الاعتقادي في القرآن 
الكريم» حيث تمثل الرسالات النبوية في تتابعها وكثرة مظاهرها المعبرة 
عن حقيقة واحدة درجاتٍ وأطوارًا تبلغ قِمَّتها - في نهاية الأمر- في هذا 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۱۴۵ 
انب الذي سيعطى جوامع «الگلم»» والذى یکتمل به الذين؛ وتنتسخ 
برسالته الشرائع والآديان السابقة عليه. 

ومهما يكن من أمر مشكلة التفسير التاريخي لموضوع «الحقيقة 
المحمدية)» وما أثير حوله من مناقشات عقيمة» لا تنتهى - حسبما 
نعتقد - إلى شىء ذي بال» فمن المفيد هنا أن نلفت النظر إلى نصوص 
إسلامية تقلت إلينا عبر عصور التاريخ الإسلامي» وكانت بمثابة شواهد أو 
أدلة تؤكد انتباه العارفين بالله من أهل الإسلام لحقيقة «النور المحمدي» 
ووعيهم المتواصل بأبعادها ودلالاتها العرفانية؛ ففي تفسير جعفر الصادق 
للآية الأولى من سورة «القلم» التي تبدأ بحرف من الحروف الأربعة عشرء 
وهي الأحرف النورانية الفردة التي تظهر في مفتتح تسع وعشرين سورة 
من سور القرآن -يقول الإمام جعفر: «نون هو نور الأزلية الذي اخترع 
منه الأكوان كلهاء فجُعل ذلك لمحمد بء فلذلك قيل له 9# وَإِنَكَ علق 
عظي م )4 [القلم: ]٤‏ من السورة نفسها -» أي على النور الذي خصصّت 
(1) «أعطيت جوامع الكلم». حديشرواهالبخاري»كتاب التعبير ١١‏ »ومسلم مساجده»وغيرها. 
(۲) هذا النص مأخوذ من تفسير جعفر الصادق» وهو تفسير ناقص موجود ضمن كتاب 


حقائق التفسير للسّلمي؛ وقد نشر الأب نويّة» تفسير جعفر الصادق فى 16122865// 
"universit€ Saint - Josebh‏ ع0 بيروت .۱۹٦۸‏ مجلد XLII‏ تحت عنوان 
التفسير الصوفي المنسوب إلى جعفر الصادق (ص٠۲۲).‏ كما ترجم الأب نويّة هذا 
النص مع اختلاف يسير في كتابه Exégése Coranique et langage mystique‏ 
(بيروت ۱۹۷۰ ص77١).‏ وغنى عن القول إن كلام الإمام الصادق هنا يرتبط ارتباطا 
وثيقا بمسألة التطابق بين الأحرف النورية والأطهار الأربعة عشر في التشيع الإمامي. - 


www.alimamaltayeb.com 


۱۳۳ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 

ويخبرنا سهل التستري - أحد الشيوخ الذين يتردد ذكرهم كثيرا في 
مؤلفات ابن عربي-» أن الخضر قال له: «خلق الله تعالى نور محمد 
كل من نوره [...] فبقى ذلك النور بين يد الله تعالى مائة ألف عام» وكان 
يلاحظه في كل يوم وليلة سبعين آلف لحظة ونظرة» يزيده في كل نظرة نورًا 
عدرة ات حلن وه المرسووات كنبا 

وكذلك يوك الحكيم الترمذي أحد معاضري السدري على أوليّة 
محمد ية في الوجود» فيقول عن خصوصياته: «فأول ما بدأ «الله تعالى) 
بدأ ذكره ثم ظهر في العلم علمه ثم في المشيئة مشيئته ثم في المقادير هو 
الأول ثم في اللوح هو الأول ثم في الميثاق هو الأول»". 


ومع ذلك» فقد اقتبس علماء أهل السنة أقوال جعفر هذه مع أقوال أخرى له أيضًا 
وَعَدُوَها أقوالاشارحة لحقيقة تمي إلى ميراث إسلامي ذي أصل واحد. وسوف شیر 
في موضع آخر إلى أن كوربان يرجع أيضا إلى أقوال الإمام الخامس محمد الباقر بوصفها 
مصدرا من مصادر مسألة النور المحمدي. 153167 151222 En‏ 1 99 حرص 100. 

)١(‏ الفتوحات لا صن 3597: © ص41 45 ۳۹٥‏ 4 ص55 8 5لا وكتاب 
الفجلياك ط عقمان بء 8٠ ٤سض ١‏ وغير ذلك 

Massignon: Textes 126015 cocernant bhistoire de la mystique en (¥)‏ 
.pays Islam, Paris, 1929. P39‏ 
وقد حلل 136761358 66111310 أهمية النور المحمدي في مذهب سهل التستري» 
وذلك في كتابه 151322 The Mystical Vii of Existence in Classical‏ 
ول رر ةذ جر اوا غاا وشير هنا ا خاضة الى صن ها 
حيث نلتقي بتفسير التستري للآيات ١7‏ إلى ١8‏ من سورة النجم. 

(۳) الحكيم الترمذي» ختم الأولياءء الفصل الثامن ص ۳۷". 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش 1 


والحلاج (ت. ٠4‏ 7ه/ 477م) في كتاب الطواسين» وهو يفسَّرٌ قوله 


9 5 وت “زكر 2 صد 
تعالى: 7 # الله نور السّمنوامت والارض مکل ورو کیش کو فا مصاع لصاح 


وہ ر عام 2 رعو کا کیک 5 دورو ر رہ ر در عجوي 2 اع ا 2 

في زاج الزجاجة انها كوك دری يوقد من شجرق مرڪ زيوب لاشرقيةٍ ولا 
86 

2 سس فر کو 1 و 5 سل > ال سس وو هم > فير كه سح مسو 3 > >يكو 

عربيّةٍ يكاد يضىء ولو لم تمسسّه نار نور على نور هری الله لنورو من دسّاء 


ج ا 7 رمه ٠‏ تبي 2 : 
وریب آنه الل للت اس واه یکل ىء عير (4)50 [النور: ]۳٣‏ يماثل بين 
«المشكاة» المذكورة فى الآية الكريمة» وبين شخصية النبى بيه ويماثل 
بين المصباح الموجود في المشكاة وبين النور المحمدي» ويضفي على 


على سدس 


البطن الذين ينتمي إليه النبي بلا وصف «الْاسْرَقِيةِولاعرَيَةَ #» ومن ثم 
يشبهه ب «الشجرة المباركة» التي يوقد زيتها ضوء المصباح كما هو مذكور 
في الآية الكرية. يقول الحلاج: «أنوار النبوة من نوره برزت» وأنوارهم من 
نوره ظهرت [...] همّته سبقت الهمم» ووجوده سبق العدم» واسمه سبق 
القلم» [...] العلوم كلها قطرة من بحره» الحكم كلها غَرفة من نهره» الأزمان 
كلها ساعة من دهره [..] هو الأول في الوصلةء هو الآخر في النبوة»2". 
إن تبجيل النبي بي وتوقيره بهذه الصورة التي تنيط به وظيفة كونية 
وراء وظيفته الرسالية التاريخية» لم يكن قاصرًا أو محصورًا في دائرة ضيقة 
من النصوص الصوفية التقليدية» بل كان منتشرا أيضًا في نصوص ذائعة 
)١(‏ كتاب الطواسين نشره ماسينيون سنة ۱۹۱۳ بباريس. وهو عبارة عن طائفة من أقوال 


الحلاج جمعت بعد وفاته ويعود تاريخها إلى الفترة الأخيرة من حياته. راجع فيما يتعلق 
بموضوع هذا الكتاب» الطبعة الثانية من [113113 06 23551012 4ء باريس 2١91/5‏ 


ج۳ ص۲۹۷ وما بعدها. والأقوال التي سنوردها منه في موضوعنا هذا مقتبسة من 
ص٤‏ ۹-۰ 


www.alimamaltayeb.com 


۱۴۸ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحي الدّين بن العربي 
ومشهورة مثل كتاب «الشفاء» للقاضي عياض" الفقيه المالكي الشهير 
(5545ه/ 59١١م).‏ وكتاب «المواقف» للأمير عبد القادر الجزائري» 
الذي جاء بعد القاضي بسبعة قرون» والذي خصّص فيه موقفًا مختصرًا 
لتفسير الآية الأولى من سورة الإسراء خطر له بعد الفراغ منه أنه إذا 
وقف عليه بعض «من لم يُكشف له سر الحقيقة المحمدية ربما يقول ما 
قال الحافظ ابن تيمية يَدْلَنْهُء لما وقف على شفاء عياض «لقد تغالى هذا 
المُغيربيٌ». غير أن هذا الخاطر لم يشن الأمير عن الإفاضة في الحديث عن 
التق المسمادية» ققد راق فى مام نا يحته على الوزاذة في هذا لبوك 
فزاد فيه وأفاض”". 

ثم نشأت في عصر ابن عربي - وبسبب من مطالبة الأيوبيين - ظاهرة 
«المولد النبوي» وأخذت تنمو في اطرادٍ منتظم» وقد أثمرت هذه الظاهرة 
- إزاة قلف القن کا ماد مى تان الشعره مها ها جام قن بوره 
شعرية متألقة» ومنها ما جاء في صورة ساذجة بسيطة» ويمكن القول بأن 
مصطلح «النور المحمدي» أو «الحقيقة المحمدية» أخذ تطوره في هذه 
القصائد» وعلى - كلا المستويين - ضمن ألفاظ موحية أحياتًا» ومعبرة 
تعبيرًا صريحًا كاملا عن هذا المصطلح في أكثر الأحيان. 

ونضرب لذلك مثلا «تائية ابن الفارض»» التي يقول فيها وهو 
(۱) القاضي عیاض» كتاب الشفاء» دمشق ۱۳۹۲/ ٠۹۷۲‏ . 


)۲( كتاب المواقف» دمشق »۱۹٦۷ ۰۱۹٦٦‏ ۲۰۹۲۹۱ 


)۳( ابن الفارض» التائية الكبرى» القاهرة ١اه‏ بشرح النابلسى» على هامش ديوان 
ابن الفارض» البيت رقم ٠۳١‏ ص٥۷٠‏ والبيت رقم ١1۳۹ء‏ ص۱۸۹. وهناك أمثلة = 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش هذا 
يتحدث بلسان الحضرة النبوية. 


فلا حي إلا عن حياتي حياته وطوع مرادي كل نفس مريدة 
ويقول: 
وإني وإن كنت ابن آدم صورة فلي فيه معنى شاهدبأبوتي 


غير أنه لا مفر من الرجوع لابن عربي في هذا الموضوع» فهو المصدر 
الذي سنحيل إليه ونحن نبحث عن مفهوم أكثر وضوحا وتحديدا لهذه 
العقيدة أو هذا المذهب الذي تمخض عنه مصطلح «النور المحمدي»» 
وأيضًا علاقات هذا المذهب بمفهوم الولاية ومعناها. 


وإذا ما رجعنا إلى الفتوحات وجدنا ابن عربي يطرح في الباب 
االسامسن ها هاف عة ا الرويحاق دع ا 
الإجابة عنها موضوع هذا الباب» وهذه الأسئلة هي: «من هو أول موجود 
فيه (= الخلق الروحاني)؟ ومِمّ وجد؟ وفيم وجد؟ وعلى أي مثال وجد؟ 


-أخرى كثيرة لقصائد المديح النبوي تشتمل على ذكر صريح للحقيقة المحمدية؛ منها 
ما نجده في كتاب الأدب الصوفي في مصر في القرن السابع الهجري تأليف على صافي 
حسين» القاهرة ١974‏ ص 77١١‏ وما بعدها. ومنها قصائد للسيد أحمد البدوي والسيد 
الدسوقي وغيرهما. وسنكتفي هنا بإيراد بعض الشواهد فقط» لكن الحاجة تمس إلى 
بحث منهجي منظم في النبوة يتخطى فيه الباحث ميدان الأدب الصوفي ويتجاوزه 
إلى تجلية الجانب الإيماني الاعتقادي خصوصا في مدرسة الحنابلة أو عند المؤلفين 
المتأثرين بالاتجاه الحنبلى مثل أبى بكر الآجري (ت0٠77/ )4۷١‏ في كتابه: الشريعة. 
هذا ويشتمل كتاب 000 book And‏ ا Annemarie‏ 
His Messenger, Chpel Hill, 5‏ 15 على معلومات وفيرة تتعلق بالصور 
المختلفة لتعظيم النبي 4 وتوقيره. 


www.alimamaltayeb.com 


£ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
ولم وجد؟ وما غايته؟» ثم يبدأ ابن عربي إجابته ببيان أن بدء الخلق هو 
«الهباء» - وهو مصطلح يعادل في منظور الشيخ الأكبر مصطلح الهيولي أو 
المادة الأولى في لغة الفلسفة-("» وأن أول موجود في الهباء هو الحقيقة 
المحمدية الرحمانية» تلك التي «لا أين يحصرها لعدم التحيز)”" ثم إن الله 
تعالى «تجلى بنوره إلى ذلك الهباء» ويُسميه أصحاب الأفكار: «الهَيُولي 
الكل»» والعالم كله فيه بالقوة والصلاحية» فقبل فيه تعالى كل شيء في ذلك 
الهباء على حسب قوته واستعداده كما تقبل زوايا البيت نور السراج» وعلى 
قدر قربه من ذلك النور يشتد ضوؤه وقبوله» قال تعالى: #مثَلُ نوروء کیشکوز 
متم ا را واا فلم كن اب ادرا 
في ذلك الهباء إلا حقيقة محمد إا المسماة بالعقل”" فكان (-محمد) 
سيد العالم بأسره وأول ظاهر في الوجود... وعين العالم من تجلّيه)9. 
© ارات س۷ا 


(؟) الفتوحات» ١‏ ص۰۱۱۸ ج۲» ص ۲۲۰ بتحقيق عثمان يحيى. 

(۳) هذا التوحيد بين «الحقيقة المحمدية» و«العقل الأول» يعتمد - في الأساس - على 
توحيد مماثل بين هذين الأمرين تقرره الأحاديث المذكورة في هامش ۳ (ص١4)‏ من 
هذا الفصل. ونلاحظ أن ابن عربي يعبر عن هذا التوحيد أو التطابق» برواية أو بأخرى من 
روايات الحديث حسب سياق المقام. انظر على سبيل المثال» الفتوحات »١‏ ص ١70‏ 
«أول ما خلق الله العقل)» والفتوحات ١‏ ص ١74‏ (إن أول ما خلق الله القلم». 

(5) الفتوحات ١‏ ص ۱۱۹ ج ۲» ص0777 ۲۲۷ بتحقيق عثمان يحيى. ويختم ابن عربي 
عبارته هذه بما يُشعر بسمو مكانة على بن أبي طالب» وذلك في قوله: «وأقرب الناس 
إليه ( - محمد 4) علي بن أبي طالب». انظر تعليق عثمان يحيى على هذه الفقرة» (ج 7 
ص۲۲۷» سطر 5). وأيضًا مقدمته لها الجزء ص7” حيث يلاحظ فرقا بين رواية الأصل = 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ٤١‏ 

وكذلك يتضمن الباب الحادي والسبعون بعد الثلاثمائة (الفصل التاسع 
في العالم وهو كل ما سوى الله» وترتيب العالم ونظامه) شرحًا مط ولا عن 
ميلاد الكون يبين فيه ابن عربي الظهورات المتتابعة لصور الموجودات التي 
قبلها «العماء» وظهرت فيه» والعماء - فيما يقول ابن عربي - ليس إلا نمس 
الرحمن» وأول كائن في هذا العماء هو القلم الإلهي أو العقل الأول الذي 
هو «الحقيقة المحمدية»» وهو «الحق المخلوق به» وهو «الروح القدس 
الكلي» وهو «مستوى الأسماء الإلهيات»» وكتاب «عنقا مُغْرب) - وهو 


-الأول لكتاب الفتوحات ورواية الأصل الثانى» فى إيراد هذه الفقرة. (انظر ط ١797‏ ه 
من الفتوحات» جا ص٤ »)١5‏ ففى رواية الأصل الأول زيادة ذات صبغة شيعية» وهذه 
الزيادة تختفي من الأصل الثاني. ونحن نلفت النظر هنا إلى أن الأصل الأول للفتوحات 
لانعرفه إلا من خلال مخطوط يرجع تاريخ نسخه إلى ما بعد وفاة ابن عربي» (كان الفراغ 
من كتابة هذه النسخة سنة 1۸۳ ه). وعليه فلا يُحَدَّ هذا الأصل موثقا مثل الأصل الثاني 
الذي يرجع تاريخه إلى سنة ٠١١‏ هوالذي نمتلك منه نسخة خطية أصلية بخط ابن عربي 
نفسه. أما فيما يتعلق بقضية تحقيق هوية (ختم الولاية) - والتي سنتناولها في موضع 
لاحق- فإن العبارة السابقة قد أمدت حيدر آملي بمعطيات في هذا الموضوع انتهت 
به إلى تقديم ابن عربي في صورة المتناقض مع نفسه. انظر نص النصوص ص .١1956‏ 
)١(‏ الفتوحات» “ا ص۳٤٠ .٤٤٤‏ ونجد في هذا الموضع أيضًا «التطابق» الذي تحدثنا 
عنه فى هامش ۳ من ص4۷» كما نجد فيه أيضًا مصطلحات فنية أخرى مقتبسة من 
شيوخ سابقين» فمثلا مصطلح «علم الحق المخلوق به كل شيء» يعود به ابن عربي في 
الفتوحات (۳: ۷۷) إلى ابن برجان (ت077/١5١١).»‏ الذي يسميه: الحق» أخذا من 
الآية الكريمة: ##وَمَاسَلقَنا اتوت ولاس وما يتوم إل بال € [الحجرة 1۸6 كما 
يعود به أيضًا إلى الإمام سهل بن عبد الله التستري» ويسميه: العدل. وفي التدبيرات 
الإلهية(ط نيبرج ص٠٠۲‏ )يطالعناكذلك وصف لدرجات النشأة الكونية» ولكن مع المضاهاة 
بينها وبين نشأة الإنسان» وفى هذا الوصف يشير ابن عربى إلى أولية «الحقيقة المحمدي». 


www.alimamaltayeb.com 


۲ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحي الدّين بن العربي 
كتاب من كتب ابن عربي يتخذ من ختم الولاية موضوعا محوريًاء ومسألة 
مركزيّة - يتضمن سلسلة من العبارات ذات دلالة بالغة الوضوح على هذه 
المسألة» يقول الشيخ في هذا الكتاب: «الروح المضاف إلى الحق» جاء 
في القرآن الكريم #وَبَمَحَ دمن رويد © [السجدة: 94] الذي نفخ فيه في 
عالم الحق» وهي الحقيقية المحمدية”"» والنبي بيه هو الجنس العالي إلى 
جميع الأجناسء والآب الأكبر إلى جميع الموجودات والناس وإن تأخرت 
طينته)"» و«برزت الحقيقة المحمدية من الأنوار الصمدية في الحضرة 
الأخدية» «فاوجك الحقيقة المحمدية... ثم سلخ العالم منها»2. 


وكذلك نجد الفصل الأخير من كتاب «الفصوص» شديد الوضوح 
في هذا الموضوع» فمحمد بي هو «أكمل موجود في هذا النوع الإنساني» 
ولهذا بُدئ به الأمر وختم» فكان نبا وآدم بين الماء والطين ثم كان بنشأته 
العنصرية خاتم النبين». 


.5 ٠ ص‎ ١905 عنقا مغرب القاهرة»‎ )١( 

(۲) السابق» ص١‏ 5. 

(۳) السابق» ص”7. 

(:) السابق» ص۷"» وانظر أيضًا ص٠‏ 5» ١‏ 0. 

(5) الفصوص »)١(‏ ص٤١۲٠‏ انظر أيضًا: كتاب التذكرة» تحقيق وترجمة: 10612011616 .11 
باريس ۱۹۷۸ء الفصل الثاني .(La Rêéalité Principielle de FEnvoyé)‏ وفي 
اعتقادنا أن هذا الكتاب لا يمكن أن ينسب إلى ابن عربي وإن كان يشتمل على ملامح 
مذهبه ويقتبس كثيرا من نصوصه. وفيما يتعلق بمشكلة نسبة هذا الكتاب لابن عربي 
راجع رأ Denis Gril‏ المنشور في: bulletin critique des An" ales‏ 1 
Islamologiques, t XX, 1984, pp. 337-339.‏ 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ذل 


ولا مفر لنا من الحديث عن مفهوم آخر مكمل لمفهوم الحقيقة 
المحمدية» ومرتبط به أوثق ارتباط» إنه مفهوم «الإنسان الكامل»): «فإنه 


به ينظر الحق إلى خلقه فير حمهم» فهو الإنسان الحادث الأزلي» والنشء 
الدائم الآبدي» والكلمة الفاصلة الجامعة» قيام العالم بوجوده. فهو من 


العالم كفص الخاتم» وهو محل النقش» والعلامة التي بها يختم الملك على 
خزانته» وسماه خليفة من أجل هذا؛ لأنه تعالى الحافظ به خلقه كما يحفظ 


الختم الخزائن» فما دام ختم الملك عليها لا يجسر أحد على فتحها إلا بإذنه 
فاستخلفه في حفظ الملك» فلا يزال العالّم محفوظًا ما دام فيه هذا الإنسان 
الكامل»)”"» وينطبق مصطلح «الإنسان الكامل» - انطباقًا تاا - على الإنسان 


)١(‏ الفصوص!» ص»50. انظر فيما يتعلق بالإنسان الكامل: رينولد. أ. نيكولسون» 
دراسات في التصوف الإسلامي (بالإنجليزية) كمبردج ١۱۹۲ء‏ الفصل الثاني؛ أ. 
عفيفي : The Mystical Philosophy of Muhyid Din Ibnul Arabi,‏ 
«.:Cambridge, 1939, chap I‏ ماسينيون: L Homme Parfait en Isla‏ 
«et son originalité eschatogique 1948‏ أ نشره فى 1111013 006612 
بيروت ۰۱۹٦۳‏ ۱» ص۱۰۷ -50١؛‏ انظر أيضًا: ه. ه. شيدر: "Die Islanıishce‏ 
Leher vom Volkommenen Menshen", 2. D. M. ©. 79, 5‏ 
pp. 192-268, T. Izutsu, Sufism and Taoism, Tokyo, 1966, chp.‏ 
15-7. وكذلك مقال: ر. أرنالديز فى دائرة المعارف الإسلامية (ط. الثانية)» ومقال 
اک فى المرسوعة اقا ا ووه ۰۱٤۸-۱۳ ٤ص ١‏ وأيضًا 
2 113522123 نظرية ابن عربى فى الإنسان الكامل (بالإنجليزية) طوكيو 
۷. هذا وقد ترجم Titus Burckhardt‏ الفقرة التي أوردناها من الفصوص 
بشكل يختلف قليلا عن ترجمته للفقرة ذاتها فى كتابه (,5ع] 210116 La Sagesse des‏ 
كفم 1955 ا وهو ترا ف تة س ةد لكاب التصر مر وفنا اهم ف 
ترجمته لكتاب الكامل لعبد الكريم الجيلي De L'Homme Universel, Lyon)‏ 
3 الباب الستين الذي خصصه المؤلف لمعالجة قضية الإنسان الكامل راجع: = 


www.alimamaltayeb.com 


٤‏ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
الذي يكون بالفعل - وليس بالقوة - في كل ما خلق له» أي الإنسان الذي يحقق 
- بالفعل- صورته الإلهية الأصلية» فالله تعالى «خلق آدم على صورته»)”"2, 
ومن هنا كان الإنسان «مجمع البحرين»» ويجمع في ذاته بين الحقيقة العليا 
والحقيقة الدنياء «فكأنه برزخ بين العالم والحق»» والإنسان الكامل هو 
«القرآن)”"» و«عمد السماء»» و«الكلمة الجامعة»”*؛ إذ العالم كله كلمات 
الله في الوجودء والإنسان الكامل ينطوي عليها في طبيعته الكاملة”. 


-الإنسان الكامل القاهرة ٩٤۱۹ء‏ ص٤٤‏ -/5. 

)١(‏ ابن حنبل» 7» ص5 75 ٠٠١ 751١‏ البخاري» كتاب الاستئذان باب ١ء‏ وهذا الحديث 
يتناوله ابن عربي بالشرح في كثير من مؤلفاته» الفتوحات» »١‏ ص۷٠۱‏ ومواضع أخرى. 
أما تسمية الإنسان الكامل ب «مرآة الله» - وهي تسمية أخرى له بما هو صورة إلهية - 
فإنها تعتمد أيضًا على حديث: (إن أحدكم مرآه آخيه»» الترمذي» كتاب البر 2168 انظر 
الفتوحات ۱ » ص۰۱۱۲ ۰۳ ص5 17. 

(0) إنشاء الدوائر» ط. نيبرج ص۲۲ . 

(۳) الفتوحات» ۳» ص 45» وحقيقة الأمر أن هذه التحديات لا تنطبق - في كتابات ابن 
عربي - إلا على حقيقة النبي بيا فهو المقصود من الإنسان الكامل المتصف بالصفات 
السابقة. ويظهر هذا المعنى أيضًا في نص آخر (الفتوحات» 5» ص١35)»‏ يقول فيه ابن 
عربي: «فمن أراد أن یری رسول الله َء ممن لم يدركه من أمته» فلينظر إلى القرآن فإذا 
نظر فيه فلا فرق بين النظر إليه والنظر إلى رسول الله يا فكأن القرآن انتشأ صورة 
جسدية يقال لها محمد بن عبد الله بن عبد المطلب». وهذه المطابقة بين ذاته كه وبين 
الارآن يدها ديت عا جن مفلت عن خلقه فقالهة «كان خلقه الق ر آن): 

(5) الفتوحات» ا ص١۱٤‏ (ومن أجل ذلك سمي أيضًا «(شجرة)» انظر: اصطلاحات 
الصوفية» مصطلح (شجرة)). 

(5) الفتوحات» 7 ص55 5. 

(0) الفتوحات» ۱ » ص 755؛ ٤‏ صء ٦٥‏ . 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۱٤۵‏ 
اهاد العازات ۷ نطق لعن ال المعيدية فت وا 
الحقيقة الوحيدة التي تتصف بهذه الأوصاف المذكورة ابتداءً» وعلى تم 
الوجوه وأكملهاء غير أن هذه الأوصاف يمكن أن تفى - بصورة أو بأخرى 
- بالتعريف بمفهوم «القطب» أو مفهوم أي كيان روحي آخرء يتولى وظيفة 
القطب» ويقوم بِمَهِمّتِه الكونية. 
وكيفما كان الأمر فإن هذين المصطلحين: الحقيقة المحمدية 
والإنسان الكامل ليسا مجرد مصطلحَين مترادفين على معنى واحد. وإنما 
الإنسان في صورته الأصلية» بينما ينظر إليه المصطلح الثاني بما هو قصد 
أو غاية» أي باعتباره «خليفة» عن الله تعالى. 
وإذن فالكمال المقصود فى الإنسان الكامل لا ينبغى أن يؤخذ بالمعنى 
الخلقي» أي بالمعنى المتصل بالفضائل البطولية» وإنما بمعنى «التمام» أو 
«الكمال)0", وهذا الكمال - في حفيقته - ل e‏ إلا جمد عق 
فهو خاص به وهو المظهر الأتم الجامع للحقيقة المحمديةء لكنه أيضًاء 
وبتقدير آخرء يمثل الغاية القصوى التى تنشدها وتنتهى إليها كل حياة 
)١(‏ الحقيقة المحمدية والمظهر الحيواني للإنسان والإنسان الكامل دوائر تتوازي - 
بالتبادل- مع الدرجات التي أشارت إليها الآيات الكريمة: »٤‏ 25 5 من سورة التين» 
وهي الخلق في أحسن تقويم» والارتداد إلى أسفل سافلين» والصلاح بالإيمان والعمل 
الصالح: للق حَلقَلِسكنَ يه َحَسَن تََوي و20 شد ردد أَسْفَلَ فين ن إلا لذبن اموا ويوا 
لصحت َه أجر عر نو )). 


www.alimamaltayeb.com 


۱٤٦‏ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
تعني شيئا أكثر من مجرد الاشتراك أو الوراثة في ولاية النبي. 

ولقد رأينا من قبل كيف أن هذه الوراثة تحصل بطريق مباشر أو غير 
واس ليج ترم ة: إنه محمدئ إلا لشخصين: 

- إِمّا شخص اختص بميراث علم من حكم لم يكن في شرع قبله. 

- وإمًا شخص جمع المقامات ثم خرج عنها إلى «لا مقام» (إشارة 
إلى الآية ١‏ من سورة الأحزاب)”" كأبي يزيد وأمثاله» فهذا أيضًا يقال 
فيه: المحمدي)”". 

ونلاحظ في هذا النص أن كلمة «محمدي» في الحالة الأولى لها دلالة 
محددة» فهي تنطبق على هؤلاء الذين طبقوا حكما من أحكام الشريعة 
المحمدية فأثمر في قلوبهم علما إلهياء أي طبقوا من شريعته َيه حكما لم 
يكن موجودًا في الشرائع السابقة» ولا مطابقا لحُكم من أحكامها"» وهذه 


ل ساح لا 


)00 ل یکاھل برب لا مقام لكل 4 ونحن نعتمد هنا على تفسير ابن عربي لهذه الآيات في 
أكثر من موضع من مؤلفاته (الفتوحات» ۳» ص۰۱۷۷ ۲۱٦‏ 46500 5 ص 27/8 مواقع 
النجوم ص١5 ...١‏ إلخ). 
ويشير ابن عربي إلى هذا المقام في رسالة «الولاية والنبوة» (تحقيق ودراسة حامد طاهر 
ص ١‏ ") بقوله: ولیس وراءهمقام ولا مرمى إلا مقام مالايقال» وهو في سورة الأحزاب». 
وبرغم إشارة ابن عربي هذه فإن محقق الرسالة لم ينتبه للمقصود من هذا المقام. 

(۲) الفتوحات» ١‏ ص”777 (ج7 ص08" وما بعدها بتحقيق عثمان يحيى). 

(۳) حسبما يبين ابن عربي في نص سابق على هذا النص مباشرة» فإن الأحكام الشرعية في 
الإسلام تتضمنء أو تتطابق في جانب منها مع ما جاءت به الشرائع السابقة من أحكام. 
وبرغم هذا التطابق» فإن وجوب تعبد المسلم بها نابع من حيث إنها شرع قرره محمد 
لا من حيث إنها جزء من التوراة -مثلا- أو إن هذا النبي أو ذلك قررها في بعثته. هذا - 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۱۷ 
الحالة تتعلق بمحمد َيه في إطار وجوهه الزمني التاريخي. 

أما في الحالة الثانية فإن كلمة «محمدي» تنطبق - على عكس الحالة 
الأولى - على الأولياء الذين قطعوا كل مقاماتٍ الطريق الرّوحيء وها هنا 
ترتبط كلمة «محمدي» ارتباطًا وثيقًا بمعنى الحقيقة المحمديّة ذاتها. 

ويتابع ابن عربي حديثه - بعد ذلك - فيقول: «وماعدا هذين الشخصين» 
(ممن لا يقال فيه محمدي بواحد من المعنيين السابقين) فينسب إلى نبي 
من الأنبياء السابقين» ولهذا ورد في الخبر (إن العلماء ورثة الأنبياء»"» 
ولم يقل ورثة نبي خاصٌء والمخاطب بهذا علماء الأمة» وقد ورد أيضًا 
بهذا اللفظ قوله كلد «علماء هذه الأمة كأنبياء بني إسرائيل». 

ولك نهل يتميز الأولياء الذينير ٹون من محمد يكرا مباشرٌ بخصائص 
تميزهم عن غيرهم من الأولياء الذين يرثونه 45 بتوسط أنبياء آخرين؟ 

في جواب هذا التساؤل يقرّرٌ ابن عربي - وهو بصدد حديثه عن 
معنى السكينة - أن السكينة لم تنزل على بني إسرائيل نزولا مباشرّاء أي 


-وتطالعنا فكرة: العلوم الروحانية التي يورثها العمل بالعلوم الشرعية - والتطابق 
الرمزي بين طبيعة هذين النوعين من العلوم - في كتاب الفتوحات» خصوصا «الأبواب 
۸ - ۷۲). كما تطالعنا في كتاب «التنزلات الموصلية» (طبع بالقاهرة عام ١915١‏ 
بعنوان «لطائف الأسرار». بتحقيق أحمد زكي عطية وطه عبد الباقي سرور). وسوف 
نتناول في موضع آخر قضية العلاقة بين الشريعة والطريقة. 

)١(‏ البخاري» كتاب العلمء باب ٠١‏ ابن ماجه» المقدمة باب 17. وقد ورد الحديث 
بروايتين غير مذكورتين في الصحاح» وقد مر بنا (ص8/ هامش )١‏ أن العبارة الغامضة 
التي وضع ابن عربي رسالة الأولياء شرحا لها هي العبارة المعزوة إلى الشيخ المهدوي 
وهي «علماء هذه الأمة أنبياء سائر الأمم». 


www.alimamaltayeb.com 


١‏ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
لم تنزل على قلوبهم» وإنما نزلت في مكان بعيد عن قلوبهم» هو التابوت: 
لان يايڪمالسَابوتُ فِيهِ سڪ ڪي كه من ريڪ 4 [البقرة: .]۲٤۸‏ لكنها 
نزلت على قلوب المؤمنين من أمة محمد 4 نزولا مباشرًا. 

وهذا هو الفرق - فيما يقول ابن عربي- بين هذين الفريقين من 
الأولياء «فكانت آيات بني إسرائيل ظاهرة وآياتنا في قلوبنا"» وهذا هو 
الفرق بين الورثة المحمديين» و[ورثة] سائر الأنبياء؛ فورثة الأنبياء يُعرفون 
في العموم بما يظهر عليهم من خَرْق العوائد"» ووارث محمد كَِةِ مجهول 
في العموم» معلوم في الخصوص؛ لأن حرق عادته إنّما هو حال وعلم في 
قلبه» فهو في کل نَمّس يزداد علمًا بربه علم حال وذوق» ولايزال كذلك)©. 

غير أن هذا القرق الأول بين الورثة المحمديين وورثة الأنبياء لا 
يشكل إلا نقطة ابتداء ينطلق منها ابن عربي في دراسة لتصنيف الأولياء وبيان 
طبقاتهم ونماذجهم» وسوف يضع الشيخ الأكبر أيديناعلى فروق حاسمة بين 
هذه النماذج في دراسته التي يتابعها في نصوص أخرى متفرقة في مؤلفاته. 


اد 1 


2 ed ed 
۰ 


)١(‏ ترتبط تفرقة ابن عربي - في نماذج الأولياء- بين «الورثة المحمديين» و«ورثة الأنبياء» 
الآخرين بالتفرقة التي تبدو في قوله تعالى: # سَُرِبِهِم اتا الاق وف شم * 
[فصلت: 07]. 

(؟) تعني هذه الكلمة - في أدق معانيها - تعطيل القوانين الطبيعية وتوقفهاء فهذه القوانين - 
فيما یری ابن عربي» وأيضًا فيما يرى معظم المتكلمين - ليست أكثر من اطرادات منتظمة 
يترجمها العقل في صورة سلسلة من العلل والمعلولات. وهذه القوانين الطبيعية - في 
هذا الإطار- لا تقيد بحال من الأحوال قدرة الله تعالى وكذلك «المعجزة» لا تصدم 
طبائع الأشياء وإن كانت تصدم فكرتنا وعادتنا التي تعودناها حيال فهذه الأشياء. 

() الفتوحات» 5» ص *°. 


www.alimamaltayeb.com 


القصل الخافس 
ورثة الآنبياء 
جاء في سفر الخروج «إصحاح ۲۹ - 2325 من الكتاب المقدس: 
«ولما نزل موسى من جبل سيناء» ولوحا الشهادة في يده عند نزوله من 
الجبل لم يكن يعلم أن بشرة وجهه قد صارت مشعة من مخاطبة الرب له 
فرأى هارون وجميع بني إسرائيل موسى» فإذا بشرة وجهه مشعة» فخافوا أن 
يقتربوا منه[....] ولما انتهى موسى من مخاطبتهم جعل على وجهه حجابا». 
لهذه القصة التوراتية أشباه ونظائر في بعض القصص الإسلامي”"2, 
وابن عربي نفسه يستند إلى فحوى هذه القصة ومضمونهاء ويتخذ منها مثلا 
يوضح به اتجاهاته العامة التي تحدثنا عنها في نهاية الفصل السابق» يقول: 
«وموسى ع لما جاء من عند ربه كساه الله نورا على وجهه يعرف به 
صدق ما ادعاه» فما رآه أحد إلا عمى من شدَّة توره» فكان يتبرقع حتى 
لا يتأذى الناظر إلى وجهه عند رؤيته» وكان شيخنا أبو يَعْززى بالمغرب 
موسوي الورث فأعطاه الله هذه الكرامة فكان ما يرى أحد وجهه إلا عمي» 
فيمسح الرائي إليه وجهه بثوب مما هو عليه فيرد الله عليه بصره. 
وممّن رآه فعمى شيخنا أبو مدين - رحمة الله تعالى عليهما- حين 
رحل إليه» فمسح عينيه بالثوب الذي على أبي يعزى فردّ الله عليه بصره. 


)١(‏ الثعلبى: قصص الأنبياء: ۱۳۷۱ه ص1752177. 


www.alimamaltayeb.com 


5-7 الولاية والعبوة عش الفح ال كر مسي الديق ين العرق 
وخرْق عوائده بالمغرب مشهورء وكان في زماني وما رأيته”"» لما كنت 


)١(‏ أبو يعزي هو أحد شيوخ أبي مدين. وانظر فيما يتعلق بأبي يعزي 1011518112 .۷ في 
Un saint berbére, Moulay Bou Azza, Hespéris, 1944, vol allan‏ 
1 والتادلی: «التشوف إلى رجال التصوف» ط. أحمد التوفيق ص ۲۲۲-۲۱۳: 
وأيضًا 00 E.‏ فى كتابه Le Culte des siants dans [° 1s1a‏ 
maghrebin‏ ط . باريس 035 ص59-١٠.‏ ويذكر 81 .لك (في مقاله: سيدي 
أبو مدين وشيخه الدقاق في فاس» المنشور في: ]©8255 16626 2161311865 باریس 
۳ , ج ۰۱ 18-71) أنه يوجد ملف كامل - غير مطبوع- عن أبي يعزي ألفه أبو 
العباس أحمد التادلي (المتوفى سنة .)١50 5 /٠١ ١17‏ وهو غير التادلي المشار إليه آنفا 
والذي عاش في القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي) بعنوان: كتاب المعزي 
في مناقب الشيخ أبي يعزي. وقد أتيح لنا أن نلقي نظرة فاحصة على مخطوطتين من هذا 
الكتاب موجودتين في دير التومليلين (211112تاه'1' ٤ه‏ رع 1ط ). وبهذه المناسبة 
أقدم شكري لسماحة الأب أمين مكتبة الدير على ما أسداه لنا من خدمات. هذا وتوجد 
الآن طبعة ممتازة بتحقيق أ. التوفيق (الرباط )١91894‏ لكتاب «دعامة اليقين» لأبي 
العباس العزفي (المتوفى 177ه). وفيما يتعلق بالملابسات الاجتماعية والسياسية 
التي دفعت أسرة العلويين إلى الاهتمام بهذا الولي» يُراجع: 
Fondateurs, insurgés du Maghreb, Jacques Berque: Ulémas,‏ 
Paris, 1982.‏ 
ويبدو من كلام ابن عربي عن الشيخ أبي يعزي أنه زار هذا الشيخ أو لقيه» غير أن ما 
يتناقله المؤرخون -عادة- في تاريخ وفاة الشيخ أبي يعزي )١١1// /٥۷۲(‏ لا يستقيم 
مع افتراض وجود هذا الشيخ حيا في أثناء فترة وجود ابن عربي في المغرب: ففي 
هذا العام (51/7ه) كان عمر ابن عربي سبعة عشر عاماء وكان لا يزال يقيم في مدينة 
إشبيلية» ولم يُعرف عنه أنه غادر بلدته - بالأندلس- وفارقها إلى بلاد المغرب في تلك 
الحقبة من حياته. ولا مفر لنا من القول بأن ما يصرح به ابن عربي في هذا الموضع 
- ومواضع أخرى مشابهة- إن هو إلا خطأ وقع فيه الشيخ وهو يؤرخ لمراحل حياته 
العلمية والروحية. ومن المحتمل أن يكون ابن عربي قد خلط بين «أبي يعزي» وابنه - 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ١0١‏ 
عليه من الشغل؛ وكان غيره من الأولياء المحمديين ممن هو أكبر منه فى 
العلم والحال والقرب الإلهي لا يعرفهم أبو يعزي ولا غيره)”©. وفي نص 
آخر يتعلق بالوراثة الموسوية يلفت ابن عربي نظرنا إلى كيفية وراثة الأنبياء 
فينبه إلى أن الإرث النبوي قد يكون -أحيانا- إرثا كاملاء وقد يكون أحيانا 
أخرئ إرثا جزفيا”"» وآن إرث الولى من النبى - كليا أو جزثيا - يرتبط في 
الأساس بالأنموذج الروحي الذي يمثله النبي المورث ويختص به. ولا 
يدع ابن عربي علاقة الإرث بين الولي وأنموذجه النبوي إلى مجرد الانتماء 
للنبي» وإنما يقارنها بالأسباب والصلات التي تحكم نظام الإرث في علم 
المواريث. والعلاقة بين الولي وبين إرثه النبوي علاقة تؤثر في سلوك 
الولي وتطبعه بخصائص معينة لا تخطئها العين. وإذا كان ابن عربي قد 
أفرد بابا كاملا من الفتوحات لمعرفة الأولياء السو س روخم الأولياء 

-«أبي علي»» فهذا أدعى للقبول والتصديق. أما عن الشيخ أبي مدين (ت 095/ )١191‏ 

فيراجع مقال 13118 .6. في دائرة المعارف الإسلامية (الطبعة الثانية). وبرغم أن 

كلا من أبي مدين وابن عربي لم يلتق أحدهما بالآخر - في عالم الأشباح - فإن ابن عربي 


عه واحدا من شيوخه ويذكره في مواضع كثيرة من كتبه. (الفتوحات »١‏ ص "4771١‏ 
ص٥۰1 ٤,٦ ° »۱۱۷ ۰٩٤‏ ص۰۱۳۷ 235١‏ 65 » محاضرة الأبرار» بيروت 
١4‏ ص ٠۳٤٤‏ مواقع النجوم ص٠ ...١5‏ إلخ). 

.0١065١٠ ص‎ ٤ الفتوحات‎ )١( 

() الفتوحات »١‏ ص 5875 «فتتفاضل الورثة في الميراث بحكم طبقاتهم: فمن الورثة من 
يحوز المال كله» والوارث النصف. والربع» والثمن» والثلث» والسدس إلى غير ذلك». 

)۳( الباب السادس والثلاثون من الفتوحات (جا» ص »)۲۲٣-۲۲۲‏ ج ص1 70 - 


www.alimamaltayeb.com 


۱0۲ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
الوارثون عيسى يله وراثة كاملة أو ناقصة» فإننا - من جانبنا- نتناول هذا 
الباب بشيء من التحليل بغية معرفة الإطار الذي يناقش فيه ابن عربي مسألة 
الإرث في وجوهها المختلفة. وذلك على الرغم مما يتسم به محتوى هذا 
الإطار - أحيانا- من خلط أو فقدان للاتساق المنطقي. 

يذهب ابن عربي إلى أن وصف «عيسوي» يوصف به - في المقام 
الأول- أتباع عيسى تَلَهُ من الحواريين؛ على أن مناط الوصف بهذا 
الاسم ليس مرده إلى الجانب التاريخي أو الفترة الزمنية التي ظهر فيها 
عيسى 025 لأن من هؤلاء العيسويين مَن عمّر وامتدت به الحياة- كما 
يقول ابن عربي - حتى أدرك شرع محمد يي وآمن به واتبعه» ومنهم 
من لا يزال موجودا بيننا حتى اليوم» وسنعرف - فيما بعد- أن ابن عربي 
يحدثنا عن ظاهرة المعمرين هذه بوصفها إحدى خوارق العادات. وهؤلاء 
المعمرون - فيما يرى الشيخ الأكبر - قلة أو استثناء من القاعدة» ولذا 
يرثون ميراثا مزدوجاء يرثون من عيسى 6 ميراثا مباشرا من غير حجاب» 
مضافا إلي ما يرثونه منه أيضا ولكن بتوسط محمد بی ومن هنا يتميز 
العيسويون الأوائل بفتحين مختلفين» أو إن شئت بنورين» وأيضًا بذوقين 
متغايرين. وإلى جوار العيسويين الأوائل يوجد العيسويون الثواني» وهم 
الأولياء العيسويون الذين ولدوا في الإسلام» وهؤلاء لهم ميراث واحد 
فقط» يرثون من عيسى 2ك بتوسط محمد کيا وأخص خصائص هؤلاء 
- فيما يقول ابن عربي - «توحيد التجريد من طريق المثال»» لأن «(وجود 
عيسى ل لم يكن عن ذكر بشري» وإنما كان عن تمثل روح في صورة 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش 10۲ 
بشر» ولهذا غلب على أمة عيسى بن مريم َلك دون سائر الأمم» القول 
بالصورة» فيصورون في كنائسهم «مُثلا» ويتعبدون أنفسهم بالتوجه إليها 
- فإن أصل نبيهم 4# كان عن تمثل» فسرت تلك الحقيقة في أمته إلى 
الآن» ولما جاء شرع محمد بي ونهى عن الصورء وهو ئة قد حوى على 
حقيقة عيسى» وانطوى شرعه في شرعه» فشرع لنا َيه أن نعبد الله كأنا 
ران بو مله ا ق الال رها بهو معي الصو ل" آله فين ف قر 
الحس أن يظهر في هذه الأمة بصورة حسية). 

ومعنى ذلك أن عبادة الله تعالى كأنا نراه» أي العبادة مع تدخل قوة 
الخيال أو ملكة الخيال» هذه العبادة فى مظهرها الإسلامى هذاء جزء من 
التشريع العسوىومتاية بالشويعة الممحمدية: 

ولعل في قوله ٤‏ وهو يجيب عن سؤال جبريل عن الإحسان 
«اعبد الله كأنك تراه»» إشارة لما تقدم» إذ يلاحظ ابن عربي أن هذا القول 
لم يتوجه إلينا مباشرة» وإنما بتوسط مخاطبة جبريل» فجبريل هو المخاطب 
مباشرة بالعبادة على هذا النحو. وهو نفسه الذي تمثل لمريم بشرا سويا. 
ونفخ فيها كما ورد في القرآن الكريم في قصة خلق عيسى 44 » فكأن 
)١(‏ هذه الفقرة تشير إلى حديث جبريل الذي يقول فيه النبي ئي عن الإحسان: «أن تعبد الله 

كأنك تراه»؛ البخاري» كتاب التفسير (تفسير سورة لقمان) باب ١؛‏ كتاب الإيمان باب 

”... إلخ. ولكلمة «كأن» في هذا الحديث دلالة مهمة» فهي تجيز استعمال «الخيال» 

في الروحانيات. 
(؟) فيما يتعلق بتفسير ابن عربي للآية القرآنية (مريم: 17) التي تتحدث عن خلق عيسى» 

راجع فصوص الحكم ۰۱۳۸۰۱ 179. 


www.alimamaltayeb.com 


۱0٤‏ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
في إجابته يه عن سؤال جبريل بقول «اعبد الله كأنك تراه» تذكيرا أو 
إشارة إلى هذا المج 

أما الجزء الثاني من الحديث وهو «فإن لم تكن تراه فإنه يراك» فهو 
أمر خاص بأمة محمد ياء بل هو من أصول هذه الأمة. والولي العيسوي 
بما هو مسلم لا يمكن له - بطبيعة الحال- أن يتجاهل هذا الجزء الثاني 
من حديث جبريل أو يتغافل عنه» لكنه بما هو ولي فإن الأمر المتضمّن في 
الجزء الأول من الحديث «اعبد الله كأنك تراه» هو الذي يحدّد الصورة 
التي يكون عليها سيره إلى الله تعالى. 

ولا يكاد ابن عربي يفرغ من تقسيماته هذه حتى يلفت نظرنا إلى شيخه 
أبي العباس العرَيَبي“ كأنموذج أو مثال لهذه الولاية» إذ كان عيسويا في 
أخريات حياته؛ ثم يكشف ابن عربي عن بعض مراحل معينة مر بها هو 
- نفسه - في حياته الروحية الخاصة فيقول عن نفسه إنه كان في بدايته 
عيسويا ثم تقل إلى الفتح الموسوي» ثم - من بعد ذلك - إلى هود ك 
ثم ورث من جميع الأنبياء واحدا وراء الآخر حتى ورث في نهاية الأمر 
محمدا يِل وسوف نعرض في مناسبات أخرى من بحثنا هذا بعض 
العناصر التي تكمل مفهوم العلاقة الخاصة» بل شديدة الخصوص بين 
ابن عربي والمسيح 02ا. ونكتفي الآن بالقول بأن تأكيد ابن عربي على 


)١(‏ هذا الشيخ يذكره ابن عربي كثيرًا في مؤلفاته» وأحيانًا يورده بكنيته «أبي جعفر». وقد 
خصص له أول ترجمة من تراجم كتاب «روح القدس» (دمشق «(EA -— ٤٦ص ١955‏ 
انظر أيضًا: الفتوحات ١‏ ص 4187 ۲ ص7١1١7”41‏ ص ۳۳۹۰۲۰۸ ٤٤٥۳۹‏ ص ۱۲۳ . 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ١‏ 
أمر هذه العلاقة التي كشفت عنها النصوص المقيسة أنفا» سوفه يزداد 
وضوحا في نصوص وفقرات أخرى من كتاب الفتوحات يصرح فيها ابن 
عربي بأن المسيح هو «شيخه الأول) منذ دخوله في طريق القوم. 

ولقد سبق أن أشرنا إشارة سريعة إلى مسألة «امتداد الحياة) بصورة 
خارقة للعادة لدى بعض الأشخاصء وأن من هؤلاء من لا يزال حيا يعيش 
في أمة الإسلام كشاهد على الوحي الإلهي في الأمم السابقة. ونبين هنا أن 
ابن عربي يعود إلى هذه المسألة كرّة أخرى ليقول: إن «في زمانناء اليوم» 
جماعة من أصحاب عيسى #6 ويونس عه يحيون وهم منقطعون 
عن الناس)» وإنَّه رأى بنفسه أثرا من آثار شخص من قوم يونس كان يمشي 
أمامه على ساحل البحر. يقول عنه ابن عربي: «فَشَبَرّتَ قدمه في الأرض 
فوجدت طول قدمه ثلاثة أشبار» ونصفاء وربعا بشبري». ولقد قص عليه 
صديقه أبو عبدالله بن خزر الطنجي أنه لقي هذا الشخص الغريب - من 
قوم يونس - وأن هذا الشخص أخبرهم عن أمور تحدث في الأندلس في 
عام ۵٥ھ‏ (وهو العام الذي لقى فيه ابن عربي هذا الشخص الغريب) 
وعام ٦۸٥ھ‏ وکان أن حدثت هذه الأمور كما قال» لم يتغير من كلامه 
حرف واحل”". 
(۱) الفتوحات» ١‏ ص “4١05‏ ص ”75147 5 ص ۷۷. 
(۲) ترد هذه القصة بعينها مرة أخرى في الفتوحات» ۲ ص ١5‏ 5. وهذا يقابل عام 0/65 وعام 

7 من الهجرة عامي: ۱۱۸4 ١١40‏ من التقويم الميلادي. وفي هذا التاريخ استطاع 


أبو يوسف» يعقوب المنصور (ثالث أمراء الموحدين) أن يصد هجمات البرتغاليين 
والقشتاليين في شرقي الأندلس. 


www.alimamaltayeb.com 


01 الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 

ويحدثنا ابن عربي - في رواية ينتهي بإسنادها إلى ابن عمر نه . 
عن واحد من هؤلاء المعمرين من أتباع عيسى بن مريمء غير أنه ينبهنا 
إلى أن هذه الرواية وإن طّعن في طريق ثبوتها إلا أن هذا الطريق صحيح 
عنده «كشفا»» أو -كما يقول - «صحيح عند أمثالنا کشفاا, وفحوى هذه 
الرواية» أن عمر بن الخطاب وجه كتابا إلى «نضلة بن معاوية الأنصاري» 
الذي كان موجودا في العراق على رأس جيش هناك يطلب منه الإغارة 
على ضواحي «حلوان» بالعراق. وبعد أن أتم «نضلة» مهمته» وأثناء سيره 
بالغنائم» لجأ إلى سفح جبل ليدرك العصر قبل غروب الشمس. فلما أذن 
سمع من الجبل صوتا يردد معه الأذان. 

وحين قال نضلة: أشهد أن محمدا رسول الله» قال الصوت: أشهد أن 
محمدا رسول الله» هو الدّين» وهو الذين بَشرنا به عيسى بن مريم e‏ 
وعلى رأس أمته تقوم الساعة». ثم ما لبث الجبل أن انفلق» وأطلَّت هامة 
الرجل الذي كان يردد الأذان - ولا يُرى شخصه - وقال: «أنا زُرَيب بن 
برثلمة وصي العبد الصالح عيسى بن مريم» أمرني أن أقيم بهذا الجبل» 
ودعا لي بطول البقاء إلى نزوله من السماء «ثم يدور حوار طويل بين نضلة 
وريب يختمه بقوله «أقرئوا عمر مني السلام» ويرسل له مع نضلة رسالة 
يحصى فيها علامات قيام الساعة. وتصل الرسالة إلى عمر فيتذكر قول 
النبي كَلِّْ: «إن بعض أوصياء عيسى بن مريم 4# نزل بذلك الجبل من 
(1) هذه الرواية التي تتقلها من الفتوحات» ١‏ ص۲۲۴ نجدها أيضًا في: محاضرة الأبرار: ۲ 


ص5 ١‏ وما بعدها. 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش 10۷ 
ناحية العراق». ثم ما يلبث عمر أن يرسل إلى بعض أصحابه يأمره بالمسير 
حتى ينزل بهذا الجبل ويقرئ «زريبا» السلام. ويسير صاحب عمر وينزل 
بالجبل ويقيم به أربعين يوما ينادي بالأذان في أوقاته المعهودة, لكنه لا 
يسمع صوت هذا الوصيّ ولا يعثر له على مكان. ويقول ابن عربي إن هذا 
الوصي لا يزال موجودا في الجبل منقطعا لعبادة الله لا يعاشر أحدا. 
ويستطرد ابن عربي في تحليل هذه القصة الغريبة وبيان ما تنطوي عليه 
من أبعاد ودلالات روحية» فيشير إلى أن هذا الوصي ومن على شاكلته» 
أوصياء أحياء لأنبياء سابقين» وهم - في الوقت نفسه- من أولياء أمة محمد 
يد وهؤلاء لم تبلغهم دعوة الإسلام بالوسائل العادية للتبليغ» ولذا فإن 
«الخضر) نفسه - شيخ الأفراد - هو وسيلتهم في تبليغهم دعوة الإسلام 
ورسالته. وقد ثبت أن النبي بء نهى عن قتل الرهبان ممن اعتزلوا الناس 
وانقطعوا في الجبال لعبادة ربهم» وأنه قال في شأنهم: «ذروهم وما انقطعوا 
إليه»'؛ وهنا يستنبط ابن عربي أن تبليغ الدعوة» برغم أنه من الواجبات 
المفروضة على المؤمنين» فإنه غير مطلوب في مثل حالة الرهبان هذه مما 
يدل - فيمايقول ابنعربي - على أن هؤلاء الرهبان كانواعلى بين من أمرربهم. 
(۱) الفتوحات» :١‏ 700؛(73: ۳۹۹ تحقيق عثمان يحيىء القاهرة» ١795‏ هي .)۱۹۷٤‏ 
هذا وقد علق عثمان يحيى - في الهامش- على رواية ابن عربي لحديث «ذروهم وما 
انقطعوا إليه» بقوله: «انظر: صحيح البخاري» كتاب الأنبياءء ب 05؛ صحيح مسلمء 
كتاب التوبة» حديث 55» ۷٤؛‏ كتاب الزهد» حديث ۷۳؛ مسند ابن حنبل» ۳/ ۳۳۷ 
۷ سنن الترمذي» سورة 86 ۲؛ ك المناقب» باب ۳؛ سنن ابن ماجه: كتاب الفتن» 
باب ۲۳). وقد رجعت إلى هذه المصادر ولم أجد ذكرا للحديث كما أورده ابن عربي» 
وإن وجد في بعضها ما يتعلق بالرهبان بصفة عامة. (المترجم). 


www.alimamaltayeb.com 


۱0۸ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 

ويلاحظ ابن عربي أن مثل هذه الحالات الاستثنائية التي يتولى الله 
فيها تعليم بعض عباده وتبليغهم (ولا يُشترط أن يكون هؤلاء من أتباع 
الرسالات السابقة ممن امتدت حياتهم بشكل خارق للعادة مثل زُرَيب) 
تفيدنا في إزالة ما قد يتوهم من وجود تعارض ظاهري بين عموم رسالته 
اة للناس جميعاء والثابت بنص قوله تعالى ‏ َلّيتَيُهَا الاش إن رَسُولُ 
وڪم جمِيكًا € [الأعراف: 158] وبين ما هو معلوم من عدم بلوغ هذه 
الدعوة -في واقع الآمر- إلى كل فرد من أفراد الناس. 

وأكبر الظن أن ما يقصده ابن عربي من هذه الإشارة السريعة الغامضة 
يمكن أن يتضح بصورة أكبر» في ضوء «الوضع الخاص» الذي تقرره 
الشريعة الإسلامية لهذه الطائفة من العبّاد والزهاد المنتسبين إلى أديان 
سابقة نُسخت بمجيء الإسلام. فقد وردت إشارة خاطفة في كلام ابن 
عربي عن هؤلاء العبّاد المُمَدَين بالمدد الإلهي» تتعلق بمن كان منهم من 
أهل الكتاب» وبما يوجبه وصف أهل الكتاب من دفع الجزية؛ ذلك أن 
أداء اليهود والنصارى للجزية المفروضة عليهم» وما يستلزمه هذا الآداء 
من إقرارهم على ما هم عليه بحكم مفروض من الشريعة المحمدية» هذا 
الأداء يُدخل أهل الكتاب تحت مظلة النظام الإسلامي نفسه» بحيث يمكن 
القول بأن شريعتهم الخاصة - التي نسخها الإسلام من الناحية النظرية 
-توفر لهم ما يمكن أن نسميه بشريعة سارية المفعول لديهم. بل إن الإشارة 
إلى الجزية - في كلام الشيخ - إشارة صريحة لتنقل القضية برمّتها بعيدا 
عن فئة العبّاد والرهبان» لأن هذه الفئة» بانقطاعها في رؤوس الجبالء لا 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۱1۵۹4 
تنالهم أحكام الإسلام الموجهة إلى الأفراد بما هم أفراد في جماعة أو 
مجتمع» فلم يعد الحديث هنا حديث عن رهبان منقطعين في الجبال» بل 
هو حديث عن أفراد أهل الكتاب الذين يُطلق عليهم في الخطاب الدارج 
في المجتمعات وصف: «الكفار». 

وهذا الاستطراد. وإن بدا - في ظاهر الآمر- خروجا عن المقام» فهو 
في حقيقة الآمر استطراد لازم لآن ما استطردنا إليه هو بعينه ما مكن ابن 
عربي من رسم صورة للولاية أكثر سعة وشمولا من الحدود الضيقة التي 
حصرت معنى الولاية - في المجتمعات الإسلامية - في نطاق محدود. 
وأعني به المستوى الاجتماعي فقط. ثم يتابع ابن عربي حديثه في هذا 
الباب فيقدم لنا وصفا للخصائص التي يتميز بها العيسويون من الأولياء 
والتي يمكن أن نتعرف عليهم من خلالها. 

وأول ما نلاحظه هنا أن ما يتميز به الأولياء العيسويون من كرامات 
لابد أن يكون متسقا مع نوع المعجزات التي جاء بها المسيح #1(6. فمثلاء 
ليس للولي العيسوي في أمة محمد ياء كرامة الطيران في الهواء» وإن كان 
له كرامة المشيء على الماء» ذلك أن الطيران في الهواء هو كرامة الولي 
المحمدي بحكم تبعيته لنبيه في معنى الإسراء والمعراج» فهو جي أنموذج 
اف فا اة الف اشرات ه0۹ ف رتد كات اة : 

الأخيرة من هذه القصة موضع نقد شديد من قبل مؤلف تر كي» انتهى فيه إلى اتهام ابن عربي 


بالزندقة. وقد تولى النابلسي مهمة الدفاع عن الشيخ في هذه القصة في رسالة مخطوطة 
بعنوان: «القول السديد»» (مخطوطات الظاهرية» ١5١14‏ لوحة ٥۳‏ أ - ٠١١‏ ب). 


www.alimamaltayeb.com 


۱1 الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
هذه الكرامة وأصلها(". 
وكذلك يتميز العيسويون - فيما يقول ابن عربي- بالهمة المؤثرة 
فى الأشخاص وفى الأشياءء ولعله يقصد الإشارة إلى الطبيعة الحسية 
لمعجزات السيد المسيح في إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى والإخبار 
بما غاب عنه. ويتميز العيسويون بالرحمة والشفقة البادية في سلوكهم 
ومعاملاتهم بين الناس كافة» مهما اختلفت أديانهم وتباينت نحلهم. 
فالولي العيسوي ينظر من كل شيء أحسنه. ثم ينبهنا ابن عربي إلى 
أن حقيقة النبي كََِةِ جامعة لكل هذه الفضائل» لأن نبوته هي الأنموذج 
الأتم الذي اجتمعت فيه كل فضائل النبوات السابقة» ومن ثم اشتملت ذاته 
ية على كل الخصائص الخلقية العليا التي تميز بها كل نبي من الأنبياء 
السابقين. لقد مر بيه مع أصحابه على جيفة ميتة فقال بعض أصحابه «ما 
أنتن ريحها!»» وقال النبى بيه «ما أحسن بياض أسنانها». لأنه رى منها 
شيئا آخر حسنا. وهذه الشفقة العامة التي تنشأ من رؤية الصفات الحسنة أو 
الأشياء الحسنة فى المخلوقات» وإدراك ما كمن فيها من جمال وكمالء قد 
لا تكون واضحة - غالبا- فى سلوك الولى المحمدي مثلما تكون كذلك 
)١(‏ وهذا لا ينفي أن الولي» أي ولي» يعرف «المعراج» رمرًا للمقامات التي يسلكها في 
سيره الروحي صوب الولاية الكاملة» وسوف نتناول هذه المسألة بمزيد بيان في تحليلنا 
لرسالة الآنوار في الفصل الأخير من هذا الكتاب. وإذن» فقصر كرامة الطيران في الهواء 
- والمرتبطة بأنموذج المعراج النبوي - على الولي المحمدي دون غيره لا يقدح 


في عموم المعراج لجميع الأولياء» لأن القصر هنا محصور في دائرة «حركة الجسم 
الحسية» وقدرته على الطيران فى الهواء. 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۱1 
في سلوك الولي العيسوي» لأن صفة الجلال قد تغلب - أحيانا - صفة 
الجمال عند النبي يَلِدِ ووارثيه من الأولياء. 

ونتساءل الآن هل لنا أن نتعرف - خلال تاريخنا الماضي - على 
شخصيات اختصت بصفات معينة وتسمّوا - من أجلها - باسم الأولياء 
العيسويين؟ لقد مر بنا - آنفا- أن ابن عربي- وهو يتحدث عن شيخه أبي 
العباس العُرْيبِي - حدّد لنا أنموذج هذا الشيخ» وأنه كان عيسويا في آخر 
حياته» وان ابن عربي عقب - بعد ذلك - بأنه هو - نفسه - كان عيسويا أيضًاء 
ولكن في بداية دخوله طريق القوم» ثم انتقل - تباعا- إلى المقام الموسوي 
فالمقام الهودي.. إلخ. ولندع - مؤقتا- حالة ابن عربي هذه. ولكن مع 
استبقاء الحقيقة التي تقرر أن الولي الواحد قد يتأتى له أن يجمع طوال 
فترة حياته بين أكثر من ميراث نبوي واحدء بحيث ينبهم - بالضرورة - مع 
هذه المواريث تحديد السمات الخاصة التي تميّر أنموذجا أو آخر من هذه 
الم ر اريت و هة بحدذانها-عقية كأداء تر ضر طريق العف ر تحر ل درن 
التعرف - عبر منهجية منظمة- على نموذج الشيخ الأكبر أو نماذج ولايته. 

ومع ذلك» فإن بعض الأولياء لهم خصائص معينة تمكننا من التعرف 
على ميراثهم النبوي» وقد أكد ابن عربي نفسه على هذا الميراث وأشار إليه 
في بعض المواضع في صراحة ووضوح. ونورد هنا - على سبيل المثال- 
أنموذج الحلاج الذي تردد ذكره أكثر من مرة في الباب المخصص لبحث 
العلم العيسوي وهو الباب العشرون من الفتوحات. ففي هذا الباب يشير 
ابن عربي بقوله: «وهذا كان علم الحسين بن منصور يَدْأْنْةُ» إلى مذهب 


www.alimamaltayeb.com 


۱1۲ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
الحلاج واصطلاحه الخاص في «الطول والعرض «وهما اصطلاحان 
راان كباياف الد وی ا ريو ريه الكل اماب اسا 
لا تخطئها العين'. 

وكذلك ما يُنسب للحلاج في التراث الصوفي من كرامات وخوارق 
وأقوال وأشعار” "نوما شرف لهارشاين فد رات 4ل ا 


)١(‏ الفتوحات» ١‏ ص11١.‏ راجع فيما يتعلق بالمصادر الإسلامية لموضوع: «رمزية 
الصليب» مقال: 17215312 1عطMic‏ بعنوان: ×oiاc‏ 12 de‏ 5971220115326 المنثور 
ف مجلة: Etudes Traditionnelles‏ عدد مارس - يونيو» وعدد نوفمبر - ديسمبر 
١‏ . وهذا المقال يشتمل على تحليل للباب العشرين من الفتوحات كما يتضمن 
ترجمة فرنسية للباب نفسه أيضًا. 

(؟) ماسينيون وبول كراوس: أخبار الحلاج» باريس ۱۹۳١‏ النص العربي. وليس من همنا 
أن نطول القول فيما يتعلق بالحلاج» ولكن نكتفي بالإشارة إلى مؤلفات: ماسينيون» 
وفي مقدمتها: الطبعة التي صدرت من كتابه ”١510ء3‏ بعد وفاته» وكذلك كتاب 
أرنالديز بعنوان «الحلاج أو دين الصليب» - بالفرنسية - باریس ١975‏ (خصوصا: 
الفصل الرابع). فحقيقة الأمر أن ماسينيون - حتى في اختيار المفردات التي استخدمها 
في تر جمته» (وأيضًا: في اختياره كلمة: 1”2551013) - كان عاجزا عن مقاومة ميل داخلي 
لتنصير الحلاج أو تقديمه في ثوب «(شخصي مسيحي»» الأمر الذي أيقظ في بعض دوائر 
المجتمع المسيحي نوعا من المصالح المشبوهة» صاحبها قدر غير قليل من التهوين 
والتقليل من قيمة الوجوه الأخرى - الأصيلة- للتصوف الإسلامي. وفي هذا ما يوجب 
تنبيه القارئ إلى ضرورة اليقظة والحذر وهو يطالع هذه المؤلفات. ونقول إن الصدى 
المسيحي الغريب» الذي تثيره بعض عبارات الحلاج- خصوصا عبارته «أنا الحق»» 
تلك التي يصعب عدم تقريبها من كلام المسيح ومقارنتها بقوله في إنجيل يوحنا :١5(‏ 
5 أنا الطريق» آنا الحقء أنا الحياة - لا محالة يجرنا إلى كثير من إشكالات الخلط 
والاضطرابء غير أن مقاييس الشيخ الأكبر وأنظاره - في هذا المقام- هي وحدها 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۱11۳ 
تأكيدا قويا على ارتباط الحلاج بالمقام العيسوي في الولاية» لكن لا يصح 
أن نفهم من هذا الارتباط أي معنى آخر وراء كونه انعكاسا أو مظهرا لبعد 
واحد من أبعاد كثيرة فى دائرة الولاية المحمدية ذاتها. 

ميراث من هذه المواريث» فقد «يظهر من ولى عند موته مالاحظة موسى 
أو عيسى فيتخيل العامي ومن لا معرفة له أنه قد تهوّد أو تنضّر لكونه يذكر 
هؤلاء الأنبياء عند موته» وإنما ذلك من قوة المعرفة بمقامه)". وثمة 


الكفيلة بإزالة كل هذه الإشكالات. 

)١(‏ رسالة الأنوار» حيدر آباد ١95/4‏ ص١٠‏ . وتحذير ابن عربي هذا قد يساعدنا على 
التفسير الصحيح للقصة الغريبة التي يقصها علينا الرحالة الفينيسي: هرمان لاندولت 
(201هآ .11) عن الأمير المغولي دار شيكوء الذي قتل بتهمة الهرطقة والزندقة. 
يقول لاندولت: «إن هذا الأمير تتلمذ على بعض شيوخ التصوف المتأثرين بابن عربي» 
وإنه كان يردد في خلوته -باستمرار- العبارة التالية: «إن محمدا قتلني» وإن ابن الله 
أحياني». وقد استنتج لاندولت من هذه الكلمات أن الأمير المغولي ارتد عن الإسلام 
واعتنق المسيحية» وهو استنتاج مشكوك فيه إلى حد بعيد؛ فمن البعيد جدا - إن لم 
يكن مستحيلا- أن يرتد أمير مسلم عن دينه» وأكبر الظن أن هذه الكلمات ليست 
مقصودة في معناها الظاهري القريب؛ ولو صدقت هذه القصة فإن التفسير المعقول 
هو ما يقوله ابن عربي عن الأولياء العيسويين في الآمة المحمدية. وقصارى ما يمكن 
قوله في هذه القصة - لو ثبتت صحتها- أن هذا الأمير كان عِيِسَوِيٌ المشرب. انظر فيما 
يتعلق بحالات أخرى للأولياء العيسويين مقالة: M. Balivier‏ بعنوان: Chrétiens‏ 
eres et 715 christiques en Islam‏ المنشور في «Islamochristiana‏ 


.no 16. Rome. 1990 


www.alimamaltayeb.com 


۱٤‏ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
من خلال شخصية عين القضاة الهمذاني'» الذي يشبه من وجوه عديدة 
أنموذج الحلاج أيضًا. 

لقد كان عين القضاة تلميذا لأحمد الغزالي» واتهم بالزندقة ودعوى 

النبوة» وحُكم عليه بالموت شنقاء وقطعت رأسه بهمذان سنة /٠٠٠١(‏ 

١‏ » وكان عمره آنذاك ثلاثة وثلاثين عاماء وهو العمر الذي رفع فيه 

المسيح إلى السماء» وهو أيضًا عمر أهل الجنة في الجنة حسبما يروى 

البغوي فى مصابيحه". وكثيرا ما وصف عين القضاة فى كتب متأخري 
الصوفية بأنه «عيشوي المشرب متضور المسلك)ه أي أن «مصدن شرابه 

الروحي هو عيسى 4 وطريقه هو طريق الحسين بن منصور الحلاج”"". 

ومن الأولياء العيسويين أيضًا عبيد الله أحرارء وهو شيخ من أشهر 
شيوخ الطريقة النقشبندية في القرن الخامس عشر الميلادي» وكان يصرح 
بأنه (عِيِسَوِيٌ»» وأنه ورث من هذا الاسم قوة «إحياء القلوب» مثلما كان 

)١(‏ فيما يتعلق بعين القضاة انظر: ماسينيون ”١10ء۲3“‏ فهرس الأعلام والمصطلحات» 
مادة «همذان» وقد كتب عين القضاة رسالة «شكوى الغريب» وهو سجين في السنة 
نفسها التي قتل فيها. وقد نشر هذه الرسالة - مع ترجمة إلى اللغة الفرنسية - م. 
عبد الجليل» في مجلة: 451361011 10111221 ۱۹۳۰ (عدد يناير - مارس). 

(۲) البغوي: مصابيح السنة. ١‏ ص ٠١١‏ . 

)۳( عبد الجليل» المصدر السابق ص۱۲» ۳ ماسينيون Passion”‏ ۲ ص۱۷۷ . 
ويلزمنا أن نبين هنا أن استعمال هذه العبارات لاحق -تاريخيا- لابن عربي ومتأخر عنه» 
مما يدل على قبول دوائر التصوف لمذهب ابن عربي في الولاية» وللفروق التي يقيمها 
للتمييز بين أنواعها وأنماطها. ومما يُتناقل من خوارق عين القضاة ذات الخصائص 
العيسوية أنه أحيا الميت (انظر كتابه: التمهيدات» تحقيق أ. عسيران» طهران .)١9517‏ 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش 0 
لعيسى ب قوة إحياء الموتى7". 

ولا يخلو عصرنا الحاضر أيضًا من واحد من الأولياء العيسويين. فهذا 
ميشيل فالسان الذي لفت أنظارنا - منذ أكثر من أربعين عاما - إلى اكتشاف 
أهمية مفهوم «الوارثة» في مذهب ابن عربي في الولاية» لم يكشف هو نفسه 
العلوي (المتوفى سنة 97"5١2؛‏ فقد كان لهذا الشيخ وجه تلوح منه قسمات 
من الأوروبيين الذين ذهبوا لزيارته. 

أما الصفحات القيمة التي كتبها فالسان» فقد ركز فيها بوجه خاص 
على ظهور شخصية المسيح أو سماع أسمة بصورة متكررة مصحويا 
بظهور الشيخ العلوي في رؤّى ومنامات حدثت لأبناء الطريق في زاوية 
«مستغنم» بعد وفاة شيخهم وفي أثناء بحثهم عن شيخ يخلفه. ويقول 
فالسان إن هذه الرؤى لها - عندنا - دلاللات خاصة» ليس فقط فيما يتعلق 
)١(‏ راجع محمد الرخاويء الأنوار القدسية في مناقب السادة النقشبندية» القاهرة 5 ١15‏ ه 

ص ٠١۸ 2١517‏ هذا وتذكرنا عبارة «إحياء القلوب» بقوله تعالى: وَأ الْمَوْنَ إن 

م 4 [آل عمران: 44]. 
(۲) انظر: 112016021165 Eudes‏ يوليو - أكتوبر 2١977‏ ص٦٦۱‏ هامش ”2 


وص19 ١‏ هامش N‏ 
)( بعنوان “Sur le Cheikh Al Alawi”‏ فى مجلة: «Etudes Traditionnelles‏ 
يناير - فبراير ۱۹0۸ء وهذه الصفحات تكملة لبحث تشر من قبل في نفس المجلة» من 
كتاب: 1961 .A Moslem Saint ofthe Twentieth Century, London‏ 


www.alimamaltayeb.com 


۱1 الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
بحالة الشيخ العلوى الروحية» بل أيضًا بوظيفته في علوم الأسرار [...]. 
ولقد كانت طريقته التي ينتمي إليها - بقطع النظر عن دورها العادي الذي 
تقوم به الطرق الصوفية في الإطار الإسلامي - أداة أو وسيلة أكدت حضور 
التصوف وفعاليته كطريق للعرفان» على تخوم العالم الغربي وحدوده» بل 
حتى في داخل مجال النفوذ الأوروبي وتأثيره على العالم الإسلامي. 
ولم يكن بد من أن يُقدّم التصوف في مدرسة هذا الشيخ في قوالب 
وأساليب تتلاءم تلاؤما فعّالا والحساسيات الخاصة للعقلية الغربية. 
وكانت الجاذبية الآسرة التي مارسها الشيخ على الكثير من الأوروبيين 
الذين ما لبثوا أن انقلبوا إلى أتباع ومريدين» وكذلك الدور الذي اضطلعت 
به طريقة الشيخ في إدخال التصوف في ربوع فرنسا وغيرها من البلدان 
الأوروبية» كان كل ذلك دليلا يؤكد مدى التلاؤم والتناغم بين نمط الولاية 
الذي يجسده الشيخ العلوي وطبيعة الوسط الذي قَدّر للشيخ أن يبشر فيه 
)١(‏ هذه الخصائص العيسوية التي تميز بها الشيخ العلوي تؤكدها -أيضًا- بعض الأحداث 
والتفاصيل التي صاحبت اللحظات الأخيرة قبل موته. وقد أشار فالسان إلى هذه 
التفاصيل إشارة حذرة متحفظةء أنهى بها مقالته التي تحدثنا عنها آنقًا. هذاء ويبدو لنا 
أننا في حاجة إلى دراسة من هذا النوع عن الأمير عبد القادر الجزائري الذي تميزت 
شخصيته وفضائله بصبغة عيسوية كذلك. وقد كان لهذا الأمير - إضافة إلى ما سبق 
- دور خاص في مجال العلاقات بين العرفان الإسلامي والغرب» وهو دور نأمل أن 
نكشف عنه في بعض دراستنا يومًا ماء ويمكن الرجوع -مؤقتا- إلى شذرات مبدئية 


حول هذا الموضوع في مقدمة وهوامش ترجمتنا الفرنسية لبعض فصول من كتابه 
«المواقف)» نشرناها تحت عنوان: ,22115 «Ecrits Spirituels‏ 1982. 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۱۷ 
ولا شك في أن هذا النوع نفسه من علاقة التلاؤم كان وراء افتتان 
الغرب المسيحي بالحلاج بعد ما كتب عنه ماسينيون وعرّ ف به في مؤلفاته. 
وهذا التلاؤم نفسه - أيضًا- قد يفسر لنا الوضع الغريب الذي صار إليه 
بعض صوفية القرن الثالث عشر مثل «ابن هود» الذي كان اليهود يجتمعون 
إليه في منزله ويتحلقون حوله ليدرس لهم كتاب «دلالة الحائرين» 
لموسى بن ميمون”". فها هنا يمكن القول بأن هذا الولي موسويء أو أكبر 
الظن إبراهيمي؛ لأن إبراهيم يه يمثل الأصل المشترك أو نقطة الالتقاء 
لكن ما فى أيدينا من تفاصيل ومعلومات ليس كافيا ولا دقيقا بالدرجة 
التي تؤهل لتكوين رأي حاسم في هذا الموضوع. وكذلك ليس في أيدينا 
٠١‏ - ولي طنطا الشهير - ما يمكننا من الحكم بأنه كان موسوي 
الولاية» وذلك بالرغم من وجود «وجه شبه» بينه وبين أبي يعزي الذي 

تتحدّت عنه ابن غرين فی نص سائق فى بذاية هذا الفصل. 

(۱) الكتبي» فوات الوفيات» القاهرة ٩‏ جا ص۱۲۲ 8”١؟‏ الصفدي» الوافي 
بالوفيات» فيسبان ۱۹۷۹ء ج17 ص2107 /101. وقد ولد ابن هود في مرسية سنة 
۳ ۱۲۳۵. وتوفى بدمشق سنة »1١5917/57591‏ وكان على اتصال بمدرسة ابن 
سبعين (الذي تحدث عن دلالة الحائرين في رسالته النورية: انظر رسائل ابن سبعين» 
تحقيق بدوي» القاهرة ١9575‏ ص۷١٠).‏ ولذلك عده ابن تيمية من «الاتحادية». وفيما 
يتعلق بالأسرة الحاكمة من أبناء هود» يراجع: دائرة المعارف الإسلامية» ط۲ (انظر 
مقال 1011210 .2/1 .10 بعنوان ابن هود» شقيق محمد بن يوسف المتوكل» سلطان 
غرناطة - بالإنجليزية-). 


www.alimamaltayeb.com 


۱3۸ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
فقد كان السيد البدوي مُلثْم الوجه كما هو معلوم من روايات كثيرة. 
وبرغم أن بعض المؤلفين -من المسلمين أو الغربيين - حاولوا تفسير هذه 
الظاهرة تفسيرا عاديا مبتذلاء فإن البعض الآخر يؤكد الظاهرة من خلال 
رواية» تقول إن أحد التلاميذ تجرأ -يوما- وراهن على رؤية وجه الشيخ» 

فلما كشف الشيخ عن وجهه صعق التلميذ ومات من فوره""'. 

الرؤى» كذلك لا يوجد مفتاح للأولياء يعرفون به - بصورة متيقنة - نوع 

هذه الولاية أو تلك؛ ذلك أنه إذا كان الحدس أمرا محتملا بل وارداء وأنه» 

في حالات نادرة جداء ينبع من بدهيات لا يأتيها الشك من بين يديها ولا 

من خلفهاء فإن «العارف» هو الشخص الوحيد الذي يعرف» بفضل ما يؤتى 
من فراسة أو كشف» كيف يفسر - في غير لبس ولا خطأء وفي كل الظروف 
والأحوال -أمارات ميراث النبوة ففى شخص الولى ذاته أو فيما يظهر منه 

من أفعال أو أقوال. 

(۱) الشعراني: الطبقات الكبرى» القاهرة ١ ١1۹١٤‏ ص 185. وعن السيد البدوي انظر 
مقال: Vollers/E. Littmann‏ .-كافي دائرة المعارف الإسلامية ط۲ وفيها إحالات 
إلى مصادر كثيرة» لكن نغمة الازدراء البادية من بين السطور - في هذا المقال- تبعث 
على الأسى والأسف (فقد وُصم السيد البدوي في هذا المقال بأنه يمثل أدنى طبقة من 
طبقات الدراويش و أن قواه العقلية ضعيفة إلى أبعد حد ممكن). هذا والأولياء الملثمون 
لا يشكلون ظاهرة نادرة في تاريخ التصوف الإسلامي؛ فعلى سبيل المثال يورد النبهاني 
في جامع كرامات الأولياء (بيروت» بدون تاريخ ج١اء‏ ص۸*٠)‏ في الصفحات التي 
تسبق مباشرة الفصل المخصص للسيد البدوي أقوالا موجزة عن ولي آخر من أولياء 
القرن السابع الهجري هو الشيخ أبو العباس أحمد الملقب بالملثم وكان من المعمرين. 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش عقا 
هلا ورت ارلا اء رين ف يرك ] جوا 
ميراث نبي واحد من الأنبياء» ومع كلا الحالين يزداد موضوع علاقة الولي 
بميراثه تعقيدا وغموضاء لأن الأمارات المميزة تكون - حالتئذ- إما بالغة 
الكثرة» وإما نادرة لا تكفي في تبين هذه العلاقة. 
ولا ينبغي أن نغفل عن حقيقة أن الكلمات النبوية التي ينبني عليها 
مفهوم الولاية لا تنحصر في الأنبياء السبعة والعشرين الذين ورد ذكرهم 
في كتاب الفصوص؛ فقد مر بنا من قبل في الباب الثالث من أبواب 
الفتوحات» ما يفيد استمرار وجود مائة وأربعة وعشرين ألف ولي أو ولاية 
يقرره الحديث الشريف. وكما أن الأسماء الإلهية -على كثرتها اللانهائية- 
ترجع إلى أصول متناهية» هي «أمهات الأسماء» أو حضرات الأسماء)”2, 
فكذلك كثرة الأنبياء يمكن أن ترجع إلى نماذج أو صور كبرى تصدر عنها 
بقية النماذج الأخرى على ما بينها من تفاضل واختلاف» وهذه النماذج هي 
الكلمات التي نراها مبسوطة في كتاب فصوص الحكم فصلا وراء آخر. 
وسواء أخذنا عدد الكلمات المذكورة فى الفصوص (۲۷ كلمة) على 
)١(‏ انظر الفصوصء »١‏ ص٥٠‏ . وانطلاقا من وجهة النظر هذه يرتب ابن عربي سلاسل 
متنوعة من أمهات الأسماء» يعدد منها في الفتوحات »١(‏ ص١٠١٠)‏ أمهات سبعا: 
الحي» العالم» المريد» القادر» القائل› الجواد» المقسط (وقد سقط اسم «القادر» من 
هذا النص في طبعة عثمان يحيى). ويقول ابن عربي: إن هذه الأسماء بنات لاسمين» 
هما: المدبر والمفصلء وفي الفتوحات (۲» ص۳۷٤)‏ يجمع أمهات المسائل في ثلاث 


www.alimamaltayeb.com 


۱۷۰ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
حقيقته» أو أخذناه بمعنى آخر» فهناك -إضافة إلى ما سبق- دوائر أخرى 
تزخر بكلمات ثوان صغرى تنبئق من الكلمات الكبرى السابقة» ولها أهمية 
قصوى في تحديد هذه النماذج» ونحن نجهل هويات هذه الكلمات» بل 
حتى أسمائها لا نعرف عنها شيئا"“. وحتى لو حملنا العدد المذكور في 
كتاب الفصوص على حقيقته» وأخذنا في الحسبان تلك المعلومات التي 
يشير إليها ابن عربي في كتاب الفصوص تلميحا أو إشارة» وهي معلومات 
تتكامل مع معلومات أخرى يمكن استنباطها من نصوص الفصوص أو من 
نصوص غيرهاء مثل النص الذي يسرد فيه قصة مشاهدته لجميع الأنبياءء 
ومثل نصوص كتاب العبادلة”" التي تتميز بشدة الغموض والخفاء» نقول 


)١(‏ نجد في قصص التراث الإسلامي» خصوصا قصص الأنبياء- وقائع وأحداثا يختلط 
تاريخها بتاريخ الأنبياء المذكورين» وهذه الحوادث ينظر إليها في الأعم الأغلب على 
أنها قصص مشكوك في صحتهاء أو إسرائيليات يهودية» مصدرها التوراة أو التلموده 
أو مسيحية» مصدرها الأناجيل وأعمال الرسل. والنقاش محتدم بين العلماء حول 
نبوة هذه الشخصيات» ومع افتراض دخول هذه الشخصيات ضمن دائرة الأنبياء» فإن 
مشكلتنا هذه تبقى كما هي لا يتغير منها شيء يذكر. 

(؟) توجد من كتاب العبادلة طبعة شديدة النقص» لكن يمكن أن نصفها بأنها أول طبعة لهذا 
الكتاب» وقد نشرها عبد القادر أحمد عطاء القاهرة .١979‏ ومن الملاحظ أن الأسماء 
الرمزية المصحوبة بالحكم والأمثال الواردة في هذا الكتاب مطروحة بأساليب مختلفة» 
لكنها في أغلب الأحيان تشتمل على أسماء بعض الأنبياء» وقد ورد في متن هذا الكتاب 
ثلاثة وعشرون نبيًا من الأنبياء السبعة والعشرين المذكورين في الفصوص. (الأنبياء 
الذين لم يرد ذكرهم في هذا الكتاب هم: لقمان» شعيب» عزيز» نوح) تَلكَلِِ. وفي هذا 
الكتاب يذكر ابن عربي كثيرا من أسماء أنبياء لم يذكرهم القرآن الكريم وإن كانت 
تذكرهم كتب قصص الأنبياء» مثل: صموثئيل» دانيال» يوحناء جرجس» يوشع 2#. 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۱۷۱ 
حتى لو حملنا العدد على حقيقته فإن مسألة البحث في كتابات ابن عربي 
عن مقاييس علمية يستخدمها الباحث في هذا الموضوع تغدو أمرا غاية في 
الصعوبة. بل إن عناوين أبواب الفصوص نفسها لتلفت الأنظار إلى الكثير 
من العلوم الروحانية التي يختص بها هذا النبي أو ذاك» والتي يرثها منهم 
الأولياء والعارفون» مثل علم الأسماء التي اختص بها آدم» وعلم العطايا 
الإلهية بالنسبة لشيث» وعلم التنزيه بالنسبة لنوح» والخلة بالنسبة لإبراهيم» 
والقضاء والقدر لعزير» والرحمة لسليمان» والخلافة لداود... إلخ. 
وبرغم كل ما نعرفه من معطيات القرآن والسنة عن كل نبي من الأنبياء» 
ومع ما نعرفه من كتابات ابن عربي مما يتعلق بهم 4# تصريحا أو حدساء 
فقد بقي في كتابات الشيخ الأكبر في هذا الموضوع مساحات شاسعة 
مستغلقة لا تكاد تبين بشيء. غير أننا نجد» برغم كل ما تقدم» فكرة مركزية 
هذه انكر هى أن الآمة الميعمدية < ما ف أولباكهاء وتي أى لحظة 
من لحظات تاريخهم - تختصرء أو تختزل» الحكم التي نزل بها الوحي 
على جميع الأمم السابقة منذ بدء الخليقة وعلى امتداد دورات الحياة 
الإنسانية'"'» وتلخص طريقة كل نبى فى إدراك وتحقيق ما نزل عليه وناسبه 
من الحكمة الإلهية. وفى ضوء هذه الفكرة المركزية فى نظرية الولاية عند 
وسوف نعرض لكتاب العبادلة بصورة أكثر تحديدا في الفصل الأخير من هذا الكتاب. 
)١(‏ هاهنا يمكن القول بأن ابن عربي يقصد دورات الحياة الإنسانية على وجه التحديد. فهو 
يرى أن هناك أكثر من آدم واحدء تتابع بعضهم في أثر بعضء وأن كلا منهم كانت تفتتح 


به دورة من دورات الحياة الإنسانية. (الفتوحات» ۳: ۳٤۸‏ 44 6). 


www.alimamaltayeb.com 


۱۷۲ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
ابن عربي يتكشف لنا في وضوح معنى التناظر» أو التوازي الذي يقيمه ابن 
عربى بين عدد الأولياء من ناحية» وعدد الأنبياء السابقين- المعروفين 
وغير المعروفين- من ناحية أخرى» وذلك برغم خفاء العلاقة ودقتها بين 
أشخاص الأولياء وأشخاص الأنبياء بالنسبة للنظر العادي. 

أما ما يذكره ابن عربي في كتابه الفصوص من حصر النماذج الكبرى للنبوة 
في القرآن الكريم» وهو الكتاب الذي وصفه الله بقوله: #مافرطنا ف الكت 
من سی [الأنعام: ۳۸]» مما يعنى أن هذا العدد ينطوي بالفعل -وبطريق 
التضمن- على مجموع صور النبوة ونماذجهاء ومن ثم مجموع صور الولاية 
أيضًاء بحيث يمثل كل واحد من الأنبياء البالغ عددهم أربعة وعشرين ومائة 
ألف نبي» صورة أو أنموذجا من النماذج الكبرى للنبوة. ولو كان الأمر على 
خلاف ذلك» بأن كان عدد الأنبياء المذكورين في القرآن لا يتطابق مع عدد 
النماذج الكبرى للنبوة لكان الله تعالى قد ذكر لنا أسماء أنبياء آخرين يكتمل 
بهم العدد الكلي الذي تظهر من خلال أشخاصه الصور الجامعة لمعنى النبوة. 

ولقد سيق أن پیا أن ابن عريى يتشدل ب اذى النوث وذى الكفل» 
- المذكورين ضمن الأنبياء في القرآن الكريم- «شيثا وخالد بن سنان» 
في فصوص الحكم» ونحن لا نجد- فيما نعلم- أي عرض أو شرح لهذه 
المسألة في أي من كتب ابن عربي التي بين أيديناء ومع ذلك فإن هذه المسألة 
لا تتفق مع المعطيات العامة في مذهب الشيخ» ولا مع منظوره الخاص» 
اللهم إلا إذا قدّرنا أن «ذا النون» و» ذا الكفل» الذين لا يذكر القرآن عنهما 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۱۷۳۴ 
أي خصائص محددة» هما بعينهما شيث وخالد بن سنان250 المذكورين 
في الفصوص» ولكن بحسب وظيفتهما في الدور الخاص بهما من دورات 
يجب التنبه له أن العدد (۲۷) يطابق- كما ذكرنا من قبل- عدد الدجالين 
الذين هم «أولياء الشيطان»» وذلك في مقابل نفس العدد الذي يمثله 
الأنبياء الكبان الجامعون لصور النبوة كلياء والمسموق أولياء الرحم". 
وينبغي أن نلمح في نهاية كلامنا هنا الإشارة القوية بين العدد 
(۲۷) وبين نزول القرآن الكريم نفسه؛ فقد كان نزول القرآن - كما 
)١(‏ من الطريف أن نلاحظ أن «شيثا» و«خالد بن سنان» المذكورين في الفصوص يمثلان 
أقصى الطرفين في دورة النبوة؛ ف «شيث» هو أول نبي بعد آدم» و«خالد بن سنان» هو 
آخر نبي قبل محمد يَلَِةٍ. على أننا لو سلمنا أن العدد (۲۷) هو عدد الأنبياء الكبار» فلا 
مفر - والحالة هذه- من عد «لقمان» نبيا من الأنبياء» سواء بالنسبة للأنبياء المذكورين 
في القرآن الكريم» أو في قائمة ابن عربي في الفصوص.ء وذلك برغم ما هو معلوم 
عاد ن عد لاتا حكيما أك من عذه تيا والشى+انفسه أيضًا بالسبة للشوير 
المذكور في القرآن الكريم (التوبة: .]۳١‏ والمفسرون لا يعدونه نبياء ولا يصفونه 
بأوصاف الأنبياء» برغم ما يُعرف عنه من أنه أوتى «التوراة» بعد نسخها ورفعهاء وبرغم 
ما يوحي به ذكر اسمه - مقرونا باسم المسيح في آية واحدة- من خصوصية وتميز في 
وظيفته. (يتحدث الطبري في تفسيره 275٠07 :١15‏ تحقيق شاكر - عن العزير بوصفه من 
علماء أهل الكتاب الملهمين). وكذلك لا يعد السيوطى أيا من لقمان أو العزير نبيا من 
الآنبياءء ومن ثم يحصر عدد الأنبياء المذكورين في القرآن في ٠٠‏ نبيا فقط (راجع: 
الإتقان في علوم القرآن, القاهرة 154١اه‏ ۲ ص۱۳۷- .)١51‏ 
(؟) انظر فيما سبق الحديث المذكور في هامش )١(‏ ص ١‏ 6. وينبغي أن نقرر هنا - كما 
قررنا من قبل- أن المسيح الدجال هو «خاتم الدجالين»» وهو الذي يكون ظهوره 
علامة من علامات الساعة. 


www.alimamaltayeb.com 


0 الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
هو معلوم- في ليلة القدر (سورة القدر: »)١‏ وهي الليلة التي يحتفل 
بها المسلمون عامة في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان. ولقد 
أشرنا من قبل إلى أن «الإنسان الكامل» - فيما يرى ابن عربي- هو 
«أخو القرآن». وأن وجه الشبه بينهما هو أن كلا منهما يُسمىّ «الكلمة 
الجامعة». ومن هذا المنظور يرى الشيخ الأكبر أن ليلة القدر ليست إلا 
شخص محمد بي وفيها يتم - في آخر الزمان- اكتمال النبوة والولاية» 
اذا جك الأنياء الساقرة عله لقان له اجن عضن اهرهم 
وإذن فليلة القدر هي التاريخ الرمزي للرسالة الأخيرة وهي أيضا - 
بالنسبة للإنسان نفسه- تاريخ للولادة الثانية التي يعود فيها إلى ما كان عليه 
من قبل في الأزل. وهذا التطابق بين القرآن والإنسان الكامل يتأكد بلحاظ أن 
كلا من نزول القران وصغود الانسان الكائل 3 وعلاقةو تی بالمدد ١‏ 
ففي ليلة السابع والعشرين من رجب من كل عام يحتفل المسلمون بحادثة 
إسراء النبي بيا ومع راجه من سماء إلى سماء حتى وقوفه على أبواب الحضرة 
الإلهية» بحيث كان منها على مقربة #فَّكَانَ قاب قوسن اواد )€ [النجم: 4]. 
وهذان القوسان هما - في منظور ابن عربي- نصفا الدائرة» 
وباجتماعهما تظهر الحقائق الإلهية» والحقائق الخلقية» وتتحقق الوحدة 
الحقيقة المشتملة على الكثرة (الوحدة في عين الكثرة)» وهنا نلتقي مرة 
أخرى بالعدد (۲۷) كتفسير رمزي لصعود الإنسان الكامل0©. 
)١(‏ انظر في موضوع «تطابق» ليلة القدر والطبيعة البشرية للنبي وَلةِ: الفتوحات »٤‏ ص٤‏ 5» 
(ويرى ابن عربي أن توقيت ليلة القدر وإن كان - بالنسبة لعامة المسلمين - هو ليلة السابع 
والعشرين من رمضان كل عام» إلا أن توقيتها بالنسبة للخاصة هو السنة كلها. غير أن = 


www.alimamaltayeb.com 


الفصل السادس 
الآوتادالاريعة 
يمكن القول بأن نماذج الولاية كما يحددها ابن عربي تعكس الاتساع 
الأفقي لكل المراتب الممكنة للولاية في صورتها الكلية التي اجتمعت 
في النبي ية بوصفه مبدأ هذه الولاية الكلية ومنتهاها في الوقت نفسه. 
أما تصنيف الأولياء أنفسهم فإنه مرتبط بمحور رأسي تتوزع على جنباته 
درجات الأولياء ووظائفهم المختلفة. 
ونذكر هنا بأن كلمة «الفتح» الإلهي -التي تحدثنا عنها في موضع 
سابق- تلغى من تقدير الولي حدود الزمان وحدود المكان» وذلك لما 
يتصف به الولي من علاقة آنية مباشرة مع الله تعالى» فمع هذه العلاقة 
تتلاشي مقولة الآين» وتنعدم مقولة المتى» ويعود الزمان والمكان مجرد 
لفظين لا معنى لهما ولا مفهوم» «فلا صباح ولا مساء» عند الولي كما يقول 
أبو يزيد البسطامي. وبرغم هذه العلاقة المباشرة بين الله تعالى وبين الولي» 
فإن الولاية إذا نظرنا إليها من منظور آخر» أي بحسبانها تعبيرا عن كمال 
-هذه الليلة لا تحصل معرفتها إلا للعارفين فقط» فهم الذين يمنحهم الله العلم بها ليغنموا 
-قدر ما يطيقون - من العطايا الإلهية التي تحملها إليهم هذه الليلة في نزولها المتكرر. 
انظر: الفتوحات . ص 445 159» ٤‏ ص 585 )؛ كتاب الإسراء» ص ٠‏ 0. 
انظر أيضًا: تفسير القاشاني (المطبوع باسم تفسير ابن عربي)» بيروت "72١1974‏ ص 


۳ تف الآية ٩‏ من سورة «النجم» (انظر أيضًا فتوحات ۲» ص400/8؛ اص ”57 205 
٤‏ ص۳۹- .)0١‏ 


www.alimamaltayeb.com 


كا الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين ب بن العربي 
الطبيعة الإنسانية» فلا مفر - والحالة هذه- من أن تظهر الولاية في صور 
وأحوال ترتبط ارتباطا كليا بالطبيعة الإنسانية. بعبارة أخرى. يُمكن أن يُنظر 
للولي بوصفه كائنا غير منتم» وذلك لارتباطه بعلاقة مباشرة» لا واسطة 
فيهاء مع الله تعالى. هذه العلاقة يعبر عنها ابن عربي في مفرداته اللغوية 
بالمصطلح العلمي «الوجه الخاص»» ومعناه الوجه الخاص الموجود في 
ال ل 
أيضًا أن لله في كل شيء وجها خاصاء أو مظهرا إلهيا خاصاء به يث شت ذلك 
الشيء وی 400 إلا أنه لابْدٌ من أن يندرج الولي في إطار الزمان» بحيث 
تجري عليه أحكام الوقت» وهذا هو الوجه الآخر لارتباط الولي بالسلسلة 
الروحانية التي ينتمي إليهاء أو لنقل نوعية إرثه الذي يرثه من النبي. غير 
أنه» في المقابل» لا يخضع لقوانين المكان» لأنه متحرر من الانحصار في 
الجهات الست التي تحدد إدراكات الشخص العادي”'"» فمكانه لا مكان» 


)١(‏ فيما يتعلق بمصطلح «الوجه الخاص» انظر الفتوحات» 3 ص۰۱۹ Y TEV‏ ص 
٤‏ ص ”77 ٤.۲٦۰ ۲٤۸.۲۳۰‏ ص ٠١‏ ؛ الفصوصء ١‏ ص٤۷٠‏ . 

(؟) هذا اللا تحدد في المكان والجهة ليما ولوأ متم وة أل © [البقرة: [٥‏ إنما 
تفسره الطبيعة الجسمية للولي والتي تجعل منه «وجها بلا قفا»» وهذا الأمر مرتبط 
بوراثة الأنبياء» فقد كان النبي يي يرى المصلين من خلف ظهره. وكان يرى بنظرة 
واحدة جميع جهات المكان الست» وقد ذاق «ابن عربي» هذا المقام كما يقول هو هن 
نفسه في الفتوحات (۱ ص۱٩٤۰‏ ۲ ص585). ومن هذا القبيل أيضًا ما يُعرف للأولياء 
من ظاهرة تحرر الجسد من وظائفه العضوية» فأي حاسة من الحواس الخمس يمكن 
أن تحل محل الحاسة الأخرى» ومن ثم يمكن للولي أن يرى الروائح والطعوم وأن 
يحس الأشياء اللامحسوسة. (الفتوحات» »١‏ ص٠۲۲).‏ راجع فيما يتعلق بهذا النوع 
من الخوارق التي تثمرها «تجارب الكشف» عند الولي ما يقوله الشيخ عبد العزيز - 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۱۷۷ 
و(«أين» لا أين لها كما يقول الحلاج في رباعياته الشهيرة). لكنه - مع 
تحرره من قيود المكان- يشغل مكانا محددا تحديدا دقيقا في مسرح 
الوجود حيث يمثل تسلسل الأولياء وتدرجهم محور التنظيم ومبدأ الترتيب 
في هذا المسرح. وهنا ترتبط أنماط الولاية بمراتب الولاية نفسها. 

ولقد كان الأصل الذي انبثقت منه مسألة تدرج الأولياء في نظام هرمي 
- وكذلك المصطلح الذي استخدم في التعبير عن طبقات هذا النظام- 
از جدل في أدبيات الإسلام» وكان - في كل الأحوال - جدلا سابقا 
على عصر ابن عربي نفسه. وهذا ابن تيمية يرى أن كل الأحاديث التي 
قيلت لإثبات هذه المسألة» أو لتسويغها هي أحاديث موضوعة ولا أصل 
لها”"2. والشيء نفسه يقوله ابن خلدون"» وهو يقرر أن هذه الاعتقادات 


=الدباغ عن تجرته الشخصية (كتاب الإبريز» ط. القاهرة» ۱۹٦۱‏ ص5١-15»‏ وأيضًا 
ص 7505). وما يقوله الدباغ يعد من أهم وأندر الوثائق في هذا الموضوع» وهو وثيق 
الصلة بما يؤكده ابن عربي في هذا الشأن. انظر فيما يتعلق بهذا الموضوع: الفتوحات» 
١‏ ص ٠۲۰‏ التجلیات» ط عثمان يحيى» "ا ص57 5 . 
)١(‏ ابن تيمية؛ مجموع الرسائل والمسائل» ١‏ ص .115-7١‏ انظر أيضا: 
M. U. Memon: Ibn Taymiyya’ Struggle Against Popular‏ 
Religion, La Haye 1976, p65.‏ 
(۲) مقدمة ابن خلدون» القاهرة» ج۳» ص9١١١.‏ فيما يتعلق بهذا الموضوع الواسع 
والمعقد. انظر المقال الممتاز ل 028[ عمك .'1 في «دائرة المعارف الإسلامية» ط. 
الثانية» مادة قطب (مجلد »٤‏ ص58 0 وما بعدها)» وإن كنا نسجل عليه أنه لم يقل 
شيئا عن الفكرة الأساسية في مذهب ابن عربي في هذا الموضوع. وقد يكون من 
المفيد أن نشير هنا - دون أن ندخل في تحليلات ومناقشات تفصيلية - لمواقف بعض 
المستشرقين في هذا الموضع. أما «ماسينيون» فيرى Essai sur les 0151812695 dU)‏ 
132-134 .م .م -1954 technique, Paris,‏ عنانو<ع1) «أن فكرة القطب فكرة = 


www.alimamaltayeb.com 


۱۷۸ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
منقولة بِرْمّتها عن الشيعة ومستعارة من مذاهبهم. أما السيوطي فإنه ينهج 
نهجا مخالفا لما ذهب إليه كل من ابن تيمية وابن خلدون» بل إنه ليخصص 
رسالة كاملة”" لهذا الموضوع» تقوم على جملة من الأحاديث النبوية 
يعدها كلها من الأحاديث الصحيحة. وإنا وإن كنا نستشهد بالسيوطي هنا 
- دون غيره ممن يدرجون معه في الدرب نفسه- فلما تتميز به شهادته من 
قيمة علمية خاصة: إذ هي شهادة صادرة من عالم صوفي مشهور عرف 
بتخصصه الدقيق في الحديث وعلومه. وفي رسالة السيوطي هذه يطالعنا 
حديث نعده ذا دلالة مهمة ومغزى خاصء وفيه يقول أبو هريرة ص راوي 
الحديث: «دخلت على النبي بي فقال: يا أبا هريرة. يدخل على من هذا 
الباب الساعة رجل من أحد السبعة الذين يدفع الله عن أهل الأرض بهم. 

فإذا حبشي قد طلع من ذلك الباب أقرع أجدع» على رأسه جرة من ماء 
فقال رسول الله كَلَِِ: أباهريرة! هو هذاء وقال رسول الله ل ثلاث مرات: 
مر حبابيسار» وكانيرش المسجد ويكنسه. و كان‌غلاماللمغيرة بن شعبة)”". 


-قديمة في الإسلام» بل هي أقدم مما يظن بها عادة. ومهما قال عنها ابن خلدون فليس بلازم 
ولا بضروري أن تكون ذات أصول شيعية إمامية. وقد اشتهرت هذه الفكرة - مع أدبياتها- منذ 
القرن الرابع الهجري» بل وذكرت في مصطلحات صريحة منذ القرن الثالث الهجري». وأما 
«كوربان» p76, 111, p279(‏ ,11 ,229 م ,1 slam ]ranien,‏ حدخ1) فعنده أن هذه الفكرة إنما 
تعكس رمزا شيعيا (ومفهوم القطب - في منظوره- هو تحوير لمفهوم الإمام)» ويظن كوربان 
أن نظام تسلسل الأولياء في التصوف متأثر بنظام التسلسل في الجمعيات الإسماعيلية السرية. 

-4 ١17 ج7, ص‎ ۱۹٩ هذه الرسالة موجودة ضمن كتابه: الحاوي للفتاوى» القاهرة‎ )١( 
وسوف يتبنى ابن حجر الهيثمي (الفتاوى الحديثة» القاهرة ۱۹۷۰» ص۲۲")‎ ۷ 
بعد ذلك - في القرن اللاحق- موقفا مشابها لموقف السيوطي هذا.‎ 

(؟) السيوطي» المصدر السابق 578 . 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۱۷4 

ونحن نعلم أن تراثا هائلا من الأدب الصوفي سرعان ما تراكم حول 
مصطلح «ديوان الآولياء». ولا يزال يكثر ويزداد حتى يومنا هذا". والولي 
المستور أو المختفي هو الوصف المتكررء أوهو الوصف المحوري الثابت 
من بين أوصاف أخرى للولي في هذا التراث. وقد مر بنا هذا الوصف من 
قبل في قوله جياه في الحديث الذي نقلناه في الفصل الأول من هذا الكتاب 
«... وكان غامضا في الناس لا يشار إليه بالأصابع»» وهو الوصف نفسه 
الذي نجده هنا أيضًا في حديث أبي هريرة السابق. 

وهذا المظهر من مظاهر الولاية يمكن أن يتضح بصورة أكثر دقة 
فيما تمدنا به كتب طبقات الأولياء وتراجمهم من مرويات عن الشيخ 
عبد القادر الجيلاني» أحد أكابر الأولياء في القرن السادس الهجري. 
ولهذه المرويات”" قيمة خاصة تستمدها من أهمية الشيخ الجيلاني نفسه. 


)١(‏ نجد في كتاب الإبريز لعبد العزيز الدباغ (ص٠۳۲‏ وما بعدها) واحدة من أهم وأدق 
الصور التي تصف ديوان الأولياء وصفا تفصيليا وشاملا. 

(9) انظر على سبيل المدال الفتوحات؛ ١‏ عن 4 لاضن ؟ اا الالو ص 
٠٠‏ بل إن ابن عربي ليوضح في شهادة التلقي التي اختتم بها كتابه: نسب الخرقة» أنه 
تلقي الخرقة بمكة من يد الشيخ جمال الدَّين يونس العباسي الذي أخذها - مباشرة- 
من عبد القادر الجيلاني. وبرغم أن ابن عربي تلقي الخرقة من أكثر من طريق إلا أن 
هذا الطريق يقيم علاقة خاصة بينه وبين عبد القادر الجيلاني. وفيما يتعلق بالشيخ 
عبد القادر الجيلاني (أو الجيلي» أو الكيلاني) انظر مقال: مرجوليوث في «دائرة 
المعارف الإسلامية» ط. الأولى»» ومقال 28121126 .۷ فى نفس المصدر السابق 
(ط. الثانية). انظر أيضًا أطروحة: 31 Jacqueline CHABBI: Abd 31 Qûdir‏ 
sociales et politiques, Sorbonne, 1971‏ وع106 ,21ة1ال وأيضًا مقالها: 
Abd al Qadir al Jîlanî, personnage historique‏ المنشور في مجلة: = 


www.alimamaltayeb.com 


۱۸۰ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
الذي يتردد ذكره كثيرا فی كتابات ابن عربی» والذي ستتناوله بالحديث 
بدورنا مرة أخرى في موضع لاحق من دراستنا هذه. كما تستمدها أيضًا من 
العلاقة الداخلية الواضحة بين قصص هذا النوع من المرويات التاريخية 
(التي ينظر إليها في الأعم الأغلب على أنها قصص شعبي أو حكايات 
ساذجة)» وبين أحد العناصر المكونة لنظرية الولاية فى مذهب ابن عربى» 
ولاشك فى أن هذه المرويات تكتسب فى هذا الإطار قمية دلالية أكبر من 
وفيما يلي نورد واحدة من هذه المرويات المتعلقة بالشيخ عبد القادر الجيلاني: 
«أخبرنا الشيخ أبو الحسن البغدادي المعروف بابن السطنطنة البغدادي» 
قال: كنت أشتغل بالعلم على سيدي محيى الدّين عبد القادر» وكنت أسهر 
له أكثر الليل أترقب حاجة له» فخرج من داره ليلة في صفر سنة ثلاث 
وخمسين وخمسمائة") فناولته إبريقا فلم يأخذه. وقصد باب المدرسة 
فانفتح له الباب» وخرج» وخرجت خلفه وأنا أقول: إنه لا يشعر بي» ومشى 
إلى أن قرب من باب بغداد فانفتح له الباب» وخرج» وخرجت خلفه» ثم 
عاد الباب مغلقاء ومشى غير بعيد» فإذا نحن في بلد لا نعرفه» فدخل مكانا 
Studia 15122162-‏ ومن أو سع المصادر التي ترجمت للشيخ عبد القادر: بهجة 
الأسرار ومعدن الأنوار للشطنوفي (ت )١715 /17١7‏ القاهرة ١١١١ه‏ (وبهامشه 
منه كتابا بعنوان: قلائد الجواهرء القاهرة .١4157‏ هذا ويُنسب للجيلاني عدد كثير من 
المؤلفات» خصوصا كتاب: «العْنْية لطالبي طريق الحق» وكتاب: الفتح الرباني. 
)١(‏ وهذا التاريخ يعني أن هذه الحادثة قد حدثت قبل وفاة الشيخ بثماني سنوات» حيث 
يذهب البعض إلى أن وفاته كانت سنة ١057ه.‏ 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۸1 
شبيها بالرباط» وإذا فيه ستة نفر» فبادروا بالسلام عليه» والتجأت إلى سارية 
هناك» وسمعت في جانب ذلك المكان أنيناء فلم نلبث إلا يسيرا حتى سكن 
ذلك الأنين» ودخل رجل» وذهب إلى الجهة التي سمعت منها الأنين» ثم 
خرج يحمل شخصا على عاتقه» ودخل آخر مكشوف الرأس. طويل شعر 
الشارب» وجلس”" بين يدي الشيخ» فأخذ عليه الشيخ الشهادتين» وقص 
شعر رأسه وشاربه وألبسه طاقية وسماه محمداء وقال لأولتك الثفر: قد 
أمرت أن يكون هذا بدلا عن الميت. قالوا: سمعا وطاعة. ثم خرج الشيخ 
وترکه» وخرجت خلفه ومشينا غير بعيد» وإذا نحن عند باب بغداد فانفتح 
كأول مرة» ثم أتى إلى المدرسة فانفتح بابها أيضا ودخل داره. فلما كان الغد 
جلست بين يديه أقرأ على عادتي فلم أستطع من هيبته» فقال: أي بنيٌ! اقرأ 
ولا عليك. فأقسمت عليه أنه بين لي ما رأيت» فقال: أما البلد فنهاوند"» 
وأما الستة الذين رأيتهم فهم الأبدال النجباء» وصاحب الأنين الذي سمعته 
هو سابعهم» كان مريضا فلما حضرت وفاته جئت أحضره» وأما الرجل 
الذي خرج يحمل شخصا على عاتقه فأبو العباس الخضرء ذهب به ليتولى 
أمره» وأما الرجل الذي أخذت عليه الشهادتين فرجل من أهل القسطنطينية 
كان نصرانیاء وأمرت أن يكون بدلا عن المتوفى فأتى به وأسلم على يدي. 
وهو الآن منهم. وأخذ [الشيخ] على ألا أحدث بذلك أحدا وهو حي». 
وإذا كان كثير من المرويات الأخرى من هذا النوع» يفاجئنا - ويدهشنا 
)١(‏ وصف هذا الشخص بأنه مكشوف الرأس وطويل شعر الشارب يؤذن بالحكم بأنه لم 
يكن مسلماء لأن عادة المسلمين على غير ذلك. 
() مدينة من إقليم همذان تقع على مسافة بضعة مئات من الكيلو مترات من مدينة بغداد. 
)۳( التاذفي: قلائد الجواهر» ص١7‏ (الشطنوفي: بهجة الأسرار» ص .)07١‏ 


www.alimamaltayeb.com 


۱۸۲ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
في الوقت نفسه - بما يقصه علينا من أن بعض الأفراد المغمورين مما لا 
يتفردون بميزة أو بصفة ذات بال» فضلا عن بعض المجاهرين بالمعاصي 
والآثام"“ يصلون فجأة إلى أعلى الدرجات في هذا المجمع الغيبي لديوان 
الأولياء» فإن المفارقات التي ينطوي عليها الاختيار الإلهي في هذا الديوان 
لأشد دهشة وأكثر مفاجأة: إن الرجل الذي يُقدّر له في هذه القصة أن 
يتولى فجأة مكانة الأبدال» وهي -كما سنعرف- من أعلى درجات الولاية 
والأولياء"» لم يكن ليرقي حتى إلى مستوى المسلم العادي المغمور بين 
الناس» بل كان روميا كافرّاء وكان وصوله لهذه المرتبة العليا عقيب دخول 


الإيمان في قلبه مباشرة”". 


)١(‏ انظر فيما يتعلق بالملامح والقسمات المشخصة لهذا النوع من القصصء الحكايات 
التي تدور حول المريد الصادق والشيخ الكاذب» والتي يرويها «الدباغ» في كتابه: 
الإبريز ص 371/١‏ 377. 

(0) وعلى عكس المصطلحات الأخرى التي نلتقي بها في ثنايا هذا الفصل» نجد أن 
مصطلح: الأبدال قد ورد في السّنة - على الأقل مرة واحدة- في حديث «لا تسبوا أهل 
الشام فإن فيهم الأبدال...» الذي رواه السيوطي في رسالته السابقة. (راجع في كتابنا 
هذا ص۱۲۳ هامش ۲). 

(۳) ثمة أبعاد أخرى ذات دلالات مهمة في هذه القصة نكتفي بالإشارة إليها من غير شرح 
ولا تحليل مثل: وجود الخضرء دور عبد القادر الجيلاني - وواضح من هذه القصة أنه 
هو القطب- لكن ها هنا شخص زائد على الأبدال السبعة؛ لأن القطب - كما سئرى- 
هو من الأبدال» ثم وجود راوي القصة كشاهد مأذون له في إفشاء هذه الأسرار فيما 
بعد» وهو موقف لا يمكن أن يكون عرضيا أو اتفاقيا في سياق هذه الحوادث» بل يوحي 
بأن الراوي مؤهل أيضًا لأن يكون يوما ما من الأبدال» ثم الخروج في هذه القصة على 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۸۴ 
والأبدال في العصور الأولى في الإسلام لم يكن من السهل تفسيره أو 
تحديد المراد منه» فالمصطلح غير منضبط في معناه. ومفهومه غير محدد» 
وأعداد الأولياء في كل مرتبة من المراتب» وأنواع وظائفهم تختلف» بل 
هذه المسائل» فإنهم ما استطاعوا أن يتخلصوا من الاضطراب والتضارب 
فيما يقولونه. ومرة أخرى يظهر ابن عربي هنا ليكون أول منظم وأول شارح 
يفسر هذه الحقائق - بكل ما كانت تضطرب به من قبل من إشارات ورموز 
الولاية كما يراها في مذهبه الصوفي. لكننا نخطئ الخطأ كله لو رحنا نُقيّم 
طبيعة عمل ابن عربي بوصفه مجرد تصنيف منظم لنصوص ومواد علمية 
موجودة سلفاء أو أن هدفه لم يكن أكثر من بناء هيكل من المصطلحات 
أكثر دقة وأكثر صرامة؛ إن طبيعة عمل ابن عربي ليست من هذا القبيل» 
إنها فى الحقيقة وصف لأمر ينكشف ويتراءى له» بل إنه ليعد نفسه فى 
كثير مما يقصه شاهدا على ما يصف أو يقول؛ فلقد رأى فى قرطبة خمسة 
وعشرين قطبا“ من أقطاب ما قبل ظهور الإسلام» والتقى في فاس سنة 
7ه بقطب الوق وهناك الكثير من الإشارات من هذا النوع نلتقى 
القاعدة العامة في شغل المراتب والدرجات حيث تقضي القاعدة في حالة انتقال أحد 
الأبدال بترقية بديل يخلفه من المرتبة التالية لمرتبة المنتقل. 
)١(‏ الفتوحات» ١‏ ص١9١.‏ 
(۲) الفتوحات» 4 ص1 ۷» وهذا القطب لم يذكر ابن عربي اسمه في الفتوحات. لكنه يتواءم = 


www.alimamaltayeb.com 


۸٤‏ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
بها في أثناء تحليلنا للنصوص التي نعرضها بعد قليل في موضوعنا هذا. 
وليس من همنا هنا - وكما أوضحنا في بداية هذه الدراسة - أن 
نشتغل بتأسيس نظرية حول موضوع تسلسل درجات الأولياء» بل تنصبٌ 
E aE‏ 
مبني على كشف مباشر» وتجربة شخصية خالصة؛ بل سوف نرى - فضلا 
عما سبق- أن ابن عربي لم يكن ليتحدث في الولاية بحسبانه شاهدا عليها 
فحسب» بل بحسبانه ذا وظيفة كبرى تؤهله لأن يتحدث عن نفسه بافتخار» 


وهو يحتل درجة عالية جدا من درجات الولاية”". 


=مع ما سماه ابن عربي: الأشل القبائلي» انظر ترجمة 41156112 لكتاب الدرة الفاخرة 
- إلى الإنجليزية - بعنوان 481202111512 01 51145 ص ١57‏ رقم ٦۲‏ لندن 1917/١‏ . 
(1) إن ما يقدمه ابن عربي من تعريفات وتحديدات» وكذلك البناء الهرمي لتسلسل درجات 
الأولياء ووظائفهم» وكما يتصوره الشيخ الأكبر» كل ذلك نجده - في خطوطه العريضة» 
وأحيانا في خطوط تفصيلية - في معظم الكتب الصوفية التي تناولت هذه المشكلات» 
ونحن لا نستطيع - بالطبع - أن نتعامل ها هنا مع هذه الوثائق الضخمة بالشرح 
والتحليل» لأنه علاوة على الكتب التقليدية المعروفة في هذا الشأن» لابد من أن نأخذ 
في الحسبان هذه الكتيبات والرسائل الصغيرة التي قد تفوق الحصر في عددهاء والتي 
نطالعها في أدبيات الطرق الصوفية» بل ما تصدره الحركات المتحررة التي لا تستند إلى 
أصول قويمة مثل حركة أنصار المهدي في السودان. وستطالعنا - فيما بعد- نماذج 
أخرى لهذه الحركات ونحن نتحدث عن مفهوم ختم الأولياء. هذاء ولابد من القول 
بأن الدقة مفقودة - بشكل عام- في كل التعبيرات والصياغات التي صيغت بها هذه 
الموضوعات» سواء في ذلك صياغات الكتب القديمة أو صياغات ابن عربي نفسه: فلا 
يوجد ولي في أي بلدة إلا ويقال عنه إنه صاحب الزمان» ولا شيخ إلا وتزعم له القدرة 
على أن يصنع من أتباعه وتلاميذه أوتادا وأبدالاء ولا طريقة إلا وتدّعي امتيازا خاصا = 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۱۸۵ 
ولقد تحدث ابن عربي في أكثر من موضع في كتاباته عن موضوع 
القطب والأقطاب”". لكن العرض الأكمل والأوفى لهذا الموضوع نجده 
فى باب طويل جدا فى بداية المجلد الثانى من الفتوحات» وهو الباب الثالث 
والسبعون الذي يشتمل على أجوبة الأسئلة التي سألها الحكيم الترمذي. 
وسوف نتخذ من هذا النص مرشدًا وهاديا في تحديد ملامح هذا الموضوع 
الذي نحن بصدده. وأول ما يطالعنا فى هذا النص هو نظرات عامة عن 
ا ا وقما برق اتن عرى قا الموة ال تيت يجيد 
ية هی نبوة التشريع. وھی منزلة لا تال إلا باضطفاء الله تعالى واخياره 
للنبي. وهذا بخلاف «النبوة العامة)» فإنها بافية ومستمرة. والنبوة العامة لا 
شرع معها ولا تشريع فيهاء ويمكن أن يتوصل إليها بطريق الاكتساب. وإذا 
كانت آركاة الدين هى الرسالة والدرة والولاية والايمان» قان الرسالة هي 
=يتمثل في أن قطب الوقت يخرج من عباءتها في كل عصر وزمان. على أن تحديات ابن 
عربي ومقايبسه التي يطرحها في هذا الموضوع تنبه المتأمل وتبصره بهذا الاضطراب 
الذي تقع فيه مثل هذه الكتب. 

)١‏ إذا تركنا جانبا الباب ۷۳١‏ من الفتوحات» وهو الباب الذي تُلخص منه في هذا الفصل 
الجزء الخاص بالموضوع (ضص”77- 9 من الجزء الثاني من الفتوحات)» فإن ها هنا 
أبوابا أخرى تستحق أن تكون موضع اهتمام في هذا الصدد» وهذه الأبواب هي: الباب 
۰ (ج۲» ص ١/ا5- ٤‏ ۷٥)؛‏ الباب 775 (ج۳» ص :)١5٠0 - ١75‏ الأبواب 577 
.)١1975- ۷٤ص‎ »٤ج(‎ ٠٥٦ -‏ انظر أيضًا رسائل أخرى مختصرة مثل: حلية الأبدال» 
حيدر آباد 444١؛‏ كتاب منزل القطب؛ رسالة الأنوار؛ كتاب التراجم (وهذه المصادر 
الثلاثة ط. حيدر آباد /95١)؛‏ مواقع النجوم» القاهرة 9765 ١؛‏ أما رسالة مبايعة القطب 
- التي لم يسجل لها عثمان يحيى أي مخطوط مستقل في مصنفه عن مؤلفات ابن عربي 
- في نفس الباب 775 من أبواب الفتوحات. 


www.alimamaltayeb.com 


۱۸٦‏ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
الركن الجامع للأركان الثلاثة الباقية. 

وقد يبدو أن ها هنا تناقضا بين كون الرسالة ركنا جامعا للأركان الأخرى 
وبين ما قلناه ذ في الفصل الثالث من أن الولاية هي الأفق العام الجامع للنبوة 
والرسالة. وحقيقة الأمر أن هذا تناقض ظاهري تثيره مشكلة اصطلاحية 
صرفة» ولكي نتفادى هذا الإشكال ونتجنب كل ما يترتب عليه من خلط 
واضطراب» يلزمنا أن نستخدم - في هذه المسألة- مصطلح «رسول» بدلا 
من مصطلح «رسالة»» وعليه» فكل رسول هو في في الوقت نفسه رسول ونبي 
وولي ومؤمن. والعكس غير صحيح. آي ليس كل مؤمن ولياء ولیس كل 
الجامعة والمرتبة المشتملة على كل ما عداها من منازل الأنبياء والأولياء 
والمؤمنين» وبحيث يستتبع زوال «الرسالة»)» بالمعنى المتقدم» زوال النوع 
بجسمه يكون «قطب») هذا العالم. 

ويقول ابن عربي إنه بعد موت النبي ئة «أبقى الله من الرسل الأحياء 
بأجسادهم في هذه الحياة ثلاثة». وأول هؤلاء الثلاثة الذي أبقاهم الله 
بعد النبي يد إدريس ع الذي تذكره المصادر الإسلامية عادة باسم 
«أخنوخ»» أحد أنبياء التوراة» وإن كان القرآن الكريم (مريم: 55, »)٥۷‏ 
(الأنبياء: 65 ۸) يذكره باسم إدريس ذكر | صريحاء ويقتصر في وصفه 
على قوله تعالى في الآية الكريمة: #ورفعتة مَكََاءَِي(7450". ويقول ابن 


= انظر في هذا الموضوع مقالة «فاجدا» في «دائرة المعارف الإسلامية» ط. 27 مادة‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۱۸۷ 
عربي: إن إدريس 5 «بقى حيا بجسده» وأسكنه الله السماء الرابعة. 
والسماوات السبع هن من عالم الدنياء وتبقى ببقائهاء وتفنى بفنائها [...]. 
وأبقى الله في الأرض إلياس وعيسى [...]. فهؤلاء ثلاثة من الرسل المجمع 
عليهم أنهم رسل. وأما الخضر - وهو الرابع - فهو من المختلف فيه عند 
غيرناء لا عندناء فهؤلاء (الأربعة) باقون بأجسامهم في الدار الدنياء فكلهم 
«الأوتاد»» واثنان منهم «الإمامان»» وواحد منهم «القطب» الذي هو موضع 
نظر الحق من العالم. فما زال المرسلون- ولا يزالون - في هذه الدار إلى 
يوم القيامة» وإن لم يبعثوا بشرع ناسخ» ولا هم على غير شرع محمد 4 
ولكن أكثر الاس لا يغلموت». 

«والواحد من هؤلاء الأربعة- [الذين هم عيسى وإلياس وإدريس 
والخضر- هو القطب» وهو أحد أركان بيت الدّين» وهو [يماثل] ركن الحجر 
الأسود [في الكعبة]. واثنان منهم هما الإمامان» وأربعتهم هم الأوتاد» فبالواحد 
يحفظ الله الإيمان» وبالثاني يحفظ الله الولاية» وبالثالث يحفظ الله النبوة» 
وبالرابع يحفظ الله الرسالة. وبالمجموع يحفظ الله الدّين الحنيفي. فالقطب 
من هؤلاء لا يموت أبداء أي لا يصعق [...] ولكل واحد من هؤلاء الرسل 
الأربعة» من هذه الأمة في كل زمان» شخص على قلوبهم مع وجودهم» هم 
نوّابهم. وأكثر الأولياء من عامة أصحابنا لا يعرفون من القطب والإمامين 


-إدريس» ويمك: ان تتسع المصادر المذكورة فی مقال «فاجدا») شما إضافة الح 
الفقرة التي نلخصها هنا من كتاب الفتوحات» (ج۱ ص 0) الفصل الرابع من كتاب 
«فصوص الحكم» (ط. عفيفي» ١‏ ص 1/50- )6١‏ والفصل الثاني والعشرين (ص ١8١‏ 
-۱۸۷)» وفى هذا الفصل يشتبه الأمر بين «إدريس وإلياس» 25إ2. 


www.alimamaltayeb.com 


۱۸۸ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
والوتد (الشخص الرابع في هذه المجموعة) إلا النواب [...]» ولهذا يتطاول 
كل و اجا من الآمة لل هله المقامات» قدا حصّلرها أو خضوا بها عرفوا 
عند ذلك أنهم نواب لذلك القطب. ونائب الإمام يعرف أن الإمام [الحقيقي] 
غيره وان تاتب هت وكذلك نات الر د :]. وهه نة فاغرف قدرهاء 
فإنك لست تراها في كلام أحد منقول عنه أسرارٌ هذه الطريقة». وإذا كان من 
المعروف بشكل عام في الإسلام أن هؤلاء الأربعة الذين ذكرهم ابن عربي 
أحياء باقون ضمن عالم الأحياء» في السماء كما هو الحال بالنسبة لإدريس 
وعيسى» أو في الأرض كما هو الحال بالنسبة لإلياس والخضر #4 وإن 
كان معظم الناس لا يلتقي أو يرى هذين الأخيرين» نقولء إذا كان هذا معروفا 
من قبل» فإن الذي نعرفه هنا - ولأول مرة - هو ما يقرره ابن عربي في مسألة 
تولى هؤلاء الأربعة للمراتب العليا في سلم درجات الولاية والآولياء. وما 
في أيدينا من معلومات سابقة» ومعارف متداولة في هذا الموضوع» كله 
يتحدث عن هؤلاء المستحقين للدرجات العليا وكأنهم نواب متتابعون 
للأوتاد الحقيقين حسبما يُعبر ابن عربي. وهكذا تتأكد العلاقة وتترسخ بين 
النبوة من ناحية والولاية من ناحية أخرى؛ فالولاية في جوهرها ليست حقيقة 
منفصلة توجد مستقلة بذاتها ومنعزلة عن غيرهاء وإنما هي حقيقة تعتمد في 
وجودها وفي استمرارها إلى آخر لحظة من لحظات الزمان على الإمداد الذي 
لا ينقطع من الأنبياء الأحياء في هذه الدنيا بعد النبي َل لكن كيف تتوزع 
الوظائف بين الأنبياء الأربعة؟ إن الباب الثالث والسبعين من الفتوحات لا 


يجيبنا بشيء ذي بال حول هذا الموضوع» وإن كانت نصوص أخرى أمكن 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش 1/4 
لها أن تسد هذا النقص”". فأما إدريس الذي رفعه الله إلى السماء الرابعةه 
أو فلك الشمسء أو -كما يقول ابن عربي- «الفلك الرابع وسط الأفلاك 
السماوية» فإن الله أعطاه في هذه المنزلة «مقام القطبية»» وأما عيسى وإلياس 
فهما الإمامان. وأما الخضر فهو رابع الأوتاد”". وهذا التسلسل البادي 
للعيان -كما تحدده الأوصاف التى سنذكرها بعد هنيهة - ليس فى حقيقته 
الفتوحات”" ربما يتعارض في مضمونه تعارضا ظاهريا مع ما سبق أن قررناه 
من قبل» يقول فيه ابن عربي: «وأما القطب الواحد فهو روح محمد كلل 
وهو الممد لجميع الأنبياء والرسل» سلام الله عليهم أجمعين). فإدريس 
وإلياس وعيسى والخضر -في إطار هذا النص- ليسوا إلا مظاهر متمايزة 
للحقيقة المحمدية» مما يعني أن هؤلاء هم أيضًا مجرد نواب بسطاء للأوتاد. 
ثم يبدأ ابن عربي بعد ذلك وصفه التحليلي لطائفة «رجال الله)» مبينا 
أنهم على طبقات كثيرة وأحوال مختلفة» ومنهم من تجتمع له هذه الأحوال 
كلها والطبقات كلها فى الوقت نفسه. ومن بين هذه الطبقات -التى تختلط 
المقاييس فى تحديدها أحيانا خلطا شديد التعقيد- من له عدد محصور فى 
(۱) انظر الفتوحات» ۲ ص 25056 کتاب الإسفار» حيدر آباد 352454 ص۲ 7؛ ترجمان 
الأشواق» بيروت» ۱٦۱۹ء‏ ص 7. 
(؟) نلاحظ أن الخاصة الرباعية في هذا النظام والتي ترتبط ارتباطا ظاهرا بالأركان الأربعة 
للكعبة» هي أيضًا ذات ارتباط وثيق بالدرجات الأربع للظهور الكوني» كما سنرى حين 
نعرض لتحليل فكرة ابن عربي في الكون (انظر فيما يلي ص ,.357١ 077١‏ هامش ۳). 


.٠١١ صع.١ الفتوحات»‎ (۳) 


www.alimamaltayeb.com 


۱۹۰ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي اليّين بن العربي 
كل زمان» ومنهم لا يحصرهم عدد معين» فيكثرون في بعض العصور ويقلون 
ی البتعض الآخر. وأول هذه الطبقات طبقة الأقطاب» وهم «الجامعون 
للأحوال والمقامات بالأصالة أو بالنيابة» كما ذكرنا. وقد يتوسعون فى هذا 
الجماعة قطب تلك الجماعة» لكن الأقطاب المصطلح على أن يكون 
لهم هذا الاسم مطلقا من غير إضافةء لا يكون منهم في الزمان إلا واحده 
وهو الغوث أيضًاء وهو من المقربين» وهو سيد الجماعة في زمانه». 

ا(ومنهم [من الأقطاب] من يكون ظاهر الحكم» ويحوز الخلافة الظاهرة 
كما حاز الخلافة الباطنة من جهة المقام» كأبي بكر وعمر وعثمان وعلى» 
والحسن ومعاوية بن يزيد» وعمر بن عبد العزيز" والمتوكل"» ومنهم 


)١(‏ الأقطاب الذين يذكرهم ابن عربي هنا هم: أولاء الخلفاء الراشدون ثم «الحسن بن علي» 
الذي اختاره المسلمون خليفة عليهم» وقد تنازل عنها لمعاوية مؤسس الدولة الأموية. 
ومعاوية هذا جد معاوية بن يزيد الذي حكم أياما معدودات (أربعين يوما فيما يقول 
بعض المؤرخين ويومين أو ثلاثة فيما يقول البعض الآخر. انظر ما يقوله عنه ابن عربي 
في فقرة من كتابه» محاضرات الأبرار» دمشق ۸٦۱۹ء‏ ج١»‏ ص1۷» - وصحة نسبة 
هذا الكتاب لابن عربي ثابتة ولا تقبل نزاعاء وذلك برغم ما أثير حولها من تشكيكات. 
راجع: بروكلمان» الملحق ۷۹٩۹ 2١‏ - انظر أيضًا: السيوطيء تاريخ الخلفاء القاهرة 
89 .» ص١١7-١١5).‏ وقد مات معاوية بن يزيد وعمره ثمانون عاما. أما عمر بن 
عبد العزيز فهو ثامن الخلفاء من بني أمية» واشتهر بورعه وتقواه» واستمرت خلافته من 
صفر سنة 44ه حتى رجب من سنة ١١٠ه.‏ 

(؟) المتوكل(7 417-70 7) هو الخليفة العاشر من خلفاء بني العباس . انتهت على يديه المحنة 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۱۹۱ 
من له الخلافة الباطنة خاصة ولا حكم له في الظاهر كأحمد بن هرون 
الرشيد السبتي'» وكأبي يزيد البسطامي. وأكثر الأقطاب لا حكم لهم في 
الظاهر». «ومنهم الآئمة» ولا يزيدون في كل زمان على اثنين لا ثالث لهما. 
الواحد «عبد الرب»» والآخر «عبدالملك»» والقطب «عبدالله». فلكل 
رجل اسم إلهي يخصه. به يدعي عند الله ولو كان اسمه ما كان» والأئمة 
فى كل زمان «عبد الرب» واعبدالملك)41"0. 

وفي كتاب «منزل القطب» يمدنا ابن عربي بتحديدات أخرى تكمل 
ما سبق من معلومات عن هذه المراتب الثلاث» يقول فيها: «القطب مركز 
الدائرة ومحيطها ومرآة الحق» عليه مدار العالم» له رقائق ممتدة إلى جميع 
قلوب الخلائق بالخير والشر على حد واحدء لا يترجح واحد على صاحبه؛ 
وهو عنده لا خير ولا شرء ولكن وجود» ويظهر كونها خيرا أو شرا في 


6 


المحل لها“ [...] فمنزل القطب حضرة الإيجاد الصرف.. فإنه الستر العام 


التي اصطلى بنارها أهل السنة بسبب قولهم بقدم القرآن الكريم» والتي بدأها الخليفة 
المأمون الذي كان يناصر مذهب المعتزلة في مقولتهم الشهيرة «حدوث القرآن الكريم». 

)١(‏ أحمد بن هرون الرشيد ابن الخليفة العباسي الخامس» يذكره ابن عربي في مواضع كثيرة 
من كتبه: التنزلات الموصلية (القاهرة» 2197١‏ وقد طبع تحت عنوان: لطائف الأسرار 
ص 95١)؛‏ الفتوحات» ۲ ص١١‏ (حيث يذكر ابن عربي أنه التقى به في الكعبة يوم 
الجمعة سنة 44 ٥ه‏ أي بعد وفاة أحمد ابن هرون بقرون عدة) أيضًاء الفتوحات» ١١٠5‏ . 

(۲) الفتوحات» ۲» صا . 

(۳) كتاب منزل القطب (ضمن رسائل «ابن عربي»)) ص۲ . 

(5) يعني أن مهمة القطب إنما تكون في مستوى «إيجاد» الأشياء» لا في مستوى «وجودها» 
وفي هذا المستوى الثاني تتصف الأشياء بالخير أو الشر. 


www.alimamaltayeb.com 


۹۲ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
في الوجود'"». [...] والحق له متجل على الدوام [...] وله من البلاد مكة» 
ولو سکن حكنا سكن بجسمه فان محله فكة ليس إلا ولابد لكل قطب 
عندما يلى مرتبة القطبية أن يبايعه كل نبات وحيوان وجماد ما عدا الإنس 
والجان. إلا القليل منهم [...]. وهنا يكمن تفسير القصة التي يقول فيها ابن 
عربي: «ولهذا رأيت من رأى الحية العظيمة التي طوّق الله بها جبل قاف 
المحيط بالأرض» وقد اجتمع رأسها مع ذنبهاء فسلم عليهاء فردت غل ثم 
سألته عن الشيخ أبي مدين الكائن ببجاية من بلاد المغرب» فقال لها: وأني 
الله تعالى منذ وضع اسمه على الأرض ما بقى منا أحد إلا عرفه». ثم يقول 
ابن عربي: «هذا حال المحبوب» فكيف حال القطب؟). ويذكر ابن عربي 
فی الباب ۳۳٢‏ من الفتوحات”* وهو الباب الذي خصصه لموضوع مبايعة 

)١(‏ وهذه التسمية الغريبة ربما يبررها أن «القطب»» بصورة أو بأخرى» يمكن أن يكون 
واسطة بين الله والخلق. 

(؟) فيما يتعلق بالخصائص الطبيعية لهذا الجبل - في أدبيات الإسلام- انظر مقال: .1/1 .۸ 
Streck Miquel‏ في دائرة المعارف الإسلامية» ط. ۲ مادة: قاف. 

(۳) كتاب منزل القطب» ص ؛» ويذكر ابن عربي في مواضع أخرى (كتاب منزل القطب» 
ص۱۲» وکتاب مواقع النجوم» ص۱۳۹ )١5١‏ أن أبا مدين ظل إماما حتى إذا ما 
قري موكة بمناغة أو صاع امت هله خلفة اة و ارسي هده اة اهال اة 
(سنة 44 ده)» هذا ونجد القصة نفسها - ولكن بصورة أكثر تفصيلا- في رسالة روح 
القدس» وفيها أن الشخص الذي رأى الحية وحدثها هو موسى أبو عمران الصدراني» 


ولهذا الرجل قصة نعرض لها فيما بعد. 
(:) الفتوحات» صه"١ .١5٠0-‏ 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش 4۹۲۳ 
القطب أن كل الأرواح تبايع القطب» وما منهم روح يدخل عليه للمبايعة إلا 
ويسأله في مسألة من العلم الإلهي ويجيبه القطب بإجابة تعلو على مداركه”". 
ومن ناحية أخرى يصف ابن عربي الأقطاب بأوصاف وخصائص عرفناها 
من قبل في معرض بحثنا عن أوصاف الأولياء وخصائصهم. يقول الشيخ 
الأكبر: «فأكمل الأقطاب المحمدي» وكل من نزل عنه فعلى قدر من وَرتْء 
فمنهم عيسويون وموسويون وإبراهيميون ويوسفيون ونوحویون» وکل قب 
ينزل على حدّ من ورثه من الأنبياء» والكل في مشكاة محمد ياي الأمر الجامع 
للكل» وهم المتفاضلون في المعارف» غير المتفاضلين في نفس القطبية وتدبير 
الوجود)”". وإذا كان القطب يتصف بأنه «وجه بلا قفاء وأنه لا يخفي عن نظره 
شيء”"» فإنه هو نفسه يختفي عن الأنظار. والقطب لا تطوي له الأرضء ولا 
يمشي في الهواء» ولا على الماء ولا تخرق له العادات إِلّا نادرا لأمر يراه 
الحق فيفعله» لا يكون ذلك مطلوبا له». وهو يجوع اضطرار لا اختياراء ولا 
يتميز بزهد مفرط مستلفت لأنظار الناس. والقطب يصبر عن النكاح؛ فليس 
ثمة حالة تتحقق له فيها العبودية المطلقة مثل ما تحقق في حالة النكاح©». 
وفي كتاب منزل القطب -كما في غيره من كتب ابن عربي الأخرى- 
)١(‏ يستثنى ابن عربي من هذه المبايعة «العالية» من الملائكة» وهم «المهيمون» الغارقون 
أبدا في تأمل الجمال والجلال الإلهيين وهؤلاء لا يشعرون بشيء» حتى إنهم ليجهلون 
هذا العالم الموجود, ويُسمى «المهيّمون» أيضًا بالملائكة الكروبيين. 
() كتاب منزل القطب» ص6 . 
() المصدرالسابق» ص۲ انظر في هذاالوصف: «وجهبلا قفا ص ۱۲۲ »هامش "من بحثناهذا. 
(4) الفتوحات؛ ۲> ص 01/9 01/4 . 


www.alimamaltayeb.com 


14 الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
تحديد لطبيعة دور الاقام فهناك الإمام الذي عن يسار القطب» وله 
إذا مات» وإذا مات إمام اليسار قبل موت القطب فإن إمام اليمين يصبح 
هو إمام اليسار ويأخذ مكانه بتعيين من القطب الرابع. وفيما يتعلق بالشيخ 
«أبي مدين» الذي تولى القطبانية قبل موته بساعة أو بساعتين» فإن ابن 
عربي ينص في الفقرة نفسها على أن اسمه العرفاني هو عبد الله» وأن 
اسم عبد الرب الذي كان يتسمى به أبو مدين قبل تولي القطبانية انتقل - 
في لحظة التولي نفسها - إلى رجل ببغداد (كان من قبل إماما على يمين 
القطب) وكان اسمه عبد الوهاب”". ويبين ابن عربي أن الإمام الذي على 
يمين القطب» واسمه عبد الملك» له مهمة السلطان على عالم الأرواح» 
وله علم الأشياء السماوية» و لسو عنده من علم الأرض شيء”". 

)١(‏ تشتمل المصادر التي أحلنا إليها في أوصاف القطب (ص178» هامش )١‏ على فقرات 

كثيرة تتعلق بخصائص «الإمامين» وأوصافهما. 
)۲( كتاب منزل القطب» ص١١‏ . 
(۳) يلح «ابن عربي» في الباب ٩‏ من الفتوحات» وفي مواقع النجوم ص ۹٠ء‏ إلى نوع 


من التوافق بين الوظائف الثلاث للقطب والأئمة» وبين الآيات الثلاث #قل أعود برب 
آلکاس © مَل ]لئاس © إل دالاس )€ المذكورة في بداية سورة [الناس: 
.]۳-١‏ وهذه السورة - كما هو معروف- من المعوذات» وهذا التوافق لابد أن يكون 
له مغزى إذا نُظر إليه في إطار الأنماط المختلفة للتعوذ التي يتعوذ بها المؤمنون في هذه 
الآيات الكريمة. ويبقى أن نشير هنا إلى أنه لا مفر من القول بأن ثمة تناقضا بين معظم 
نصوص ابن عربي المتعلقة بأسماء الإمامين» وبين نص الفتوحات (ج۲» ص١017)‏ 
المتعلق بذات الموضوع. فقد ذكر «ابن عربي» في هذا النص أن الإمام الذي على يمين 
القطب يُسمى عبد الرب» وهذا خطأ من ابن عربي أو من الناسخ» أو نفترض أنه حدث = 


www.alimamaltayeb.com 


عل كنوه ف ۱4۵ 
والقطب والإمامان» وإن كان ينظر إليهم بما هم ممثلون لوظائف 
روحية خاصة بهم» يُنظر إليهم أيضًا بما هم أعضاء أو عناصر في الطبقة 
التالية لطبقتهم التي هي طبقة الأوتاد الأربعة» وهذه الطبقة تتكون من 
القطب والإمامين مضافا إليهم الوتد الذي هو نائب عن الخضر. 
والآوتاد الأربعة «الواحد منهم يحفظ الله به المشرق» والآخر يحفظ 
الله به المغرب» والآخر الجنوب» والآخر الشمال. وهذا التقسيم (مستمد 
من تقسيم) الكعبة» وهؤلاء قد يُعبّر عنهم بالجبال» لقوله تعالى: لأأَلَرَجَمَلٍ 
لاض مهندًا ل وبال ارادا [النبا: ٦‏ ۷]ء فإنه بالجبال» سكن مَيْد 
الأرض» كذلك حكم هؤلاء - الذين نتحدث عنهم - في العالم» حكم 
الجبال في الأرض» وإلى مقامهم» الإشارة بقوله تعالى عن إبليس: « ثم 
صربق دين وين لف و عَنَ يم وحن ميلم € [الأعراف: ۱۷]. فيحفظ 
الله بالأوتاد هذه الجهات» وهم محفوظون من هذه الجهات» فليس للشيطان 
عليهم سلطان» إذ لا دخول له على بني آدم إل من هذه الجهات» وأما 
«الفوق» و«التحت [فإنهما لو أضيفا إلى الجهات الأربع المشار إليها هنا] فقد يتعلق 
أمر الجهات كلها بالرجال الستة الذين نذكر أمرهم بعد هذا إن شاء الله». 
ويقص علينا ابن عربي في بداية هذا النص أنه رأى من هؤلاء الأوتاد 
شخصا بمدينة فاس» يقال له ابن جعدون» وكان ينخل الحناء بالأجرة» 
=«عكس» في منظور وضع الإمامين» فالإمام الذي على يسار القطب تُظر إليه على أنه 
موجود على یمین القطب» والذي على يمينه نُْظر على أنه موجود على يساره. 


)١(‏ الفتوحات» ۲ ص". فيما يتعلق بطبقة الأوتاد» والطبقة التى تليها وهى طبقة الأبدال» 
انظر الفتوحات» ١‏ ص ١51١ ١07”‏ (الباب .)١5 ١6‏ 


www.alimamaltayeb.com 


1045 الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
وقد خصص له فقرة من كتابه روح القدس تمدنا بأوصاف أخرى» نذكر 
منها هذا الوصف الذي يستحق تسجيله هنا لأهميته في إلقاء الضوء على 
خصائص الأوتاد التي عرفناها من قبل في بعض الأحاديث النبوية» وفي 
كثير من أدبيات التصوف أيضًا. يقول ابن عربي في وصف ابن جعدون 
هذا: إنه كان «إذا غاب لم يفتقد» وإذا حضر لم يُستشرء وإذا جاء لا يُوسّع 
له» وإذا تكلم بين قوم ضرب وسخف»''. وقبل أن نترك هذه الطبقة وننتقل 
إلى الطبقة الأخرى في الفصل التالي» نلفت النظر إلى نقطتين يذكرهما 
ابن عربي أيضًا في هذا الموضوع: أولاهما خاصة باسم «الأوتاد»» وفي 
هذه النقطة يذكر ابن عربي أسماء أخرى تضاف -بالنسبة لثلاثة منهم- 
إلى الاسم الذي يُطلق عليهم بما هم أئمة أو أقطاب» وهذه الأسماء 
الإضافية هي عبد الحي وعبد العليم وعبد القادر وعبد المريد. أما 
النقطة الثانية» فهي نقطة أكثر عموما من النقطة الأولى» وهي تزيل لبسا 
أو سوء فهم قد ينشأ في عبارات ابن عربي» وهنا ينبه الشيخ إلى هذا الأمر, 
فيقول: «وكل ما نذكره من هؤلاء الرجال باسم الرجال فقد يكون منهم 
النساء». وهناك نصوص أخرى تؤكد احتراس ابن عربي هذا وتوضحه» 
كقوله: «وهكذا كل طائفة ذكرناهم» منهم الرجال والنساء»؛ «وما من 
جل واا فيا شرت وو كليا حال يشورك فيها 
النساء والرجال» ويشتركان في جميع المراتب حتى في القطبية)'". 


(۱) روح القدس.ص١؟١.طالقاهرة94/4١‏ .هذا وقدمات ابن جعدو ن في فاس سنة /041ه. 


222 النصوص الثلاثة منقولة على الترتيب من: الفتو حات» ۲ ص5 7؛ ۲ ص ۹ ؛ 37 ص 84/. 


www.alimamaltayeb.com 


الفصل السابع 
أقصى درجات الولاية 

يطالعنا في الباب الثالث والسبعين من الفتوحات إحصاء لأربع 
وثمانين طبقة من طبقات ر جال ال من ينها حمسن وثللاثون طيقة تشتمل 
على عدد ثابت دائم لا يتغير من ألقاب هؤلاء الرجال. ولا يمكننا -بطبيعة 
الحال- أن نحلل في هذا الفصل كل طبقة من هذه الطبقات» لكننا نكتفي 
بأن نعرض ها هنا- وفي اختصار- لأهم هذه الطبقات» وإن كنا سنختار 
من بينها طبقتين نعالجهما بشيء من التحليل في هذا الفصل والفصل الذي 
يليه» لما لهاتين الطبقتين من أهمية خاصة تكمن في أن كلا منهما يمثل 
محور الارتكاز أو حجر الزاوية في كل هذه الطبقات مجتمعة. 

وبعد أن يحدثنا ابن عربي عن الأوتاد الأربعة» ينتقل بنا للكلام عن 
الأبدال السبعة» وقد سمعوا بالأبدال «لكونهم إذا فارقوا موضعا ويريدون 
أن يخلفوا بدلا منهم في ذلك الموضع» لأمر يرونه مصلحة وقربة» يتركون 
به شخصا على صورتهم» لا يشك أحد ممن أدرك رؤية ذلك الشخص أنه 
عين ذلك الرجل» وليس هو [عينه] في الحقيقة» بل هو شخص روحاني 
يتركه بدله بالقصد على علم منه). 

وبالأبدال السبعة يحفظ الله الأقاليم"“ السبعة. والبدل الأول من 
)١(‏ انظر فيما يتعلق بمعنى «أقاليم) مقالة أندريه ميكيل في دائرة المعارف الإسلامية ط 27 


مادة إقليم. 


www.alimamaltayeb.com 


۱۹۸ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
هؤلاء على قدم إبراهيم» وهو صاحب الإقليم الأول» والثاني على قدم 
موسىء والثالث على قدم هارون» والرابع على قدم إدريس (وإقليمه هو 
الإقليم الرابع» وهو الإقليم المتوسط, ويوافقه في عالم السموات إقليم 
الشمس؛ وحقيقة الآمر أن «البدل الرابع» هذا هو القطب نفسه)» والخامس 
على قدم يوسف, والسادس على قدم عيسى» والسابع على قدم آدم. ومرة 
أخرى يبدو لنا أمر العلاقة -هاهنا- بين النبوة والولاية أكثر تأكيدا وأشد 
قوة. وإذا لاحظنا الأسماء الرمزية التي يُلقب بها هؤلاء الأبدال السبعة» 
ومن بينهم الأوتاد وجدنا أن اسم كل نوع بما هو مندرج في النوع الآقل 
منه- حسبما أوضحنا من قبل- يعبر بصورة أو بأخرى عن نسبة خاصة أو 
ارتباط خاص بينه وبين اسم من أسماء الله الحسنى؛ فإلى جوار عبد الحي» 
وعبد العليم» وعبدالودود» وعبد القادر» نجد أيضًا عبد الشكورء 
وعبد السميع» وعبد العليم» ولل «صفة إلهية رجل من هؤلاء الأبدال» 
بها ينظر الحق إليه» وهي الغالبة عليه». 

ويحدثنا ابن عربي أنه رأى هؤلاء الأبدال السبعة مجتمعين بمكة 
المكرمة» وإن كان يقول إنه التقى من قبل باثنين من هؤلاء الأبدال -في 
وقته- هماء موسى الصدراني الذي لقيه بإشبيلية سنة 0/5ه'» ومحمد بن 
أشرف الرندي الملقب بشيخ الجبل2". 
)١(‏ تحدث عنه ابن عربي في رسالته روح القدس (ط. القاهرة ۰۱۸٩‏ ص55١)‏ وذكر أنه 

لقيه بعد صلاة المغرب» وتسلم منه رسالة من الشيخ أبي مدين. 
() انظر المصدر السابق ص57١»‏ وفي كتاب الدرة الفاخرة ص١ »١15‏ رقم ٠١‏ «الترجمة 

الإنجليزية»» يذكر ابن عربي قصة صاحبه عبد المجيد بن سلمة» الذي لقى أحد الأبدال = 


www.alimamaltayeb.com 


غل ود کف ۱۹4 

ثم تلي هذه الطبقة طبقة «النقباء»» ومفردها نقيب (وقد ورد في القرآن 
الكريم تمييزا للاثني عشر نقيبّاء الذين بعثهم الله في قبائل بني إسرائيل 
(المائدة: .)١7‏ والنقيب معناه الكفيل أو العريف» وعدد أفراد النقباء اثنا 
عشر نقيبا على عدد بروج الفلك الاثنى عشرء وقد جعل الله «بأيدي هؤلاء 
النقباء علوم الشرائع المنزلة» ولهم استخراج خبايا النفوس وغوائلها 
ومعرفة مكرها وخداعها. وأما إبليس» فمكشوف عندهم» يعرفون منه ما 
لا يعرفه من نفسه. وهم من العلم بحيث إذا رأى أحدهم أثر وطأة الشخص 
في الأرض علم أنها وطأة سعيد أو شقى». 

أما طبقة النجباء فتتكون من ثمانية أفراد في كل زمان» وهؤلاء «تبدو 
منهم وعليهم أعلام القبول من أحوالهم وإن لم يكن لهم في ذلك اختيار» 
لكن الحال يغلب عليهم). وإذا كان النقباء لهم الدين حازوا علم الفلك 
التاسع (أي السماء التي لا نجوم لها) فإن النجباء هم الذين حازوا علم 
الأفلاك الثمانية التي تقع تحت الفلك التاسع (السماء ذات النجوم» 
والسماوات السبع)'. 

وتأتي بعد ذلك طبقة الحواريين (وهي تسمية يشوب دلالتها بعض 
الغموض» وقد وردت في القرآن الكريم وصفا لأنصار المسيح عيسى 
4). وهذه الطبقة أضيق بكثير جدا من الطبقات السابقة» إذ لا يوجد 
منها في كل زمان إلا حواري واحد فقطء ولا يكون منهم اثنان أبداء فإذا 


-واسمه معاذ بن أشرس. انظر -أيضًا- حلية الأبدال» ص۳ والفتوحات» ١‏ » ص۲۷۷. 
لك الفتوحات» 0 


www.alimamaltayeb.com 


0 الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
مات أحد أقيم غيره. ومن صفات الحواري وخصائصه أنه «من جمع في 
نصرة الدّين بين السيف والحجة, فأعطى العلم والعبارة والحجة» وأعطى 
السيف والشجاعة والإقدام» ومقامه التحدي في إقامة الحجة على صحة 
الدّين المشروع. فلا يقوم بعد رسول الله ية بدليله الذي يقيمه على صدقه 
فيما ادعاه إلا حواريه» فهو يرث المعجزة» ولا يقيمها إلا على صدق نبيه 
4 [...] ولا يُسمى هذا كرامة لولي» لأن ما كان معجزة لنبي على حدها 
وشمولها لا يكون ذلك أبدا كرامة لولي»'. 

وتلي الطبقة السابقة طبقة «الرجبيين»» وهذه الطبقة غريبة سواء في 
تسميتها أو في وظيفتها المنوطة بها. وعدد هذه الطبقة أربعون نفسا في 
كل زمانء وسّموا رجبيين لأن «حال هذا المقام لا يكون لهم إلا في شهر 
رجب» من أول استهلال هلاله إلى انفصاله. ثم يفقدون ذلك الحال من 
أنفسهم» فلا يجدونه إلى دخول رجب من السنة الآتية [...] ومنهم من يَبقى 


)١(‏ الفتوحات» 07 ۸. فيما يتعلق بتعريف المعجزة ومعناهاء انظر الفقه الأكبر لأبي حنيفة 
(القاهرة /71١ه»‏ ص 59)! والباقلاني: كتاب البيان» تحقيق مكارثي» بيروت ۸٥۱۹ء‏ 
ص/9-77 5 . والمعجزة - على خلاف الكرامة- تكون مسبوقة بالتحدي» هذا وينتقدابن 
عربي في بقية النص المذكور أعلاه موقف المتكلم الأشعري أبي إسحاق الإِسْفَرَاييني 
(ت518ه) الذي يحيل وقوع عين الفعل المعجز على يد الأولياء» بينما لا يحيل أكثر 
المتكلمين وقوع الخارق المعجز كرامة لولي ولكن لا على طريق الإعجاز. فالفرق بين 
المعجزة والكرامة لايرجع -إذن- إلى صورة الفعل الخارق» وإنما إلى القصد- أو عدم 
القصد- ممن يظهر الفعل الخارق على يديه» ومن ناحية أخرى يظهر الفرق بينهما أيضًابأن 
المعجزة قاصرة على الأنبياء وخاصة بهم» أما الأولياء فيرثون من الأنبياء» وقوع الكرامات 
على أيديهم» وتختلف أنواع الكرامات باختلاف نوع وراثة الولي للنبي الذي يرثه. 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ٣١‏ 
عليه في سائر السنة أمر ما مما كان يُكاشّف به في حاله في رجب» ومنهم 
من لا يبقى عليه شيء من ذلك». ويذكر ابن عربي أنه لقى واحدا منهم 
بِدَنيْسِيره وهو الشخص نفسه الذي تحدث عنه في فقرة مختصرة من كتابه 
الدرة الفاخرة» وسماه «الخَطري»» وهذا الشخص - فيما يقول ابن عربى- 
بقى له حال متميز يقع له طوال السنة ولا يقتصر على شهر رجب فقطء 
وهذا الحال هو «كشف الروافض من أهل الشيعة» حتى لو تستروا بمذهب 
أهل السنةء وكان يراهم في صورة الخنازير. 

وإذا كاتف الصفات الى فح شتاعنها من قبل قاط ها وظائف مبخدودة 
في سلم الدرجات الروحية» لحفظ نظام العالم الأعلى (عالم الأرواح» 
الملكوت) والعالم الأدنى (عالم الأجسام» المّلك)» فإن الآمر يختلف 
بالنسبة لبقية الطبقات الأخرى التى يتحدث عنها ابن عربى طبقة تلو أخرى 
فيما تبقى له من الباب الثالث والسبعين من كتابه الفتوحات» ويمكن القول 
بأن كل الأولياء أو الأفراد الذين تتكون منهم هذه الطبقات يومّبون علوما 
وقوى مختلفة» وتوكّل إليهم - بصورة أو بأخرى- أدوار ومهام يتولونهاء 
وكل ذلك في دائرة الترتيب الإلهي لإظهار الكون» لكن هذه المهام لا تحدد 
لنا «الطبقة» التى توكل إليها هذه المهمة أو تلكء فالطبقات تنطوي على 
(۱) الفتوحات» ۲« ص۰۸ الدرة الفاخرة» ص ١1٠١‏ «الترجمة الإنجليزية»)» (وفيها صورة 

الكلاب بدلا من صورة الخنازير)» وكلام ابن عربي وإن كان متعلقا بالروافض أو الغلاة 

من الشيعة» إلا أنه لا يُنصور أن يكون كلاما صادرا من قلم شيعي أو قلم ينطوي على 


ص۲۸۲ ۲ ص 13 .١‏ 


www.alimamaltayeb.com 


۳۲ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
كم من الأولياء مضطرب بين الثبات والتغير» وهم في مجموعهم مؤهلون 
للوصول إلى درجة بعينها من درجّات مراتب الأولياء. ويزيد الأمر تعقيدا 
وغموضا -إضافة إلى أمور أخرى- أن نفس الشخص الواحد يوجّد في 
أكثر من طبقة واحدة» وفي وقت واحد» والوظائف نفسها مدموج بعضها 
في البعض الآخرء والوصول إلى درجة ما من الدرجات يستلزم أن يكون 
الشخص الذي وصل إلى هذه الدرجة قد استوفى - من قبل- كل درجات 
الطبقات الأقل التي تسبق هذه الدرجة. فإذا أضفنا إلى هذه المقاييس 
المختلفة نماذج الأولياء الوارثين الذين تحدثنا عنهم في فصل سابق» فإننا 
ندرك على الفور أننا هنا أمام موضوع معقد وخصب في ذات الآن. 

ونتوقف هنا عند أنموذج القطب لما له من دلالة خاصة على ما نقول؛ 
فالقطب باعتبار وظيفته ومهمته ينتمي إلى درجة القطبية (وهو الأنموذج 
الأوحد لهذه الدرجة)» لكنه ينتمي أيضًا إلى طبقة الأوتاد» وطبقة الأبدال» 
وطبقات أخرى غيرهماء إضافة إلى أنه قد يحتفظ - أو لا يحتفظ - 
بالمنصب الظاهري للخليقة» ثم هو -وكأي ولي آخر- وارث نبوي؛ فهو 
ولي موسوي أو إبراهيمي أو شعيبي» أو غير ذلك» أو كل ذلك في وقت 
واحد. وبما أنه يجمع بين كل الأحوال» وكل المقامات» فإنه يأخذ مكانه 
في هذه الطبقات التي تتوازى مع السلسلة المزدوجة للأحوال والمقامات. 
وأخيرا نلتقى «بالقطب» في طبقة أخيرة يتسنم فيها أعلى درجة في الولاية 
وأقصاهاء وهذه الطبقة الأخيرة هي طبقة الأفراد". 


)١(‏ ثمة نصوص كثيرة حول موضوع «الأفراد» في كتابات ابن عربي» والنصوص التي نستند 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۳ 

وفيما يتعلق بأمر هذه الطبقة» فإن المعلومات التي يمدنا بها الباب 
الثالث والسبعون من الفتوحات» معلومات محدودة» ومختصرة لكن 
بإمكاننا أن نضيف إليها ما يكملها من خلال تحليل المعطيات الثرية التي 
تشتمل عليها أبواب ثلاثة (77-10) من الفتوحات» وفيها يُطلق ابن عربي 
على الأفراد لقبا رمزياء نادرا ما يرد في كتاباته» هذا اللقب هو «الركبان»» 
ويعني به ركاب الإبل»؛ وعلى خلاف «الفرسان» الذي يُمكن أن نلتقيهم في 
كل الحضارات» يختار ابن عربي مصطلح «الركبان»» أي الذين يستخدمون 
الإبل في أسفارهم» والإبل وسيلة سفر خاصة بالحضارة العربية» مما 
يعني أن ابن عربي يختار للتعبير عن هذه الطبقة رمزا إسلاميا بل محمديا. 
وينقسم الركبان - وهم نفس طبقة الأفراد- إلى طائفتين: طائفة تركب تُجب 
الهمم» وطائفة تركب تُجب الأعمال. والقطب والأوتاد والأبدال والنقباء 
والنجّباء والرجبيون» كلهم - مع غيرهم- من الأفراد. وليس للأفراد 
عدد ثابت» لکن لا يكون عددهم إلا وتراء وغالبا ما يكون أكثر من ثلاثة. 

ومقام الأفراد هو نفسه مقام القطب» وهم خارجون عن حكمه. 
فليس له تصرف فيهم» وذلك باستثناء الأفراد أصحاب الوظائف الخاصة 
كالإمام والبدل... إلخ» فإن هؤلاء بما هم أعضاء في سلسلة الوظائف 
الروحية يخضعون للقطب الذي يمثل القمة القصوى في هذه السلسلة. 

إليها هنا - أكثر من غيرها - مقتبسة من الأبواب ۰۰ ١‏ ۳۲ من الفتوحات (جاء 

ص99١‏ -2208). انظر أيضًا في هذا الموضوع الفتوحات» »١‏ ص۰۹۳ ۲ ص 75ح 


Vo‏ ۳ ص ۱۳۷؛ كتاب التجليات» تحقيق عثمان يحيى ۰۱۹۹۷ ١‏ ص۹ "؛ کتاب 
المسائل. ط حيدر آباد ۱۹٤۸‏ ص۲۸؛ وغير ذلك. 


www.alimamaltayeb.com 


TT‏ ا 
«الكروبيون». والاسم الإلهي الجامع للآفراد هو اسم الفرد» ولهذا يجهل 
مقامهم وما يأتون به» «فهم ينكر عليهم ولا يُنكرون». وهم على علم من 
الله لا يعلمه غيرهم. ويستعين ابن عربي في تأييد ما يقول عن الأفراد 
بقصة موسى 2ك مع الخضرء كما وردت في سورة الكهف؛ ففي هذه 
القصة يبدو موسى 22 في صورة المندهش ش المستغرب» وبرغم وعده 
المتكرر بعدم سؤال صاحبه الخضر (وهو من الأفراد)» فإنه - من فرط 
دهشته- نسى وعوده» وانبري يجادل صاحبه وينكر عليه أفعاله التى رآها 
خارجة تماما عما يقرره الشارع. كما يورد ابن عربي قول علي بن أبي 
طالب کرم الله وجهه وهو يضرب بيده إلى صدره ويتنهد (إن ههنا لعلومًا 
جمّة. لو وجدت لها حمّلة». ويقول ابن عربى إن عليًا َي كان من الأفراد 
الساقية؛ وكذلك عبد الله بن عباس» وزين العابدين على بن الحسين؛ 
وعمر بن الخطاب» وأحمد بن حنبل. ويقص علينا ابن عربي أنه لقى في 
يوم واحد» بجبل أبي قَبّيس بمكة المكرمة» ما يزيد على سبعين رجلا من 
الأفراد» وأنه جلس إلى بعض هؤلاء الأفراد وسماهم باسمهم (في نص 
شيوخ مشهورين في تاريخ التصوف في القرن السادس الهجري» مثل 
اعبد القادر الاي واتيورمن أصحابة هما أبس سرد ين الث تق 
)١(‏ فيما يتعلق بعبد القادر الجيلاني وما يقوله عنه ابن عربي» انظر في هذا الكتاب ص ؟ 2١7‏ 
هافش . 


(۲) فيما يتعلق بسعود د بن الشبل» انظر الفتوحات١‏ ١غ‏ ص۱۸۷١٠‏ كل ل رة عنام ؟؛ = 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۲۰۵ 
ومحمد بن قائد الأواني. 

ولندع جانبا فقرات ينعي فيها ابن عربي على الفقهاء موقفهم الإنكاري 
من العلم اللّدُنِىَ ومن الأولياء والعارفين» واصفا هؤلاء الفقهاء -ومن على 
شاكلتهم- بأنهم «فراعنة الأولياء» ودجاجلة عباد الصالحين»» ولنرجع كرة 
أخرى إلى الباب الثلاثين من الفتوحات لنستخلص بعض الأوصاف التي 
تميزت بها طبقة الأفراد هذه. وأول ذلك أن هؤلاء ليس لهم في طريقهم 
اتباع ولا تلاميذ» وهم لا بُسلكون أحدا بطريق التربية» لكن لهم الوصية 


۲ ص ۰۱۹ ۹< حل TV ATI‏ ام ٤‏ ۲ ص٤۳‏ ۲۲۲ 0 ويصر ابن 
عربي في مواضع عدة على إبراز الفروق بين وضع «عبد القادر الجيلاني» ووضع «أبو 
سعود بن الشبل»: فأما «عبد القادر» فله حال الصدق لا مقامه» وأما أبو سعود فهو على 
العكس: له مقام الصدق لا حاله «ومن ثم كان في العالم مجهولا لا يُعرف» ونكرة لا 
تَتَعَرّف» (الفتوحات» ۲» ص7377). «وعبد القادر» أعطى التحكم في العالم - وهو 
الخلافة وظهر عليه ذلك» بينما ترك أبو سعود التصرف في العالم لله تعالى مع التمكن 
من هذا التصوف. وأخيرا فقد كان «عبد القادر» صاحب إدلال» بينما عصم الله «أبو 
سعود» تلميذ «عبد القادر» من ذلك الإدلال (الفتوحات» »١‏ ص۲۲۳). انظر أيضًا فى 
نقد «أبو سعود): الفتوحات» ۲» ص٤٦‏ . 

(۱) فى بهجة الأسرار للشّطّنوفى (ط. القاهرة ٠‏ ١ه‏ ص/ء ۸): أن محمد بن قائد 
الأواني كان موجودا حين قال الشيخ «عبد القادر الجيلاني» قولته الشهيرة التي تثبت 
قطبانيته: «قدمى هذه على رقبة كل ولي»» وما يقوله النبهاني في هذا الموضوع (جامع 
كرامات الأولياء» بيروت» بدون تاريخ» ج »١‏ ص7١١)‏ -نقلا عن المناوي- فإنه 
ليس إِلَا تكرارًا لما يقوله ابن عربي في الموضوع ذاته (الفتوحات» ۱ء ص١١7؛‏ 27 
ص1":0: ۳: ۳ ص »)٤١‏ غير أن النبهاني يذكر - خطأ- أن «الأواني» من شيوخ 
«عبد القادر الجيلانى». 


www.alimamaltayeb.com 


۲٦‏ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
والنصيحة» والعلم يتدفق على من حولهم تدفقا تلقائيا دون أن يعوا 
لأنفسهم منصب الأستاذ أو المعلم» ومن ثم ليس لهم تأديب خاص بهم» 
وعلومهم هذه علوم كشف ووهب» وقد تقبل منهم وقد تنكر عليهم» بل 
قد يُزندقون بها. أما معراجهم الروحي فإنهم لا يبصرون فيه أمامهم إلا 
قدم النبي الذي يرثونه» بينما لا ييصر غيرهم من الأولياء إلا قدم القطب 
أو الأوتاد أو الأبدال.. إلخ» كل على حسب درجته ومقامه. وبهذا استحق 
الأفراد أن يستقلوا بأنفسهم بعيدا عن سلطان الأقطاب والأوتاد وغيرهما 
ممن ذكرناهم من قبل. ولأصحاب هذا المقام التصريف والتصرف في 
العالم» إلا أن الطبقة الأولى- وهي طبقة ركاب الهمم- تركت التصرف 
لله في خلقه مع التمكن وتولية الحق لهم إياه تمكناء وإن كان أبو سعود بن 
الشبل وعبد القادر الجيلاني - وهما من هذه الطبقة - ممن ظهر عليهم 
حال التصرف في العالم. ويذكر ابن عربي أن «ابن قائد الأواني» كان 
يتضرقف. من غير أن يكون مأمورا فابتلی؛ هما يع أنه کان ناقضا فى 
معرفته بالله تعالى. ومن أوصاف الأفراد دخولهم في سرادقات الغيب» 
واستتارهم بحجب العوائد» ولزومهم العبودية والافتقار إلى الله تعالى» 
وهم الفتيان والأخفياء والملامية". ونستطيع التعرف على قسمات هذه 
)١(‏ ربنا يُظن أن هذه الأوصافء التي نذكرها هنا ملخصة من كتاب الفتوحات» (جاء 

ص٠١۲)»‏ خاصة بالطبقة الأولى - فقط- من طبقتي الأفراد وهي طبقة «ركاب 

الهمم»» والحقيقة غير ذلك لأن مجموع النصوص المتعلقة بطبقة الأفراد» وخصوصا 

النصوص التي يتضمنها البابان التاليان من الفتوحات» صريحة في أن هذه الأوصاف 

تنطبق على كلتا الطبقتين من غير تمييز بينهما. وفيما يتعلق بمعنى الفتوة والفتيان عند 


ابن عربى انظر الفتوحات» ۱ » ص ۲۰۲٤٤ - ۲٤۱‏ ص 7375-7717 انظر أيضًا تقديمنا - 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۲۷ 
الطبقة الأخيرة من ملاحظة شخصية «ابن جعدون» في الفصل السابق» فهي 
تلقن الضوع بضر عاذ غلى اا الام ق شاكل ماعن 
ابن عربي عن هذه الشخصية يمكن أن نصف الملامية بأنهم إذا حضروا 
لم يُستشاروا وإذا غابوا لم يفتقدواء مجهولون بين عامة الناس لا يتميزون 
بزهد خاص ولا بعبادة زائدة» وحياتهم حياة عادية تخلو كلية من ظهور 
الخوارق والكرامات. وبالجملةء لا تتميز حياتهم بشيء غير عادي يلفت 
نظر الناس إليهم. و» اللوم» هو الشعار الذي تتمسك به هذه الطبقة في قوة 
وإصرار» سواء جاء اللوم من جانبهم هم لأنفسهم لاكتشاف عيوب النفس 
ونقائصهاء أو من جانب الفقهاء أو الصوفية المبتدئين الذين لم يتحققوا 
بعد بثمار معرفة الطريق» وهؤلاء لا يأبهون بطبقة الملامية» بل يزدرون 
هذا النمط العادي في حياتهم الروحية. ويمكن أن نلخص مضمون شعار 
«الملامية» في هذه العبارة التي ينقلها ابن عربي في الفتوحات”" عن أحد 
الملاميين» والتي يقول فيها: «ما هو إلا الصلوات الخمس وانتظار الموت»» 
ويُعقب ابن عربي على هذه العبارة بقوله: «وتحت هذا الكلام علم كبير». 
وتدلنا هذه العبارة على أن نهاية الطريق- عند هؤلاء - ليست أمرا آخر 
وراء تطبيق الشريعة تطبيقا خالصا وبسيطا في الوقت ذاته. يؤكد ذلك أننا 
-(بالإنجليزية) لترجمة: 83971016 .1 لكتاب: الفتوة للسلمي» بعنوان: 6001 156 
.of Sufi Chivalry, New York, 3‏ 
)١(‏ يفضل ابن عربى فى كتابته استعمال كلمة «ملامية)» ويرى أن الكلمة الأخرى «ملامتية) 
لغة ضعيفة ا وكثرة ترددها في أبيات التصوف. 


002 الفتوحات» ١‏ ص188١.‏ وهذه العبارة يعزوها ابن عربى إلى «أبو سعود بن الشبل». 


www.alimamaltayeb.com 


۲۸ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
نجد ابن عربي- في مناسبات عدة- يعرض للحديث القدسي الشهير (... 
وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه. فإذا أحببته كنت سمعه 
الذي يسمع به» وبصره الذي يبصر به» ويده التي يبطش بهاء ورجله التي 
يمشي بها.. مبينا أن القرب الأتم الذي هو معنى الولاية وفحواها ليس 
هو قرب النوافل المذكور فى الحديث,. لأن فى أداء النوافل مجالا لتحقيق 
الاختيار والإرادة من العبد» مع أن العبد المحض”" مسلوب الاختيار» 
وإذن فالاقتصار على أداء الفرائض- كالصلوات الخمس مثلا- هو فى 
نهاية الأمر مدار اكتمال حظ السالك وتمام قسمته في طريق سيره وسلوكه. 
من إلصاق تهمة الإباحة والخلاعة به» سواء فى سلوكه أو فى الأصول التى 
ينبني عليها تصوفه. ويبين ابن عربي أن المقصود في الحديث ليس هو أن 
يصير الله تعالى سمعا وبصرا ويدا للعبد» بل العبد هو الذي يصير سمعا 
يسمع الله به» وبصرا يبصر الله به» ويدا يبطش الله بها. 

فيذكر أنهم «الأخفياء الأبرياء الأمناء في العالم» الغامضون في الناس [....] 


ليدوم التجلي الإلهى إلا لهم)”". «(وهم سادات آهل طريق الله وأئمتهم. 
)١(‏ البخاري» كتاب الرقاق» باب ۳۸. وهذا الحديث القدسي من الأحاديث التي جمعها 
ابن عربي في كتابه: مشكاة الآنوار» حلب» 155١ه‏ (الحديث رقم: »)٩١‏ انظر شرح 
هذا الحديث في الفتوحات» ١‏ ص1 ۰٤۹‏ ۲ ص18؛ 4 ص TET‏ 20 نقش 
الفصوصء حيدر آباد »١95/‏ ص"5-7. انظر أيضًا شرحا على التجليات (مجهول 
المؤلف) بعنوان: كشف الغايات» ط. عثمان يحيى» مجلة المشرق 75 ص1۷۹ . 
)۲ الفتوحات» 7 ص١‏ 5 ,», وهذا المصطلح(العبد المحض) يطلقه ابن عربى على نفسه. 
(۳) ف ۱» ص۰۱۸۱ انظر أيضًاء ۲ ص 0". 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش عقا 
وسيّد العالم فيهم ومنهم وهو محمد كَل وهم الحكماء الذين وضعوا 
الأمور مواضعها وأحكموهاء وأقروا الأسباب في أماكنهاء ونفوها في 
المواضع التي ينبغي أن تنفى عنها»”. وكما وصف الكفار النبي بل بأنه 
ليڪل الطَعَاموَيَمْثْى ف سراق € [الفرقان: 7]: كذلك وصف الجاهلون 
«الملامي» بالوصف نفسه. وذلك لأن الملامي» كما يقول ابن عربي»يعلم أن 
الله تعالى يفعل» في كل لحظة, عند العلل والأسباب الثواني» لا بالأسباب 
نفسهاء وأن هذه الأسباب حجاب للواحد الذي لا شريك له. ولأن الله 
تعالى هو الذي اختار حجب الأسباب فلا ينبغي للعبد -بل لا يتأتى له- أن 
يخرق قوانين هذه الحجب. وهكذا يخضع الملامي لقوانين الله تعالى في 
الأسباب» مثله في ذلك مثل الرجل البسيط العادي. والملامي رجل عادي 
بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى لأنه يتوافق ويتناغم» شعوريا وإرادياء 
مع قوانين الله تعالى في الأشياء. وهو لا يلجأ -أبدا- إلى استعمال قوى 
غير عادية» ويعزف عن الشطحات فلا يعرفها ولا ينطق بهاء وذلك على 
الرغم مما يعتقده العامة من أن الشطحات تعبير عن الدرجة القصوى في 
الولاية. ويقول ابن عربي: إن «الشطح نقص بالإنسان» لآنه يلحق نفسه 
فيه بالرتبة الإلهية» ويخرج عن حقيقته)"» إذ حقيقة العبد الخالصة إنما 
)١(‏ الفتوحات» ”. ص2158 وانظر أيضًا -في الملامية- الباب ۲۳ من الفتوحات» (جاء 

ص .)185-١8١‏ 
(؟) الفتوحات» ۲ ص۲۳۲٠‏ انظر أيضا: الفتوحات ۲ ص۳۸۸٠‏ ۳۸۷؛ اصطلاح الصوفية» 

ص۳ وبسبب من هذا النقص - خاصة - صار «عبد القادر الجيلاني» - برغم انتسابه 


للملامية- الفتو حات» ۳ ص٤‏ ") فى مرتبة أدنى من مرتبة (أبو سعود بن الشبل». انظر = 


www.alimamaltayeb.com 


۰ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
هى العبودية المطلقة. ويقول - وهو بصدد الحديث عن الإنسان الكونى 
الذي يجمع في طواياه بين ممالك الطبيعة الأربع-: «فلا أعلى في 
الإنسان من الصفة الجمادية» لأن من طبيعة الحجر أنه «ليس له العلو فى 
الحركة الطبيعية» لكن إذا رُقي به إلى العلو وترك مع طبعه طلب السّفل» 
وهي حقيقة العبودية فالملامي ليس إلا حجرا في يد الله تعالى”. 

ونعود مرة أخرى إلى حديث ابن عربي عن الأفراد في الباب الحادي 
والثلاثين» حيث يطالعنا هناك وصف دقيق للأصول التى تشكل طبيعة 

الملامية الخاصة» وتلقي الضوء على اختيار المصطلح الرمزي «ركبان»» 

لقبا لهذه الطبقة. وأول ما تتميز به طبقة الأفراد من خصائص» التبري من 

الحركة إذا أقيموا فيهاء وهنا نلاحظ أن الصورة التى رسمها ابن عربى 

الملامى» فالأفراد يخلدون إلى السكون ويفضلونه على «الحركة»» لأن 

حالة السكون هى الحالة الملائمة لما يسميه ابن عربى «الإقامة على 
-في هذا الكتاب ص57 ١‏ هامش ۲. 

)١(‏ الفتوحات» ١‏ ص 232١١‏ انظر أيضًاء »١‏ ص079. 

(1) تعد رسالة الملامتية للسّلمِي المصدر الأساسي عن «الملامية»» وقد نشرها أبو العلا 
عفيفي في كتاب: الملامية والصوفية وأهل الفتوة» القاهرة ٩٤۱۹ء‏ ص85 - ٠٠١‏ . أما 
الجانب التاريخي لهذه الطائفة - كمدرسة من مدارس التصوف نشأت في نيسابور في 
Jacqueline Chabbi: «Remarques surle développement historique‏ 


des mouvements ascétiques et mystiques au Khorassan», Studia 


Islamica, XLVI, Paris, 1977, pp. 5/72. 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۱ 
الأصل». وهي الحالة الملائمة أيضًا للتعريف الوجودي للعبد الحقيقي. 
ومن خصائص الأفراد أيضًا أنهم «محمولون»”"'» وركابهم الذي يُحملون 
عليه هو «الحوقلة»» أو كما يقول ابن عربي «اتخذت من «لا حول ولا قوة 
إلا بالله» تُجْبَااء «فهجَيرهم”" لا حول ولا قوة إلا بالله» ولأنهم يتصفون 
بالتسليم المطلق لله في ذواتهم وأحوالهم وأفعالهم فالله تعالى تولاهم. 
والأفراد ليسوا فقط مريدين بل هم أيضًا مرادون» وهم وإن كانوا «سالكين» 
يلاحظون مراحل سيرهم على الطريقء لكنهم في الأصل «مجذوبون» من 
الله تعالى. ومن صفاتهم أنهم لا يكشفون وجوههم عند النوم» ولا ينامون 
إلا على ظهورهم» إذ هذا الوضع هو الوضع الملائم للتلقي» ولهم في كل 
ليلة» بل في كل نومة من ليل أو نهار» معراج روحاني يُعرج بهم فيه» وهو 
عين إسراء النبي بيا فقد أسرى به» و» العلماء ورثة الأنبياء». والكتمان من 
أصولهم» وهم يسترون أحوالهم وعلومهم» إلا أنِيؤٌّمروا بالإفشاء والإعلان. 

ويخصص ابن عربي الباب التالي بعد ذلك لمعرفة الأفراد من 
الطبقة الثانية» وهؤلاء لهم - على عكس الطبقة لأولى - وظيفة خاصة 
بهم وهي وظيفة «التدبير» الذي جعله الله بأيديهم» ولكي يقوموا بهذه 
الوظيفة التي أوكلها الله إليهم؛ فإنهم مجبورون في ظاهر أمرهم - على 
الأقل- على أن يأخذوا زمام المبادرة بأيديهم» ويُظهروا سلطانهم في 
الأشياء؛ وهذا يعني أنهم يُضحون بالعبودية» - ولكن باسم العبودية 


)١(‏ استعمل ابن عربي هذا المصطلح في أحد مؤلفاته الباكرة: رسالة الولاية. 
() الهجّير هو: الشأن والعادة» والدأب. 


www.alimamaltayeb.com 


1۲ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
أيضًا- من أجل أن يتصفوا ببعض صفات الربوبية. وممن لقيهم ابن عربي 
من طائفة الركبان هذه أبو يحيى الصنهاجي» الضريرء الذي كان يسكن 
أحد مساجد إشبيلية"» وصالح البربري الذي ساح أربعين سنة» ثم لزم 
لسن الستاجد اقا أبمناء وآبو فة الله الشرقى الى كان يكشي 
من البلد إذا قرب عيد الأضحى» ثم يُرى في موسم الحج واقفا بعرفات» 
وكان مستجاب الدعوة حتى إن أصحابه كانوا يتسللون إلى مجلسه فى 
المسجد ويرفعون أصواتهم بالدعاء ليقول الشيخ «آمين»» فيضمنون إجابة 
مطالبهه”". ومنهم -أيضًا- أبو الحجاج الشبربلی» كان مشتغلا -دائما- 
بقلبه حتى إنه كان يذهل عما حوله» زاره ابن عربي برفقة أحد أصحابه» 
وقص علينا من أمر هذا الشيخ أنه «كان له بداره بالقرية بئر يستقي منها 
لوضوئه» فرأينا يجانب البئر شجرة زيتود قل علت وأوورقة وحملت» 
جسمها غليظ» فقال له صاحبي: يا سيدنا! لم غرست هذه الزيتونة في هذا 
الموضع وضيّقت بها على البئر؟ فالتفت إلينا ونظرء وكان ظهره قد انحنى 
من الكبرء فقال: فى هذا البيت ربيت» ووالله ما رأيت قط هذه الزيتونة 
إلا الآن». يقول ابن عربي: «فكان بهذه المثابة من الاشتغال بقلبه). 
وهؤلاء الأفراد الذين وكل الله إليهم وظائف التدبير» لاشك يفتقدون 
)١(‏ الفتوحات» ١‏ ص٠‏ ١5؛‏ ورسالة روح القدس» (ط. القاهرة) ص٣١٠‏ . 
(۲) الفتوحات» .١‏ ص۲۰۱ ۲ ص٥۰۱‏ ۳ ص ۰۳٤‏ هذا ويفرد ابن عربي في رسالته: روح 
القدس (ص 450١‏ 07) فقرة خاصة عنه» ولكن باسم «صالح العدوي». 
)۳( الفتوحات» ۰۱ ص٦‏ ۲۰ ۲ ص٤‏ ؛ روح القدس» ص07. 
() الفتوحات» ١‏ ص5 ٠۲۰‏ روح القدس» ص۳٥‏ . 


www.alimamaltayeb.com 


على شود کیان 1۲ 
صفة «الاختفاء» ولا يفيدون منها مثلما يفيد منها أفراد الطبقة الأولى في 
سترهم وحمايتهم» ومع ذلك فإن أصحاب الوظائف الذين يصفهم ابن 
عربي ب المدبّرين»» والذين يخرج من بين ظهرانيهم القطب والأوتاد 
والأبدال» هؤلاء برغم افتقادهم الستر والخفاء هم أيضًا من الملاميةه 
لأنهم يعرفون أنهم هم أنفسهم جزء من السباب الثواني التي ذكرناها 
من قبل والتي هي حجاب وستر للخلق من الله تعالى» وأنهم وإن كانوا 
يفعلون فإن الله -فى حقيقة الأمر- هو الذي يفعل» تماما كما قيل للنبي 
کل : #وما ميت e‏ بج أله رك # [الأنفال: »]١١‏ فلهم اسم 
المدبر المفصل» وهجيرهم دبرا لامر بفصِل آلب 4 [الرعد: ۲]. وهذا 
التدبير الذي يختصون به لا يكون إلا في أنظار الآخرين فقطء وإلا فالتدبير 
والحكم وصفان مختصان بالله تعالى. و» المدبرون» يرون العلامات 
الإلهية ويلاحظونها في كل شيء» وبعبارة أدق» كل الأشياء في أعينهم 
عات بينات. وقد عرض ابن عربي موضوع «العلامات الإلهية» هذا عرضا 
شائقا مير فيه - بدقة- بين دلالات كثيرة تضمنتها كلمة آية في استعمالاتها 
المتكررة في القرآن لكر ومزج فيه من خلال تفسيره لقوله تعالى: 
وین ایوہ مام بالل والہار ازم ين ف کے فى دات 
ياموم يَسَمَعورته )€ [الروم: ]۲١‏ بين استخراج معاني الأشياء في 
عالمناهذاوبين فن تأويل الرؤيا الذي يدخل ضمن عمل الأفرادواهتماماتهم. 
ويختتم ابن عربي هذا الباب ببيان أن من بين ما اختص به هؤلاء الأفراد من 
معارف «حقيقة ليلة القدر» وكشفهاء وسرهاء ومعناها». وفي هذا ا لاختصاص 


إشارة جد واضحة إلى الخاصة الكبرى للمدبرين» وهي نزولهم للخلق بعد 


www.alimamaltayeb.com 


٤‏ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحي الدّين بن العربي 
صعودهم للخالق» ورجوعهم إلى عالم الكثرة بعد وصولهم إلى «الوحدة). 
ويستعمل ابن عربي مصطلح «رجوع) - في الباب ٠٥‏ من الفتوحات -"") 
في وصف المرحلة الأخيرة من مراحل الطريق عند الأولياء الكُمّل من 
الوارثين» ليقارن بين الأولياء «الراجعين» والأولياء «الواقفين»» ويعني 
بهم الواقفين هناك بعد الوصول إلى أعلى المقامات. وهؤلاء الواقفون 
يشبه حالهم حال «الملائكة المهيّمين في جلال الله تعالى» والكروبيين» 
فلا يعرفون سواه» ولا يعرفهم سواه سبحانه». ومهما بلغت درجة التحقق 
الروحي عند الواقفين» فإنها لا تبلغ أبدا مرتبة الراجعين إلى الخلق بقصد 
تعليمهم وإرشادهم» سواء كان الراجع مختارا كأبي مدين» أو مجبورا كأبي 
يزيد البسطامي» فالرجوع في كل هذه الأحوال هو الصورة المثلى لوراثة 
الأنبياء في رجوعهم من أعلى المقامات إلى حيث يبلغون رسالات الله 
إلى الخلق» وكذلك كمال إرث الأنبياء والمرسلين إنما يكون في الرجوع 
إلى الخلق. والراجعون من الخالق إلى المخلوق يتحملون من الألم في 
نزولهم فوق ما يطيقون. فهذا أبويزيد «لما خلع عليه الحق الصفات التي بها 
ينبغي أن يكون وارثا وراثة إرشاد وهداية» خطا خطوة من عنده فغشى عليه 
(۱) هذا الباب (الفتوحات» »١‏ ص )707-70٠‏ ترجمه ميشيل فالسان - مع شرح وتعليق- 
ونشره في مجلة: 1720160121165 Eudes‏ عدد ۰۳۰۷ إبريل - مايو "21961 
ص .۱١۹ -١۲٠‏ وهذا المصطلح: «الرجوع إلى الخلق» يستعمله ابن عربي بوضوح 
في «رسالة في الولاية» (ص550- .۱۳١۹‏ وهذا المصطلح: «الرجوع إلى الخلق» 
يستعمله ابن عربي بوضوح في «رسالة في الولاية» (ص75 -۲۷). وليس من غرضنا 
هنا الوقوف على الفروق التي يسجلها ابن عربي بين الذين يصلون إلى الله عن طريق 
أسماء الذات» والذين يصلون عن طريق الأسماء الإلهية الأخرى. 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش 1۵ 
فإذا النداء: ردوا على حبيبي فلا صبر له عني». ولا ينبغي أن فهم الرجوع 
أو النزول على أنه «سقوط» أو ارتداد» بل لا ينبغي أن نعده بُعدا حقيقياء 
فالولي إذا رجع لا يفقد ما استمده هناك من قبل» ورجوعه تضحية لا عقوبة 
أو طرد واستبعاد. وهكذا يمكن القول بأن الطبقة الثانية من الأفراد» وهي 
طبقة «الراجعين» أفضل وأكمل من الطبقة الأولى» طبقة «الواقفين»'. 

ولكي تكتمل الصورة المتعلقة بدرجة الأفراد. يجب أن نكون على ذكر من 
أن «مقام القربى» يحتل مكانة بين مقام الصديقية- الذي يعده بعض الصوفية مثل 
الإمام الغزالي» قمة مرتب الولاية - وبين «نبوة التشريع»”"» أي فوق الصديقية 
ودون النبوة التشريعية» بل كان مقام القربى» كما يقول ابن عربي مقاما للنبي علا 
قبل أن ينزل عليه الوحي. ولقد رأينا كيف أن ابن عربي لم يترد في أن يُسمّى مقام 
القربى هذا النبوة العامة أو النبوة المطلقة”". ومهما يكن من أمر هذا الإطلاق 
)١(‏ يشبه الفرق بين حالة الواقفين وحالة الراجعين الفرق بين حالة السكر وحالة الصحوء 


وهما حالتان تسيطران على مراحل مختلفة من مراحل الحياة الروحية» بل حتى على 
مرحلة السالك المبتدئ» طبقا لأوقات السالكين واستعداداتهم الشخصية. لكن لا 
ينبغي أن نفهم أن بين حالة الواقفين والراجعين» وبين حالة السكر والصحو تماثلا 
تاماء بل الأمر لا يعدو مجرد التشبيه. وهذان الوصفان وهما: السكر والصحو - بالنسبة 
للأفراد- ليسا حالين متقلبين أو زائلين» بل هما مقامان دائمان» وحقيقتان موضوعيتان. 
() الفتوحات» ؟ ص8 ١.ء‏ انظر من كتابنا هذا الفصل الثالث ص 85. ومقام «الصديقية) مشتق 
من لقب الخليفة الأول أبى بكر الصديق د . هذا وقدتعرضت مقالة ابن عربى التى تؤكد 
على وجود مقام أعلى من مقام الصديقية المنسوب إلى أبي بكر إلى انتقادات لاذعة. 
وأكبر الظن أن سوء فهم ابن عربي» عن قصد أو عن غير قصد. كان من وراء هذه الانتقادات؛ 
فمقالة ابن عربي هذه لا تشكك أبدا في رفعة مقام: «الصديق)» كيف وابن عربي ينص في 
صراحة ووضوح على أن با بكر ّح من الأولياء الأفراد؟! انظر الفتوحات» ”.ص //7. 
)۳( الفتوحات» ۲« ص۱۹ . 


www.alimamaltayeb.com 


۳٦‏ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
فإن الذي لا شك فيه هو أن بين الأولياء وبين الأنبياء - بالمعنى الاصطلاحي 
للأا غا ناضاقة أن الأولاك لما ور لا وقد رة هذا 
الخط الفاصل غامضا أحيانا في بعض نصوص ابن عربي» الأمر الذي يفسر لنا 
سر الانزعاج الذي نراه عند مفكر مثل ابن تيمية أو غيره ممن يذهبون مذهبه. 

ولكي نلم بنظرية الولاية في أفقها المتسع عند ابن عربي» يجدر بنا» ونحن 
على مشارف الانتهاء من هذا الفصلء أن نلاحظ نوعين من الفروق والاختلافات 
في طبقة الأفراد من الأولياء» وهم الواصلون إلى نقطة النهاية في مراتب الولاية» 
وهي النقطة التي لا يمكن لأي ولي أن يتخطاها أو يتجاوزها بعد موت خاتم 
النبيين: فمن بين هذه الطبقة أفراد ورثوا الولاية المحمدية وراثة كاملة» وهؤلاء 
منحصر ون في دائرة مغلقة لا يّزاد عليها أويُضاف إليها. ومن بينها أفراد آخرون 
ورثوا الأنبياء السابقين من قبل» ودائرة هؤلاء- على عكس الدائرة الأولى- 
مفتوحة إلى يوم القيامة. هذا من ناحية» ومن ناحية أخرى نجد أن من بين الأفراد 
أفرادا لا تدبير لهم ولا حكم على الخلق ولا على أنفسهم. ومنهم أيضًا أفراد 
«راجعون» إلى هذا العالم السفلى بعد أن انطلقوا منه في معراجهم الروحاني. 
وهؤلاء الراجعون أكمل من الأفراد السابقين الذين لا حكم لهم ولا تدبير. 
وبرغم هذه التفرقة فإن طبقة الأفراد كلها مجتمعة» وبرغم ما يلحق «الراجعين» 
منهم من إبعاد في ظاهر الأمرء فإن هؤلاء وهؤلاء من الأفراء هم المقربون 
وهذا هو ما يقرره ابن عربي في بداية الباب "ا من الفتوحات» وهو الباب 
المخصص لدراسة هذا الموضوع. وهكذاء وفي طبقة الأفراد هذه تبدو العلاقة 
الوثقى بين مفهوم الولاية ومفهوم القربى في وجهها الصحيح» وتعبيرها الأتم. 


www.alimamaltayeb.com 


الفصل الثامن 
الخواتم الثلاثة 
من بين وظائف رجال الله الذين يذكرهم ابن عربي في مفتتح الباب 
الثالث والسبعين من الفتوحات» وظيفة بالغة الأهمية» ونعني بها ١ختم‏ 
الأولياء» الذي مررنا عليه» من قبل مر الكرام في أثناء حديثنا عن الحكيم 
الترمذي. ونقول - بدءا - إن استعمال كلمة «ختم» بصيغة المفرد هكذا 
وإن كانت ترجحه تسويغات كثيرة في مذهب أهل التصوفء إلا أنه 
استعمال قاصر لا يفي بالمطلوب» لأن للولاية في بعدها التاريخي - كما 
سنعرف - خواتم ثلاثة. 
وعلى خلاف كثير من المصطلحات التي عرضت لنا من قبل» فإن 
مصطلح «ختم الأولياء» أو «ختم الولاية» اللذين يستخدمهما ابن عربي 
في مؤلفاته لم يرد أي منهما لا في القرآن الكريم ولا في السنة النبويةء مما 
يعني أن هذا الاصطلاح أو التسمية تسمية مبتدعة. وقد نظر كثير من العلماء 
والفقهاء إلى هذين الاصطلاحين من منظور البدعة والابتداع بالفعل. ولا 
يزالون ينظرون إليهما من المنظور نفسه حتى يومنا هذا. والنص الوحيد 
الذي يمكن أن نستند إليه في هذا المعترك» وإن كان غير مقنع لكثير من 
العلماء» هو الحديث النبوي «العلماء ورثة الأنبياء»» ولكن على أن يكون 
المقصود من «العلماء» في الحديث» أصحاب العلم الحقيقي وحدهمء 


www.alimamaltayeb.com 


11" الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
ونعني بهم -تحديدا- «الأولياء والعارفين بالله تعالى». وأيضًا إذا كان 
للنبيين خاتم هو محمد بيا [الأحزاب: »2"7]5٠‏ فيتبع ذلك أن يكون لورثتهم 
خاتم هو «خاتم الأولياء». 

ولقد كان الحكيم الترمذي أول من تنبه إلى ذلك في القرن الثالث 
الهجريء غير أن النصوص التي تبحث في مؤلفاته» هذا الاصطلاح أو 
المفهوم الجديد» كلها نصوص شديدة الغموض والإبهام. وكيفما كان 
أمر هذه النصوص.ء فإن متابعة سير البحث في هذا الموضوع تقتضي أن 
نذكر هنا- إضافة إلى ما سبق- أن شخصا سأل الحكيم الترمذي» وقال 
له: «(وما صفة ذلك الولي الذي له إمامة الولاية ورياستها وختم الولاية؟). 
فأجابه الحكيم: «ذلك من الأنبياء قريب يكاد يلحقهم». قال السائل: «فأين 
مقامه؟»» قال الحكيم: «مقامه في أعلى منازل الأولياء في ملك الفردانية» 
قد انفرد في وحدانيته» ومناجاته كفاحا في مجالس الملك [...] قد اتكشف 
له الغطاء عن مقام الأنبياء» ومراتبهم وعطاياهم وتحفهم)”". ونتوقف في 


)١(‏ فيما يتعلق بمفهوم «خاتم النبيين» وما يتفرع عنه من أبعاد ومسائل صوفية» انظر: 
Friedmann‏ . لا ,511111111512111 Jerusalem Finality of Prophethoos in‏ 
Studies in Arabic and Islam,‏ ,7 ,1986 .177-215 

(؟) الترمذي» ختم الأولياء ص۳1۷ 1۸". وقد يُفهم من كلام الترمذي -بعد هذا النص 
مباشرة- أن وظيفة ختم الأولياء لا تنحصر في شخص متفرد ووحيدء وإنما يتعاقب 
عليها - على طول التاريخ- أشخاص يحملون هذا اللقب. غير أن إجابة الترمذي عن 
السؤال الآخر: (فهل تخاف هذه الطبقة من الأولياء على أنفسها؟) تبين أن الموضوع 
المسئول عنه قد تغير كلية» وأن مضمون الإجابة لم يعد يختص بختم الآولياء على وجه 
الخصوص» بل يتسع - بشكل عام - لطائفة الآفراد الذين ينتمي إليهم ختم الأولياء بالفعل. 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۹4 
هذا النص عند قوله «من الأنبياء قريب»» وأيضًا عند كلمة «الفردانية» (التي 
يشرحها الترمذي بكلمة مشتقة من الأصل نفسه الذي اشتق منه ابن عربي 
مصطلح الأفراد)؛ فهذان التعبيران يتصلان بعلاقة وثقى بنظرية الولاية 
ومقولاتها في تصوف الشيخ الأكبر» كما رأيناها عنده من قبل» وكما نراها 
في هذا الفصل في وضوح أكثر. 

لكننا نتساءل -قبل ذلك- من هو «ختم الأولياء؟». هنا يصمت الحكيم 
فلا يجيب بشيء» وإن اكتفى بطرح سؤال أورده في قائمته المعروفة» يقول 
فيه: (ومن الذي يستحق خاتم الولاية كما استحق محمد ية خاتم النبوة؟) 
لكن هذا السؤال الذي ظل بلا إجابة عند الحكيم» وجد جوابه عند ابن عربي 
مرتين: مرة في كتابه الذي ألفه سنة ٠ه‏ بعنوان «الجواب المستقيم عما 
سأل عنه الترمذي الحكيم)”"» وفي هذا الكتاب يكتفي ابن عربي في الإجابة 
عن السؤال بقوله: «المستحق لذلك رجل يشبه آباه» وهو أعجمي. هو نسق 
في خلقه؛ [...] تّمت به دورة المُلك؛ وتختتم به الولاية. وله وزير اسمه 
يحيى. روحاني المحتد» إنسي المشهد). أما المناسبة الثانية» ففي كتاب 
الفتوحات» ونص ابن عربي هنا يتميز بأنه أكثر وضوحاء وأحفل بالمعطيات 
المهمة التي نفتقدها في نص «الجواب المستقيم». يقول الشيخ الأكبر: 

«الختم ختمان» ختم يختم الله به الولاية» وختم يختم الله به الولاية 
المحمدية. فأما ختم الولاية على الإطلاق» فهو عيسى 362 فهو الولي 
)١(‏ نعتمد في إحالتنا إلى كتاب «الجواب المستقيم» على النص الذي نشره عثمان يحيى» 


وأورده عقيب كل سؤال من أسئلة الترمذي. (النص المقتبس أعلاه من ص١١٠‏ من 
كتاب ختم الأولياء). 


www.alimamaltayeb.com 


31 الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
بالنبوة المطلقة في زمان هذه الأمة» وقد حيل بينه وبين نبوة التشريع 
والرسالة» فينزل في آخر الزمان وارثا خاتما لا ولي بعده بنبوة مطلقة 
[...]. وأما «ختم الولاية» المحمدية» فهي لرجل من العرب من أكرمها 
أصلا ويداء وهو في زماننا اليوم موجود» عرفت به سنة 0454ه» ورأيت 
العلامة التي له» قد أخفاها الحق فيه عن عيون عباده» وكشفها لي بمدينة 
فاس» حتى رأيت خاتم الولاية منه» وهو خاتم النبوة المطلقة» لا يعلمها 
كثير من الناس» وقد ابتلاه الله بأهل الإنكار عليه فيما يتحقق به من الحق 
في سره من العلم به. وكما أن الله ختم بمحمد بء نبوة الشرائع» كذلك 
ختم الله بالختم المحمدي الولاية التي تحصل من الورث المحمدي لا 
التي تحصل من سائر الأنبياء» فإن من الأولياء من يرث إبراهيم وموسى 
وعيسىء فهؤلاء يوجدون بعد هذا الختم المحمدي» وبعده فلا يوجد 
ولي على قلب محمد يَلَِةِ. هذا معنى خاتم الولاية المحمدية. وأما «(ختم 
الولاية») العامة الذي لا يوجد بعده ولي فهو عيسى 6 ولقينا جماعة 
ممن هم على قلب عيسى 4 وغيره من الرسل 4##. وقد جمعت بين 
صاحبي «عبد الله) لبدو اشيا وانساقيل بو ردک وبين هذا 
الختم ودعا لهما وانتفعا به والحمد لله)”©. 
)١(‏ من أبرز أصحاب ابن عربى المقربين» توفى بملطية سنة 7/514 .١77١‏ انظر فى قصة 
وفاتة القتوحات» ١ص 57١‏ والدرة القاخرة (الترجمة الإفجليزية) ص 188 رقم .۷١‏ 
(؟) إسماعيل بن سودكين (ت1548/74١١)‏ تلميذ آخر وثيق الصلة بابن عربي ومقرب 
إليه. كتب شرحا لابن عربي على كتاب التجليات» وقد سمعه شفاها من الشيخ. وهو 
شرح نفيس جدا. 


)۳( الفتوحات» ۳ ص۹٤‏ . 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۳ 

وإذن فنحن أمام ختمين» ختم واضح لا لبس فيه هو عيسى #4 الذي 
يشبه أباه» أي يشبه الروح التي نفخها الملك في أمه مريم» والذي كان مؤيدا 
-أيضًا- في فترة تبليغ رسالته بالنبي يحيى . وأما الختم الثاني فهو 
رجل من العرب يعيش مع ابن عربي في القرن السادس الهجري» ويصفه 
في جوابه عن السؤال الخامس عشر من أسئلة الترمذي بصفات كثيرة» منها 
أن اسمه يواطئ اسم النبي مَك وهو ليس من سلالة النبي كَلَِةِ الحسية» 
ولكنه من سلالة أعراقه وأخلاقه عيا. 

ويتضح من كلام ابن عربي هذا الموضع أن ١اختم‏ الأولياء» غير 
المهدي المنتظرء لأن هذا الأخير من ذريته بيه ونسله الحسي. وما 
يقوله ابن عربي هنا يؤكده في مكان آخر في قصيدة يقول مطلعها: 


ألا إن «ختم الأولياء» شهيد وعين إمام العالمين فقيد 
هو السيد المهدي من آل أحمد هو الصارم الهندي حين يبيد" 


غير أن كل ذلك لا يُمكننا من معرفة المشخصات الحقيقية لختم 
الولاية المحمدية» ولا من التميز -في وضوح- بين الوظائف الروحية 
الخاصة بكل منهما على حدة. فهذان الختمان سوف يصير الأمر فيهما إلى 
خواتم ثلاثة تزداد معها المشكلة صعوبة وتعقيدًا. 

ولعل من الأفضل أن نبدأ أولا بجمع العناصر والحيثيات اللازمة لبحث 
هذا الموضوع قبل أن نبداً في عرض المناقشات التي تثيرها نصوص ابن 
)١(‏ الفتوحات ”. ص١65.‏ 


002 الفتوحات» 5 ص۲۲۸ . 


www.alimamaltayeb.com 


۲۲ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
عربي الغامضة والمتناقضة أيضًاء وذلك بالرغم مما قد نسببه للقارئ من لبس 
أو غموض أو تكرار لما قلناه من قبل. ولقد نعلم أن بعضا من هذه الحيثيات 
كتب من قبل وعرّف فى أعمال بعض الباحثين» من أمثال أبو العلا عفيفى 
وكوربان وإزوتسو"". لكن كل هذه الحيثيات كانت قاصرة على اقتباسات 
مختصرة لا تمثل إلا جزءا ضئيلا مما هو مطلوب في معرفة هذا الموضوع. 
ونبدأ من نصوص ابن عربي بالنص الذي يقول فيه: «ومنهم [من الرجال] 
د الختم» وهو واحد» لا في كل زمان» بل هو واحد في العالم» يختم الله 
به الولاية المحمدية» فلا يكون في الأولياء المحمديين أكبر منه. وثم ختم 
آخر يختم الله به الولاية العامة من آدم إلى آخر ولي - وهو عيسى ع هو 
ختم الآولياء» كما كان ختم دورة المُلك» ومجيئه من علامات الساعة). 
«وأما ختم الولاية المحمدية فهو أعلم الخلق بالله» لا يكون في زمانه 
ولا بعد زمانه أعلم بالله وبمواقع الحكم منه» فهو والقرآن أخوان, كما أن 
)١(‏ أبو العلا عفيفي: الفلسفة الصوفية لابن عربي (بالإنجليزية) ص48- 2٠١١‏ ومقدمة 
هنري كوربان لكتاب «نص النصوص» لحيدر آملي؛ وأيضًا: En Islam 1۲411٤٩‏ 
(فهرس المصطلحات» مادة: 5©66©211)؛ إزوتسو: 12015122' 220 511413111 الفصل 
Stéphane Ruspoli ١5‏ فى مقاله "Ibn Arabî et la prophétologie shî’‏ 
"ا1 المنشور فى مجلة "12۴ 1e‏ 1 ع0 Cahiers‏ '. باريس» ۱۹۸۱ »ص٤‏ 7794-77 
وفي هذا المقال ترجمة - غير أمينة في تحديد المواضع والصفحات- لبعض نصوص 
الفتوحات» 21 ص۱۹ = ۹+ ۲ ص59. كما يعتمد كاتب المقال- في تر جمته 
لبعض الفقرات من فصوص الحكم - على النقل المباشر من ترجمة 1311112106 


الجزئية - لكتاب الفصوص. 
002 الفتوحات» 7 ص4 1 


www.alimamaltayeb.com 


عاق شود كيفيتن يفف 
المهدي والسيف أخوان»”". والمقصود من مواقع الحكم في هذا النص 
الأنبياء ولكن بما هم أولياء» أي في دوائر أسرارهم الإلهية التي هي مناط 
الولاية فيهم. وفي هذا المستوى تختبى فصوص الحكم التي يحدثنا عنها 
ابن عربي في الفص ۲۷ من كتابه الفصوص . أما الأنبياء بما هم أنبياء» أي 
بما هم مبلغون للوحي الإلهي المقدس» فهم - على العكس من الحالة 
الأولى- «مطالع الحكم). فهم «شرقيون») في حد النبوة» و«غربيون» في 
خن الرلكة, آنا NEY‏ التي تطابق ما بين القرآن الكريم 
والختم» فهي مرتبطة بما مرّ من ثبوت التوافق بين الإنسان الكامل 
والقرآن”"» كما ترتبط هذه الإشارة أيضًا ببيت شهير من قصيدة في مطلع 
کنا الفتوحات”". يقول فيه ابن عربي: 
أنا القرآن والسبع المثاني وروح الروح لاروحالأواني 
والقول بأن عيسى ي هو ختم الولاية العامة» يُؤكده ابن عربي في 
مواضع كثيرة من كلامه. لكن تصاحبه في كل موضع تحديدات خاصة 
ودقائق معينة» لا مفر من أخذها في الحُسبان وعدم المجازفة بأيّ منها: 
ففي الباب الرابع عشر من الفتوحات» وهو «في معرفة أسرار الأنبياء»» 
أي أنبياء الآولياء» (وسيتضح أن الكلام هنا يدور حول الولاية في أقصى 
درجاتها العلياء أي الولاية بوصفها نبوة لا وَحي فيها ولا تشريع)» يقول 
ابن عربي: «وإن عيسى تلم إذا نزل» ما يحكم إلا بشريعة محمد لف وهو 
(۱) الفتوحات» ۳» ص74 ". 


)۲( انظر الفصل الرابع من هذا الكتاب» ص ٠١١‏ هامش .١‏ 
(۳) الفتوحات ١‏ ص4. وقد ورد هذا البيت أيضًا في كتاب الإسراء ص٤‏ . 


www.alimamaltayeb.com 


۲٤‏ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
[عيسى] خاتم الأولياء» فإنه من شرف محمد ية أن ختم ولايته والولاية 
مطلقا بنبي ورسول مكرّم. ختم به مقام الولاية» فله يوم القيامة حشران: 
يحشر مع الرسل رسولاء ويحشر معنا وليا تابعا لمحمد ٤‏ كرّمه الله 
تعالى وإلياس بهذا المقام على سائر الأنبياء»0". 

ثم نمضي مع نصين آخرين من نصوص ابن عربي في مسألة العلاقة 
بين «(ختم الولاية العامة»), وا ختم الولاية المحمدية)» قد يصعب التوفيق 
بين مدلوليهما. أما النص الأول» فهو: 

«وللولاية المحمدية المخصوصة بهذا الشرع المنزل على محمد 
ية ختم خاص هو في الرتبة دون عيسى 4 لكونه رسولاء وقد ولد في 
زمانناء ورأيته أيضًا'"» واجتمعت به» ورأيت العلامة الحتميّة التي فيه» فلا 
ولي بعد إلا هو راجع إليه» كما أنه لا نبي بعد محمد بيا إلا وهو راجع إليه 
[...] كإلياس وعيسى والخضر في هذه الآمة»2. 


0 


وأما النص الثاني» فهو قوله: «ثم إن عيسى إذ نزل إلى الأرض في 
آخر الزمان أعطاه [الله] ختم الولاية الكبرى من آدم إلى آخر نبي» تشريفا 

. ٠١٠ص‎ ١ الفتوحات»‎ )١( 

(؟) يُفهم من كلمة «أيضًا» أن ابن عربي رأى عيسى كذلك. وفيما يتعلق برؤية ابن عربي 
للأنبياء» انظر الفصل الأول من هذا الكتاب» وهامش ” من ص٤"»‏ وانظر في علاقته 
بعيسى 4# الفصل الخامس من هذا الكتاب أيضًاء وهامش ۲ من ص۷١٠‏ . 

(۳) الفتوحات »١‏ ص80 1. ونلاحظ أن الجملة الأخيرة في هذا النص تشير إلى إمكان 
وجود حالات متشابهة» أو -بعبارة أدق- مظاهر خاصة للوظائف الكونية في الأمم 
السابقة» حسبما يؤخذ - بدلالة المفهوم- من قوله «الآمة المحمدية»» وقد ضرب 
الشيخ الأكبر أمثلة لهذه الوظائف: إلياس وعيسى والخضر. 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش 0 
لمحمد جي حيث لم يختم الله الولاية العامة في كل أمة إلا برسول تابع إياه 
يِه فله ختم دورة المّلك وختم الولاية العامة. وأما ختم الولاية المحمدية 
وهو الختم الخاص لولاية أمة محمد الظاهرة"» فيدخل في حكم ختميته 
عبسى 4# وغيره كإلياس والخضرء ولك ولي لله تعالى من ظاهر الأمة» 

وهناك كتاب ألفه ابن عربى قبل رحلته الأخيرة إلى بلاد الشرق» يدير 
فيه البحث من أوله إلى آخره على محور وحيد هو «الختم). هذا الكتاب 
هو «عنقا مُغرب»"» وعنوانه الكامل «كتاب عنقا مُغرب في ختم الأولياء 

وشمس المشرق». 

وتدلنا كلمة «شمس المغرب» على خاصة «التنبؤ» لهذا الكتاب» 
ونعنى بها الإشارة إلى المهدي المنتظر. ثم إن الإشارات الخفية التي 

)١(‏ أي الأمة الإسلامية بالمفهوم التاريخي -الزمني- لهذه التسمية» ولهذا القيد: (الظاهرة) 
-المذكور في النص أعلاه- أهمية كبرى» لأننا إذا ضربنا صفحا عن الجانب التاريخي 
الظاهري فإن كل الأمم المرتبطة بالوحي الإلهي» في تسلسله وتعاقبه» تعد أمة محمدية 
حسبما تقرره نظرية «الحقيقة المحمدية). 

(۲) الفتوحات» ۳» ص 5405١5‏ ص ۱۹١‏ . 

(۳) اعتمدنا هنا على الطبعة التجارية لكتاب عنقا مغرب (القاهرة .)۱۹١ ٤‏ ورجعنا أيضًا إلى 
مخطوطة راغب باشا ١507‏ ورقة (۱۳۳- ۱۸١‏ ب)» ومخطوطة برلين (2/077757) التى 
يرجع تاريخها إلى سنة ٥۹۷‏ ه وهذه النسخة مقروءة على المؤلف. ومن المحتمل أن يكون 
ابن عربي قد ألف هذا الكتاب سنة 046 (انظر ص 17-١5‏ من طبعة القاهرة). هذا ويصرح 
ابن عربي في مقدمة الكتاب أنه كان في نيته أن يتكلم عن مقام «الإمام المهدي» و١ختم‏ 
الأولياء» في كتابه: «التدبيرات الإلهية» لكنه تراجع عن ذلك. انظر عنقا مُغرب» ص ٠)١‏ . 

(4) هذه التسمية مرتبطة بالحديث الوارد في علامات الساعة التي سأله عنها (ص١٠)‏ = 


www.alimamaltayeb.com 


كرف الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
يزخر بها هذا الكتاب إنما تتعلق - في المقام الآول- بختم الولاية العامة 
فقط. وفي هذا الكتاب يُحصى ابن عربي تسعة وعشرين موضعا في القرآن 
الكريم (لا يحددها) في أربع عشرة سورة يذكرها بأسمائهاء ويقول إنها 
تتضمن ذكرا عن الختم. وبتتبع السور التي أشار إليها يمكن أن نخلص إلى 
أن المقصود من الختم هنا هو عيسى» ففي هذه السور ذكر صريح أو مضمر 
عنه 24. ويصرٌ ابن عربي على ضرورة عدم الخلط بين وظيفة الختم 
ووظيفة المهدي» كما يصر على حَطَإٍ تفسير مفهوم «الختم» تفسيرا زمنيا 
مرتبطا بتسلسل فترات التاريخ «فليس الختم بالزمان» وإنما هو باستيفاء 
مقام العيان»”"؛ وأخيرا يستلفت نظرنا في هذا الكتاب تحذيرٌ ابن عربي 
للقارئ من أن يغفل عن حقيقة مهمة» مضمونهاء أن كل شيء يقال عن 
العالم الأكبر له يقابله في العالم الأصغر (الإنسان)» إذ في كل كائن مهدي 
وختم... إلخ. وهذا التحذير ينبغي أن يُؤْخذ في الحسبان كلما أثار ابن 
عربي موضوع الوظائف الكونية» أو أثار قضية من قضايا البعث والمعاد 
الأخروي. يقول الشيخ الأكبر: «فمتى ذكرت في كتابي هذا أو في غيره 
حادثا من حوادث الأكوان, فإنما غرضي أن أثبته في سمع السامع» وأقابله 
=«رجل من آهل تبريزاء ولم يجبه ابن عربي» لأنه كان يعرف أن السائل لم يكن من آهل 
المعارف الحقيقية» وكان يسأل بدافع من التأمل العقلي الصرف. 
)١(‏ عنقا مغرب» ص۷۲- .۷٤‏ لاحظ أن ابن عربي يوائم بين عدد السور )١5(‏ وبين 
الأحرف الفردة أو النورانية وعددها أيضا )١5(‏ حرفاء كما يوائم كذلك بين العدد (۲۹) 
وبين عدد السور التي تبدأ أوائلها بهذه الأحرف. 


(۲) عنقا مغرب ص الا. 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۷ 
بمثله فى الإنسان [...] فانظر إلى مُلكك الأدنى إليك». 


ويعود بنا النص التالي إلى «ختم الولاية» المحمدية كرة أخرى. وهذا 
النص عبارة عن مقتطفات من كتاب الفصوص تعالج مسألة العلاقة بين 
وظيفة «ختم الولاية» المحمدية» ووظيفة «ختم الأنبياء»» وهو محمد كَل 
أو بتعبير أدق الحقيقة المحمدية. يقول الشيخ الأكبر": 

...١‏ فإذن المتجَلّي له ما رأى سوى صورته في م رآه الحق» وما رأى الحق 
ولايمكن أن يراه مع علمه أنه ما رأى صورته إلا فيه» كالمرآة في الشاهد إذا 
رأيت الصورة فيها لا نراها مع علمك أنك ما رأيت الصّوّرٌ أو صورتك إلا 
فيها. فأبرز الله ذلك مثالا تَصَّبه لتجلّيه الذاتي لِيَعلم المتجَلّي له أنه ما رآ 
[...] وقد بيّنا هذا في الفتوحات المكية'"» وإذا ذقت هذا ذقت الغاية التي 
ليس فوقها غاية في حق المخلوق. فلا تطمع ولا تتعب نفسك في أن ترقي 
في أعلى من هذا الدرج» فما هو ثَّم أصلاء وما بعدها إلا العدم المحض. 

«فهو مرآتك في رؤيتك نفسك» وأنت مرآته في رؤيته أسماءه وظهور 
أحكامها وليست سوى عينه. فاختلط الأمر وانبهم: فمتا من جهل في 
علمه» فقال: «والعجز عن درك الإدراك إدراك», ومنا من علم فلم يقل 
مثل هذا القول» وهو أعلى القول [أي القول بأن «العجز عن درك.. إلخ»» 
)١(‏ المصدر السابق» ص۷» وفكرة مطابقة الإنسان لتركيب العالم الأكبر فكرة سائدة في 

معظم كتاب: التدبيرات الإلهية» وهو كتاب ألف في الفترة نفسها التي ألف فيها عنقا 

مُغرب» وإن كان كتاب التدبيرات الإلهية سابقا في التأليف على كتاب عنقا مُغرب. 
0) الفصوص. ١‏ ص 15-5١‏ (الفص الشيثى). 1 
(۳) انظر على سبيل المثال لا الحصر: الفتوحات» ١ص ٠٠٦۳‏ 


www.alimamaltayeb.com 


۸ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
والذي يُنسب إلى أبي بكر الصديق يِب هو أعلى القول» بل أعطاه العلم 
السكوت. ما أعطاه العجزء وهذا هو أعلى عالم بالله. 

اوليس هذا العلم إلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء» وما يراه أحد من 
الآنياء والرسل ]لأ من مشكاة الرسول الكاض» ولا يراه أحد .من الأولياء 
لاد كاد ات راا فة الرسالة والتبرت أضض نبوةالشريع 
ورسالته- تنقطعان» والولاية لا تنقطع أبدا. فالمرسلون» من كونهم آولياء 
لا يرون ما ذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأولياء» فكيف من دونهم من 
الأولياء؟ وإن كان خاتم الأولياء تابعا في الحكم لما جاء به خاتم الرسل 
من التشريع» فذلك لا يقدح في مقامه ولا يناقض ما ذهبنا إليه: فإنه من وجه 
يكون أنزل [من خاتم الرسل] كما أنه من وجه يكون أعلى. وقد ظهر في ظاهر 
شرعنا ما يؤيد ما ذهبنا إليه في فضل عمر في أساري بدر بالحكم فيهم؛ 
وفي تأبير النخل. فما يلزم الكامل أن يكون له التقدم في كل شيء وفي كل 
مرتبة» وإنما نظر الرجال إلى التقدم في رتبة العلم بالله: هنالك مطلبهم. 
وأما حوادث الكونء فلا تعلق لخاطرهم بها. فتحقق ما ذكرناه. 

«ولما مثل النبي بيا النبوة بالحائط من اللّبن وقد كَمْلَ سوى موضع 
لَبتةء فكان بلا تلك اللبنة“. غير أنه بل لا يراها كما قال لبنة واحدة. وأما 
خاتم الأولياء فلابد له من هذه الرؤياء فيرى ما مثله به رسول الله ییا ويرى 
في الحائط موضع لبنتين» واللّبن من ذهب وفضة» فيرى اللبنتين اللتين 
تنقص الحائط عنهما وتكمّل بهماء لبنة ذهب ولبنة فضة. فلابد أن يرى 


www.alimamaltayeb.com 


و ۹ 
نفسه تنطبع في موضع تينك اللبنتين» فيكون خاتم الأولياء تينك اللبنتين 
فيكمل الحائط. والسبب الموجب لكونه رآها لبنتين أنه تابع لشرع خاتم 
الرسل في الظاهر وهو موضع اللبنة الفضة» وهو ظاهره وما يتبعه فيه من 
الأحكام» كما هو آخذ عن الله في السر ما هو بالصورة الظاهرة متبع فيه» لآنه 
برف الأمر على ماهو عليه اي أن را ار مر الل اة 
في الباطنء فإنه أخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي به إلى 
الرسول. فإن فهمت ما أشرث به فقد حصل لك العلم النافع بكل شيء. 

«فكل نبي من لدن آدم إلى آخر نبئ ما منهم أحد يأخذ إلا من مشكاة 
خاتم النبيين» وإن تأخر وجود طينته» فإنه بحقيقته موجود, وهو قوله كَِ: 
اكنت نبيا وآدم بين الماء والطين»”©. وغيره من الأنبياء ما كان نبيا إلا حين 
بُعث. وكذلك خاتم الأولياء كان وليا وآدم بين الماء والطين» وغيره من 
الأولياء ما كان وليا إلا بعد تحصيله شرائط الولاية من الأخلاق الإلهية في 
الاتصاف بها من كون الله تعالى تَسمّى «بالولي الحميد». 

«فخاتم الرسل من حيث ولايته» نسبته مع الخاتم للولاية نسبة الأنبياء 
والرسل معه» فإنه الولي الرسول النبي. وخاتم الأولياء الولي الوارث 
الآخذ عن الأصل المشاهد للمراتب. وهو حسنة من حسنات خاتم الرسل 
محمد وَل مقدَّم الجماعة وسيّد ولد آدم في فتح باب الشفاعة». 

إن الفقرة الأخيرة من هذا النص المطول ذات أهمية بالغة في مسألة 


(۱) انظر - فيما يتعلق بهذا الحديث الفصل الرابع من كتابنا هذاء وكذلك هامش »١‏ ص/8» 
من الكتاب نفسه. 


www.alimamaltayeb.com 


۴۰ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
تصحيح المفاهيم» ووضع الأشياء في موضعها الصحيح؛ ففي ضوء 
مضمونها البيّن الصريح يغدو اتهام ابن عربي بالقول بتبعية الرسل والأنبياء 
لختم الولاية المحمدية وأخذهم عنه» وما يترتب على هذا الاتهام من 
القول بأفضلية الأولياء على الأنبياء والرسل» كل ذلك يغدو - ومن منظور 
التصوف الإسلامي ذاته -سَوءة من السوءات الفكرية تكشف عن سوء فهم 
أو عن سوء قصد. بل إن هذا الادعاء ليتناقض تناقضا صارخا مع ما تقرره 
نصوص قاطعة وحاسمة في أدبيات التصوف الإسلامي من أفضلية الرسل 
والأنبياء على الأولياء فختم الولاية» كما نقرأ في هذا النص» ليس إلا 
«حسنة من حسنات خاتم الرسل محمد كلها وإننا لنقراً في الفتوحات”) 
كلمات تكشف القناع عن هذا اللبس وتوضح حقيقة الأمر فيه» يقول فيها 
الشيخ الأكبر: «ولهذا الروح المحمدي [وهي تسمية يطلقها ابن عربي 
على الحقيقة المحمدية] مظاهر في العالم. أكمل مظهره في قطب الزمان» 
وفي الأفراد. وفي ختم الولاية المحمديّ» وختم الولاية العامة الذي هو 
عيسى 4 ) . 

إن هذا النص ليقرر في وضوح أن ختم الولاية المحمدية - بما هو 
فرد متوحد في التاريخ- فإنه مجرد نائب» أو مجرد تكريس لظهور الختمية 
-أي وظيفة الختم- ظهورا حسيا في هذا العالم» فهو لا ينتمي - أزلا 
وأبدا- إلا للحقيقة المحمدية فقطء مثله في ذلك مثل القطب وغيره من 
(۱) الفتوحات» ١‏ ص۱١٠۰‏ انظر أيضًا الفتوحات» ۳» ص5 ١‏ 5» حيث يقول ابن عربى عن 

ختم الولاية المحمدية: ومنزلته من رسول الله 44 منزلة شعرة واحدة من جسده لاء 

راجع كذلك الفتوحات» »١‏ ص". 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۲۳١‏ 
أصحاب الرتب الروحية في ديوان الأولياء. فمحمد ئي هو في ظاهر 
الأمر خاتم النبيين» وفي باطن الأمر ختم الولاية العامة والمحمدية. وإذن 
فالعبارات التي وردت في نص الفصوص. والتي بدت لنا مزعجة أو 
خارجة على الحد الشرعي» لم تكن لتقرر تبعية النبي أو الرسول لشخص 
کا نك كل ا او کا ر 
في عين النبي ذاته- خضوع الوجه الظاهر للنبي» للوجه الباطن في النبي 
نفسه» أي خضوع النبوة بما هي وصف للمخلوق ينتهي بانتهاء الزمان» 
للولاية التي هي صفة إلهية أبدية باقية لا يلحقها العدم ولا الفناء. وبنفس 
هذا المنظور ينبغي أن ننظر إلى المفارقة التي تبدو في أمر العلاقة بين ختم 
الولاية العامة» وهو عيسى 2( وختم الولاية المحمدية: فختم الولاية 
المحمدية إذا نُظر إليه بما هو ممثل لختمية الولاية فقط» وبقطع النظر عن 
أي اعتبار آخر وراء اعتبار الختمية» وبمعنى آخر إذا نُظر إليه باعتبار أنه 
ليس رسولا ولا نبياء فإنه -حينئذ- يتبوأ مرتبة أقل وأدون؛ وهو في هذه 
المرتبة لا شك يخضع لختم الولاية العامة» عيسى لأنه نبي ورسول. لكن 
إذا نُظر إليه بوصفه المظهر الذي يُجسّد على مدى التاريخ أعمق وجوه 
الحقيقة المحمدية وأحفلها بالأسرار» ونعني به الوجه الذي تستمد منه 
الولاية حقيقتها وأصلها الأصيلء فإن الختم المحمديٌّ -حالتئذ- «يدخل 
في حكم ختميته عيسى 64 وغیره [...] فعيسى 2ك وإن كان ختما فهو 
مختوم تحت ختم هذا الخاتم المحمدي). 

وتبقى في هذا الموضوع مسائل كثيرة تحتاج إلى توضيح. ولكن 


www.alimamaltayeb.com 


۲ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 

قبل أن نعرض لمسالة تحدين. هر «الختم المحمدي)» وتحديد من 

يختم بهذين الختمين» كل على حدة» تجب الإشارة إلى شخص ثالث 

تطلق هلبد هاا اللي وشي يد وليلنا لا بط عالضا أو ا 

الصواب إذا قلنا إن ابن عربي لم يتحدث عن هذا الختم «الثالث» إلا مرة 

واحدة فقط» وذلك فى السطور الأخيرة من الفصل نفسه الذي اقتبسنا منه 
الفقرات السابقة. يقول ابن عربي: «وعلى قدم شيث يكون آخر مولود 
يُولد من هذا النوع الإنساني» وهو حامل أسراره» وليس بعده ولد في هذا 
النوع» فهو خاتم الأولاد. وتولد معه أخت له فتخرج قبله» ويخرج بعدهاء 

ويكون وأسه عت وتجعليهاء ويكون مولده بالصين» ولغته لغة آهل بلده» 

ويسري العقم في الرجال والنساءء فيكثر النكاح من غير ولادة» ويدعوهم 

إلى الله فلا يجاب. فإذا قبضه الله تعالى وقبض مؤمني زمانه بقى من بقى 

مثل البهائم لا يُحلّون حلالا ولا يُحرّمون حراما. يتصرفون بحكم الطبيعة» 

شهوة مجردة من العقل والشرع. فعليهم تقوم الساعة». 

)١(‏ إضافة إلى هؤلاء يُوجد «ختم آخر)» يقول عنه ابن عربي: إنه ختم الأسماء الإلهية» 
واسمه «هو). وهو الاسم الذي يدل على «الهوية» المطلقة للموجود بما هو موجود؛ 
فهو يدل على الله تعالى» وعلى كل ما يُشار إليه بضمير الغائب» وكل من له هوية. 
(الفتوحات» ”7 ص .)0١‏ 

(؟) الفصوصء ١‏ ص57. نلاحظ هنا أن التمثيل بالصين كنقطة قصوى وبعيدة في المعرفة 
الصوفية مستمد من الحديث الشريف: «اطلبوا العلم ولو في الصين» (وهذا الحديث 
وإن لم يرد في الصحاح الستة» إلا أنه رواه البيهقي» ونقله عنه السيوطي في كتابه: الفتح 
الكبير» ١‏ ص”97١).‏ هذا ويرى بعض شراح ابن عربي أن ثمة إشارة أخرى إلى الصين» 
وردت في سياق نص ملغز» من نصوص رسالة «الشجرة النعمانية» (انظر عثمان = 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش يفف 
ونقول إن الدور الذي يقوم به خاتم الأولاد أكبر وأبعد من مجرد 
الإشارة إلى سريان العقم في الرجال والنساء وانتهاء النوع الإنساني كله مع 
ظهور هذا الخاتم؛ ذلك أن وصفه بأنه «على قدم شيث» يشير بوضوح - في 
لغة ابن عربي- إلى أن ها هنا وفي أعماق هذا الختم «وليا»؛ وبوصف أدق: 
ها هنا أنموذج للولاية الشيثية. وإذا كان هذا الولي هو خاتم الآولاد فلا يولد 
بعده أحد» ومن ثم لا يولد بعده «ولئ)» فلا شك في أنه بهذه الأوصاف». 
ختم للولاية كذلك. وإذن فما وجه علاقة خاتم الأولاد بعيسى 4# الذي 
ينزل في نهاية الزمان» وله» فيما يقول ابن عربي» «ختم دورة الملك» وختم 
الولاية العامة»؟ وقبل أن نغذ السير في تساؤلنا هذاء يجب أن نعرض لمسألة 
تحديد شخصية «خاتم الولاية المحمدية»» حيث يذكر ابن عربي في فقرة 
من الفقرات المقتبسة آنفاء أنه عرف هذا الخاتم المحمدي في فاس سنة 
5ه لكنه يقول في موضع آخر: «(وعلمت حديث هذا الخاتم المحمدي 
بفاس من بلاد المغرب سنة أربع وتسعين وخمسمائة»0". ونقول إن هذا 
التاريخ (045) لاشك في أنه سقطة قلم» وأن سنة (045) ربما كانت هي 
التاريخ الصحيح» لان كتاب «الإسرا» الذي فرغ ابن عربي من تألیفه» كما 
يقول في فاس في شهر جمادى من سنة ٠۹٤‏ ه يتضمن إشارة لا يفهم 
معناها- فيما نرى- إلا في ضوء هذا الحدث الروحي الضخم» واعني به 
-يحيى: الفهرس العام رقم 115) يقول فيه ابن عربي: «إذا دخل السين في الشين يظهر 
قبر محبي الدّين». وهذه الرسالة غلبت نسبتها كثيرا إلى ابن عربي أيام الإمبراطورية 
العثمانية» وهي - دونما ريب- رسالة مزيفة وليست من مصنفات الشيخ الأكبر. 
)١(‏ الفتوحات» ۳» ص ١‏ 0. 


www.alimamaltayeb.com 


٤‏ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
رؤية ابن عربي لخاتم الولاية المحمدية"'". وربما كان من الضروري تقدير 
تاريخ أسبق من التاريخ المذكور كنقطة بداية ننطلق منها في تحديد هوية 
الختم» لكن يلزمنا أولا أن نرجع إلى قصة رؤيا ابن عربي للكعبة المبنيّة من 
قالب من فضة وآخر من ذهب» والتي سردها في فصوص الجكم» وفي 
الفتوحات أيضًا في صورة «قصة» من قصص الترجمة الذاتية الخالصة. 


)١(‏ كتاب الإسراء ص 07١‏ 15. وتاريخ الفراغ من تأليف هذا الكتاب مسطور في ص47. 
ولكن هذا التاريخ المذكور أعلاه (045) تؤكده -صراحة- قصيدة في ديوان الشيخ 
الأكبر» ط. بولاق» ۱۲۷۱ ه ص۳۳۲٠‏ ۳۳۳. وهناك نص غامض - بعض الشيء- في 
كتاب: عنقا مُغرب (ص (۱١ ۰۱١‏ يبدو هو الآخر متطابقا مع تاريخ (515)» مما يجعل 
ترتيب الحوادث ترتيبا تاريخيا في موضوعنا هذا أمرا صعبا. 


www.alimamaltayeb.com 


الفصل التاسع 
ختم الولاية المحمدية 

يدور الباب الخامس والستون من الفتوحات» حول موضوع معرفة 
الجنة ومنازلها ودرجاتها. وفي هذا الباب» يثير ابن عربي مسألة إمكان أن 
يعرف بعض الناس- وهو في هذه الحياة الدنيا- طبيعة نشأته الأخروية في 
الجنة» وإمكان أن يوجد الشخص الواحد في منازل عدة في وقت واحدء 
وأن يوجر في الزمن الواحد من وجوه كثيرة يَضصل بها غيره ممن ليس في 
مقامه هذا. ثم ينتقل ابن عربي انتقالا مفاجئا ليقص علينا رؤيا منامية رأى 
فيها الكعبة مبنية من لبنة فضة ولبنة من ذهب» يقول فيها: 

«ولقد رأيت رؤيا لنفسي في هذا النوع» وأخذتها بشرى من الله فإنها 
مطابقة لحديث نبوي عن رسول الله وَل حيث ضرب لنا مثله في الأنبياء 
َك فقال ع: امثلى في لأنبياء كمثل رجل بني حائطا فأكمله إلا لبنة 
واحدة. فكنتء أناء تلك اللبنةء فلا رسول بعدي ولا نبي)20. فشبّه النبوة 
بالحائط» والأنبياء باللّبن التي قام بها هذا الحائط. وهو تشبيه في غاية 
الحسن. فإن مُسَمَى الحائط هذاء المشار إليهء لم يصح ظهوره إلا باللبن 
[الأنبياء]. فكان لد خاتم النبيين [وهو المشار إليه في هذه الرؤيا باللبنة الواحدة]. 

«(فكنت بمكة سنة تسع وتسعين وخمس مائة» أرى فيها -فيما يرى 
النائم- الكعبة مبنية بلبن فضة وذهبء لبنة فضة» ولبنة ذهب» وقد كمّلت 


.)١5١ ص‎ ١ انظر الفصل الثامن من هذا الكتاب (هامش‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


۲۳٦‏ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
بالبناء» وما بقى فيها شيء» وأنا أنظر إليها وإلى حُسنها. فالتفتٌ إلى الوجه 
الذي يبن الركن اليماتت: والركن الشامق' الذي هى إلى الركن الشاي 
أقرب» [فوجدت] موضع لبنتين» لبنة فضة ولبنة ذهب» ينقص من الحائط 
في الصفين» في الصف الأعلى ينقص لبنة ذهب» وفي الصف الذي يليه 
ينقص لبنة فضة. فرأيت نفسي قد انطبعت في موضع تينك اللبنتين. فكنت» 
أنا عين تينك اللبنتين» وكّمّل الحائط» ولم يبق في الكعبة شيء ينقص. وأنا 
واقف أنظرء وأعلم أني واقف. وأعلم أني عين تينك اللبنتين» لا أشك في 
ذلك وأنهما عين ذاتي. واستيقظت وشكرت الله تعالى. 

«وقلت متأولاء إني في الأتباع» في صنفي» كرسول الله ية في الأنبياء 
44. وعسى أن أكون ممن ختم الله الولاية بي وَمَادَلِكَ عَلَ اله يعزيز )4 


ر 
ين ر 


[فاطر: ۱۷]. وذكرت حديث النبى بيه فى ضربه المثل بالحائط» وأنه كان 
تلك اللبنة. فقصصت رؤياي على بعض علماء هذا الشأن بمكة» من أهل 
تؤزر”"» فأخبرني في تأويلها بما وقع لي» وما سميت له الرائي مَن هو؟”"). 


)١(‏ ربما يقصد ابن عربي ببعض علماء توزر هذه الشخصية التي يذكرها مرارا باسم: أبي 
العباس على بن ميمون بن آب التوزري» ويلقبه ابن عربي - أحيانا- بالقسطلاني» توفى 
بمكة سنة 575ه. وهو الذي ألف ابن عربي: كتاب الخلوة المطلقة (الفتوحات» »١‏ 
ص 279١‏ ۳۹۲) ردا على سؤال بعث به إليه انظر أيضا قصته في الفتوحات» 4 ص» 
۳ 874» وهو غير تقى الدّين أبي القاسم عبد الرحمن بن علي بن ميمون بن آب» 
الوارد ذكره في كتاب: نسب الخرقة» والفتوحات» »١‏ ص۱۸۷ والذي تلقى منه ابن 
عربي الخرقة الخضرية. 

(؟) الفتوحات» ١‏ ص۰۳۱۸ ۳۱۹ (ج٥»‏ ص58 - 07١‏ بتحقيق عثمان يحيى)» ويجب أن 
نلفت النظر هنا إلى أن هذه الرؤيا التي رآها الشيخ في سنة 49 0هء تسبق كثيرا ما كتبه = 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۷ 
وكلمة عسى"" تعتبر عن رجاء وتطلع من ابن عربي إلى هذا الآمر. 
وهذا النص وإن كان يوحى بأن ابن عربي هو ختم الولاية المحمديةء إلا 
أنه ليس قاطعا في أنه قد تحقق بهذا المقام بالفعل» وكذلك تفسير بعض 
العلماء من أهل توزر لهذه الرؤيا لا يدلنا - على وجه اليقين - على ترجيح 
أحد الاحتمالين السابقين على الآخر. ومع النصوص التي أوردناها من قبل 
تزداد المسألة تعقيدا وغموضاء لأن ابن عربى يذكر - فى هذه النصوص- 
أنه لقى «الختم»» وتحدث إليه. مما يعني أن الختم شخص آخر غير ابن 
عربي» لكننا نجازف بالحكم لو رحنا نفهم من هذه النصوص أن ابن عربي 
ليس هو «الختم» على وجه اليقين. فكثيرا ما يحلو لابن عربي» ولغيره من 
الصوفية أيضًاء أن يتحدثوا في كتاباتهم عن شخصية القصة أو الحدث 
بأسلوب مُعمّىء ويعبّرون عنه بضمير الغائب» لكن مقارنة الحوادث» 
كل ذلك يؤكد على أن المقصود من قوله «فلان» أو «هذا الرجل من أهل 
طريقتنا» ليس إلا ابن عربي نفسه» ون الحذر هو الذي أملي عليه أسلوب 
ابن عربي في الفقرة التي نقلناها من الفصوص في الفصل السابق من كتابنا هذاء لأن 
كتاب الفصوص لم يؤلف إلا في سنة 571ه. 

(۱) ترد كلمتاء عسى ولعل» مرتبطتين هكذاء في الفتوحات في أكثر من موضع. انظر على 
سبيل المثال الفتوحات» ۲» ص 4717/7 7 ص٤٠۲.‏ ويلاحظ أغلب شُرَّاح ابن عربي (مثل 
جندي في شرح فصوص الحكم» ص7١١)‏ أن ابن عربي- في الأعم الأغلب- حين 
يتحدث عن درجته الروحية الخاصة به يستعمل تعبيرات تدل على التمني والترجي أكثر 


مما تدل على تقرير حقيقته وواقعه الفعلي» وهو يرى أن هذا الأسلوب أليق في ملاحظة 
الأدب مع الله تعالى. 


www.alimamaltayeb.com 


۸ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
التورية والتعبير عن النفس بقمير الغائت: 
وما عرض به ابن عربي هنا من غير تصريح كاد يصرح به تصريحا 
مباشرا في نصوص أخرى يؤكد فيها أنه هو الختم نفسه. فهو يقول في 
قصيدة يفتتح بها الباب الثالث والأربعين من الفتوحات: 
أنا عسوم الولاية دون شك و الهاشمي مع المسيح'") 
والمقصود من الهاشمئّ هناء لاشك هو محمد ذل أما المسيح فقد 
مر بنا من قبل أنه الأستاذ الأول لابن عربي”". ومن المهم أن نبين - من 
الناحية التاريخية الصرفة- أن إنشاء هذه القصيدة التي يصرح فيها ابن عربي 
تصريحا صوريا باتصافه بلقب الختم يسبق - تاريخيا- رؤيا اللبنتين» التي 
يبدو فيها أقل تأكيدا وأقل وضوحا وصراحة. ونحن نجد هذه القصيدة في 
الفتوحات» في نسختها الأولى التي كتبها ابن عربي فيما بين سنتي ۹۹ى 
4ه. ومن المحتمل جدا أن يكون إنشاء هذه القصيدة تم في بداية هذه 
الفترة المشار إليها”". وثمة نص ثان متأخر عن النص السابق» يبدو منه 
أيضًا أنه أقل تحديدا ووضوحا يتحدث فيه ابن عربي عما يسميه «المقام 
(۱) الفتوحات» ١‏ ص5 5 5» وكلمة «لورث» فى شطر البيت الثانى يجب تصحيحها إلى: 
اررق ان سا ضيطها سهان ييحن تي ت لاقرات( فی 
(۲) انظر هامش ۲ من ص ٠١17‏ من هذا الكتاب. 
(۳) راجع ص٠۷٠‏ هامش .١‏ وهناك نسخة ثانية من الفتوحات كتبها ابن عربي» ونحن 
نمتلك مخطوط هذه النسخة الأصلية التي كتبها ابن عربي بخط يده» وسنرجع فيما 
يتعلق بالمقارنة بين النسختين إلى طبعة عثمان يحيى المحققة» أما رؤيا اللبنتين» فقد 


حدثت هي أيضًا في سنة 44 5ه وإن كان ابن عربي لم يسجلها إلا بعد مرور فترة زمنية 
طويلة جدا. 


www.alimamaltayeb.com 


على شود کیفیتش ۲۳۹ 
الإبراهيمي»: وهي تسمية مزدوجة المعنى تطلق على المكان المعروف. 
هناك» في الحرم المكي إلى جوار الكعبة» كما يطلقها ابن عربي على 
«المقام الروحي» لأبي الأنبياء إبراهيم ل يقول الشيخ الأكبر: «فنرجو 
أن يكون ا نصيب من الخلة: كما خصل الإبراهير] من درجة الكمال 
والختام» والرفعة السارية في الأشياء في هذه الآمة» الحظ الوافر بالبشرى 
في ذلك وإذن فابن عربي = وهو يكنب هذا النص الآخير - لم يكن 
قد وصل إلى تمام مرتبة «الختم»» وإلا لما رجاها في بداية كلماته. غير أن 
كلمة انصيب» التي يتحوط بها ابن عربي تعني أن وظيفة الختم تتسع لأكثر 
من شخصء بل نقول إنها وظيفة مشتركة بين ثلاثة أشخاص : عيسى» وآخر 
الأولياء» وختم تم الولاية المحمدية: فالختم الأخير- إذن - جزء أو نصيب 
من الختمية المشتركة. وهذا الاستنتاج تؤيده قصيدة أخرى - لم نستطع 
تحديد تاريخها- وفيها يذكر عيسى َلك مع ابن عربي الذي يصف نفسه 


بأنه الختم: 

اق امت لدي الله اضر والنصر منه كما قد جاء في الكتب 
لأنني حاتميّ الأصل ذو كرم من طيئ» عربيٌ» عن أب فأب 
وإنني خاتم الأتباع أجمعهم أتباعهرتبةتسموعلىالرتب 
من جملة القوم عيسى »وهو خاتم من قد كان من قبله حيّا بلا كذب”" 


0200 الفتوحات» ۱> ص۷۲۲. 


www.alimamaltayeb.com 


”9 الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
على الحاتمى الطائى» فسوف ندرك على الفور من المقصود من «أنا» فى 
قوله «أنا ختم الولاية...)» ويتبدد في ضوء هذا الربط كل ما كان يكتنف 
هذا اليد من قا مى لسن وكاب غلى أوهدة القصيدة كبن 
فوق ذلك إشارة ال شخصية مَشهورة جدا عند العرب قبل الإسلام» 
والمروءة» وهو أحد أجداد ابن عربي السابقين""'. 
غير أنه يبقى نص آخرء نعده أكثر أهمية من ذي قبل» أولا: لما يتميز به 
هذا النص من طبيعة خاصة تمثلت في هذا الوصف المفصل لمشهد ترسيم 
ابن عرب لوراثة (المقام المحمدي الأطهر). وثانيا: لمجيء النص في 
مقدمة الفتوحات» حيث يشير ابن عربى فيها إلى العلاقة المتعددة المظاهر 
التي تربط بين ابن عربي» بما هو ختم» وبين عيسى 4 بما هو ختم أيضا. 
وفي هذا النص يقدم ابن عربي صورة وصفية لإعلان خواتيم الولاية» في 
لود جلا دمن حاتي الف ككل وا #مو حاتي ا ال 
«فرآني [النبي يلا وراء الختم [عيسى] لاشتراك بيني وبينه في الحكم» 
يدي" . ثم أشار إلىّ أن قم يا محمد عليه [على المنبر] فأثن على من أرسلني 
)١(‏ فيما يتعلق بحاتم الطائي انظر دائرة المعارف الإسلامية (ط. الثانية)» ومقال: .© 
Van ARENDONK, Cambridge History of Arabic Litterature,‏ 
.Cambridge, 1983, 1. pp. 282-383‏ 
)۲( طرفاء: شجر صنع من خشبه منبر النبي َة في المدينة. (البخاري» الجمعة»٠۲).‏ وهكذا 
نجد أن في هذا النص» وكما تؤكده السطور التالية مباشرة» إشارة إلى منبر النبي يا = 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش كن 
وعلىّ» فإن فيك شعرة مني» لا صبر لها عني» هي السلطان في ذاتيتك 
[....]. فنصب الختم المنبر» في ذلك المشهد الأخطرء وعلى جبهة المنبر 
مكتوب بالنور الأزهر «هذا هو المقام المحمدي الأطهرء من رَقَى فيه 
فقد ورثه» وأرسله الحق حافظا لحرمة الشريعة وبعثه». ووَهِبْتَ في ذلك 
الوقت مواهب الحكم» حتى كأني أوتيت جوامع الكلم)”". ثم يقول ابن 
عربي في نهاية هذه القصة: «ثم رُدذت من ذلك المشهد النوميّ العلىّ إلى 
العالم السفلي. فجعلت ذلك الحمد المقدس خطبة الكتاب». 


=نفسه» والذي سيرقي في درجاته ابن عربي بفضل وراثته النبوية المحمدية وراثة كاملة. 
كما يمكن أن نلحظ ارتباطا آخر بين ابن عربي وبين النبي ي في الاشتراك في اسم 
«محمد)» وفي نداء النبي ئ لابن عربي بهذا الاسم حين أشار إليه بالقيام على المنبر. 

)١(‏ الفتوحات» »١‏ ص" ».١(‏ ص٤٤»‏ 45» ط. عثمان يحيى). وفيما يتعلق بحديث 
«جوامع الكلم» راجع: البخاري: التعبير» »١ ١‏ مسلم: مساجد» 8-65 وغيرهما. ومعنى 
«الحكم» في نص ابن عربي هو حقائق معاني الآلفاظ. وتشير كلمة: «جوامع» في 
النص إلى خصيصة الشمول والخاتمية التي يتصف بها الوحي المحمدي. والجملة 
الأخيرة في نص ابن عربي -كما يلاحظ فالسان - تدل على ترسيم ابن عربي وارثا 
للمقام المحمدي في نظام الإرث النبوي بعامة. انظر مقالة فالسان بعنوان: 160065 
traditionnelles, n0 311, 1953, pp 300-1‏ والمنشور فى: Etudes‏ 
.traditionnelles, no 311, 1953, pp 300-311‏ ۰ 

() الفتوحات» »١( ٦ص ١‏ ص0۸. ط. عثمان يحيى). هذا وتتضمن القصيدة - التي بعث 
بها ابن عربي إلى صديقة: عبد العزيز المهدوي» والتي ترد مباشرة بعد النص المذكور 
أعلاه - إشارات كثيرة إلى وظيفة ابن عربي كختم للولاية. وفي أحد الأبيات الأخيرة 
من هذه القصيدة» والذي يقول فيه ابن عربي: «وإذا انصرفت أنا الإمام وليس لي أحد 
أخلفه يكون ورائي» يركز -بدقة- على خاصية هذه الوظيفة» ونعني بها ما قدمناه» من 
قبل» من أن ختم الولاية المحمدية لا يكون إلا فردا واحدا على طول التاريخ» بخلاف - 


www.alimamaltayeb.com 


۲ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
ومما نلاحظه في هذه الرؤيا وقوف ابن عربي وراء عيسىء مما يعني 
أفضليته 4 بما هو رسول» على ابن عربي» بما هو ولي عادي» وأيضًا بما 
هو ابن له . لكن إذا لاحظنا الرمز المختبئ وراء أمر النبي به لعيسى 
لكل بنصب المنبر ورُقِيَ ابن عربي عليه ليعلن الثناء على الله تعالى وعلى 
النبي بي فحينئذ يتغير الأمر» وتظهر خصوصية ختم الولاية المحمدية 
وعلوٌ مقامه» بما هو كذلك» أي باعتبار مقامه هذا. 
وهذه الأحداث الجسام التي يسردها ابن عربي في الصفحات الأولى» 
ليستهل بها سلسلة فتوحاته» أو لنقل سلسلة فيوضاته المدونة» التي تنطبق 
تمام الانطباق على فحوى عنوان الكتاب» هذه الأحداث حدثت في بدايات 
إقامته الأولى بمكة المكرمة» وهي مسجلة بقلمه في عام 5144هه بعد 
وصوله البلد الحرام في عام ٥۹۸‏ ه. وهكذا نجد أنفسنا أمام نصوص 
يكن أن دين شر اعد قارع OEE Lg‏ 
أن فترة إقامة ابن عربي بمكة والتي أعقبت رحيله إلى الشرق» هي الفترة 
نفسها التي كان يَعلم فيها علم اليقين أنه ختم الولاية المحمدية. لكن مر 
بنا من قبل - في تلميحات أخرى له أيضا- أنه عرف هذا «الختم» في فاس 
-القطب والوتد وغيرهما. وإذن فكلمة «إمام» في هذا البيت يجب أن تؤخذ بمفهومها 
الأعم» وليس بالمفهوم الاصطلاحي الخاصء أي: إمام اليمين أو إمام اليسار اللذين 
تحدثنا عنهما في الفصل السابق من هذا الكتاب. فهذه الوظائف الأخيرة تتعاقب عليها 
سلسلة من الأولياء» بحيث يرتبط كل ولي بوظيفته في فترة زمنية محددة. 


)١(‏ فيما يتعلق بالجانب التاريخى لبدء تصنيف الفتوحاتء انظر مقدمة عثمان يحيى للطبعة 
المحققة من كتاب الفتوحات» اءعص518. 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش 4 
سنة 595هه ورأى العلامة التي يتميز بها. وإذن فها هنا تضارب واضح 
في ترتيب تواريخ هذه الآأحداث» بل نقول إن المشكلة -في حقيقة الآمر- 
أكثر تعقيدا مما تبدو فيه من أمر هذا الاضطراب. 

ولقد سبق أن تعرضناء في بداية كتابنا هذاء لموضوع «المشاهدة» 
التي شاهدها الشيخ الأكبر في قرطبة» ونضيف هنا ما يقوله الشيخ عن هذه 
المشاهدة في كتاب الفصوص: «واعلم أنه لما أطلعني الحق وأشهدني 
أعيان رسله» 44 وأنبياته كلهم البشريين من آدم إلى محمد ئه أجمعين 
في مشهد أقمْت فيه بقرطبة» سنة 2087 ما كلمني أحد من تلك الطائفة 
إل هود 5[ فإنه أخبرني بسبب جمعيتهم)”". وبرغم انهه المشاهدة 
تكررت في الفتوحات في مواضع عدة» فإن الفتوحات تصمت صمتا مطلقا 
عن بيان السبب الباعث على اجتماع الأنبياء”» لكن بعض الإشارات 
التي تضمنها كتاب روح القدس في الفقرة الخاصة بترجمة الشيخ أبي 
محمد مخلوف القبائلي» الذي كان يعيش في قرطبة» قد تحل إشكال هذه 
النصوص بصورة أو بأخرى: يقول ابن عربي عن هذا الشيخ: «ترکته في 
عافية» وانصرفت إلى منزلي. فلما جاء الليل» وأخذت مضجعي» رأيت 
في المنام كأني بأرض واسعة وسحاب يدوي فيها صهيل الخيل وقعقعة 
الج ورات أشخاضا ركباناء وفلى أنداميي فر لرن فى ذلك الا 
حتى امتلاً بهم الفضاء» ما رأيت قط أحسن وجوها منهم ولا أنقى ثيابا ولا 
أحسن من خيلهم. وكنت أرى رجلا طويلا عظيم اللحية أشيبء يده إلى 


.١١٠١صعءا الفصوص»‎ )١( 
. ص۷۷‎ eT راجع الفتوحات» ۳ ص۰۲۹۸‎ 202 


www.alimamaltayeb.com 


٤‏ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحي الدّين بن العربي 
خده» واسع الوجه» فكنت من بين الجماعة كلها أقول له: أخبرني! ما هذا 
الجم الغفير؟ فيقول لي: هؤلاء جميع النبيين من آدم إلى محمد عليهم 
الصلاة والسلام» ما بقي أحد منهم إلا نزل. فقلت: مَّن أنت منهم؟ قال: أنا 
هود» صاحب عاد. فكنت أقول له: فيم جئتم؟ فيقول: جئنا عوّادا زائرين أبا 
محمد. فاستيقظت فسألت عن أبي محمد مخلوف» فوجدته قد مرض تلك 
الليلة» فلبث أياماء ومات رحمه الله تعالى)”". ومع أن هذه الرؤيا تخلو من 
أي تحديد لمكان أو تاريخ أو طبيعة «اجتماع الأنبياء» أو ظهور «هود» في 
حديثه لابن عربي» أو حقيقة الشيخ أبي محمد الذي كان يسكن قرطبة 
والذي تركه ابن عربي قبل أن يرى هذه الرؤيا بقليلء إلا أننا لا نشك في أن 
هذه الرؤيا تدور حول المحور نفسه الذي دارت عليه الفقرات السابقة التي 
نقلناها من الفصوص والفتوحات» وبحيث يمكن القول إن كتاب روح 
القدس يمدنا - هنا- بمعرفة السبب من وراء انعقاد هذا المجمع الغيبي 
من الأنبياء» والذي اتخذ منه ابن عربي موضوعا لتأمّلات ثرية وعميقة معا. 

لكن الأمور تزداد تعقيدا حين نولي وجهة البحث شطر التفسير 
الكبير المسمى «روح البيان» للصوفي التركي المعروف إسماعيل حقي 
(ت /1775/11717) وهو ينقل نصا لابن عربي يبدو منه أنه نص موق 
ومن كلام ابن عربي فعلاء وإن كنا لم نعثر له على أي آثر خارج كتاب 
روح البيان". وفي هذا النص يختلف سبب اجتماع الأنبياء في قرطبة 


(؟) لا يوجد أي ذكر لهذه القصة في كل ما راجعناه من كتابات ابن عربي عن الحلاج» وحتى 
هذه المواضع التي يُتوقع -منطقيا- أن تساق فيها هذه القصة» لم نعثر لها على أثر: - 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ٤۵‏ 


عن السبب المتقدم ذكره في روح القدس» ففي روح البيان أن هودا أخبر 
ابن عربي أنهم اجتمعوا ليشفعوا للحلآج عند رسول الله ية بسبب 
«سوء أدب» صدر من الحلأج في بعض أقواله عن الرسول جي . وهذا 


التفسير الثاني ينسجم مع ما نقرؤه من نصوص أخرى لابن عربي تتعلق 
بالحلأج» لكننا نقراً في نهاية النص السابق هذه العبارة: «وكانت المدة بين 
مفارقته [الحلآج] الدنيا وبين الجمعية المذكورة أكثر من ثلاثمائة سنة». 
ولأن نظام الكتابة والتدوين في اللغة العربية القديمة لا يحفل بعلامات 
التنصيص وأقواس الاقتباس» فإننا لا نعرف ما إذا كانت العبارة السابقة» 


) 


١ 


هي من كلام ابن عربي أو من كلام إسماعيل حقي» لأننا لا نعرف أين 


-(كتاب الانتصار» ص٤۱‏ وما بعدها: الفتوحات ١‏ ص59 .١‏ الفتوحات» ۲ ص 2١757‏ 
TE (TTY‏ ۹ ۲ ص۰۱۷ E0‏ (مجرد تلميح في هذاء الموضع)ء 
۷ € ص۸1 ۰101 ۰1۹€ €1« «TYA‏ ۲ التجليات» ص١3).‏ هذاء ولابن 
(انظر عثمان بحيي» مؤلفات ابن عربي رقم )٠١١‏ لكن لا يُعرف لهذا الكتاب أي نسخ 
خطية. فمن أين اقتبس إسماعيل حقى هذا النص؟ 

) روح البيان» إستانبول» ٠ه‏ ج١٠,‏ ص405» وقد وردت هذه القصة في تفسير 
سورة الضحى. أما سوء الأدب الذي اقترفه الحلاج في مقامه بي فهو قوله -حسبما 
يذكر إسماعيل حقي -: إن رسول الله اة همته دون منصبه. قيل له: ولم ذلك؟ قال: 
لأن الله تعالى قال: # وَلَسَوْفَ يُعْطِيلك رَبك فصن 7ر45 [الضحى 5] فكان من حقه ألا 
يرضى إِلّا أن يقبل الله شفاعته فى كل كافر ومؤمن» ولكن ما قال إِلَّا: «شفاعتى لأهل 
الكبائر من أمتى». انظر ماسينيون: [112112 ع0 12255102 2[ ج۲» ص۷٥۲»‏ سا 
. وقد فسر جلال الدَّين الرومي هذه الحادثة في حياة الحلاج الروحية» ورأى فيها 
سببا موجبا لعقوبته. (أفلاكي» مناقب العارفين» ترجمة 1111316 .01). ط» ۲» باريس 


.)50 ٤ص»‎ 1 


www.alimamaltayeb.com 


۲٦‏ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
تنتهي الكلمات التي نقلها صاحب التفسير من كلام ابن عربي. وكيفما كان 
الأمر» فإن كلمات هذه العبارة تلقي - من جديد- بظلال من الشك على 
سبب اجتماع هذه الجمعية؛ فإذا كان الحلاج مات سنة ٠9‏ لاه فرؤيا ابن 
عربي هذه لابد أن تكون قد حدثت في تاريخ لاحق على سنة 9 15ه. 
لكن ابن عربي غادر بلاد الأندلس -دون رجعة- سنة ٥۹۸‏ ه فلو افترضنا 
صحة رواية إسماعيل حقي فلا مفر من افتراض أن رؤيا ابن عربي حدثت 
في مكان آخر غير قرطبة» أو أنها حدثت في قرطبة ولكن قبل سنة 9 7ه 
بأمد طويل جدا. ولا يتوقف أمر اضطراب هذه القصة عند هذا الحد» بل 
يقص علينا المؤلف نفسه (إسماعيل حقي) قصة أخرى تبعث على المزيد 
من الحيرة والارتباك. وهذه القصة تشبه القصة الأولى ولكن مع اختلاف 
المصدر الذي ينقل عنه المؤلف» والمكان الذي تدور فيه أحداث القصة» 
ففي هذه المرة لا ينقل حقي عن ابن عربي» بل ينقل عن «أبي الحسن 
الشاذلي» (أصغر معاصري ابن عربي)» كما أن أحداث القصة تجرى في 
بيت المقدس لا في مدينة قرطبة'"". 

لكن لرؤيا ابن عربي في قرطبة تفسيرا آخرء يقودنا إلى ما نهدف إليه» 


)١(‏ روح البيان »١‏ ص58 ؟. ونضيف هنا أن «حقي» يرجع إلى محاضرة الأدباء للراغب 
الأصفهاني كمصدر ينقل عنه» وقد توفي الراغب سنة ٠٠٠٠۸/٥۷١‏ أي قبل ميلاد أبي 
الحسن الشاذلي بكثير. وإذن فها هنا خطأ في المصدرء أو في الشخص موضع الرواية. 
ويبقي أن نقول: إن أبا الحسن الشاذلي إذا كان قد وصل إلى الشرق في نهاية النصف 
الأول من القرن السابع الهجريء فإن الفترة الفاصلة بين تاريخ موت الحلاج وتاريخ 
الرؤيا - وهى فترة تزيد على 1٠٠‏ سنة- يمكن أن تكون مقبولة من الناحية التاريخية. 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۷ 
ويطالعنا به - هذه المرة- مصدر من أقرب المصادر وأشدها التصاقا 
بابن عربي ونعني به «(جتدي» (١٠٠/اه/‏ ۱۳۰۰) شارح فصوص الحکم» 
نفسه. وفي هذا المصدر يبين جتدي أن اجتماع الأنبياء والمرسلين إنما كان 
من أجل ترسيم ابن عربي في مرتبة «ختم الأولياء» ووراثة «ختم الأنبياء» 
أيضا. وما يقوله جندي في التفسير» لاشك في أنه قول مأثور ومتواتر في 
أوساط المدرسة الأكبرية» بل يعده تلاميذ ابن عربي من الروايات الصحيحة 
الموثقة» لأنه في الأصل صادر عن الشيخ الأكبر نفسه”". ونفس هذا القول 
أو التفسير نجده عند القاشانى (ت ۰ (۱۳٣۰٣‏ تلميذ جندي”"» ثم عند 
داود قيصري )١1726٠ /1/6١(‏ تلميذ القاشاني”". 

وفي فقرة أخرى من فقرات كتابه: شرح الفصوص”» يوضح جتدي 
-مستخدما صيغة «فيما تقل إلينا من كلام شيخنا»» تلك التي درج على 
استخدامها لز بها أقوال «القونوي» عن غيرها- أن عرس لس ييا 
الختمية في إشبيلية وهو يصوم منذ تسعة أشهر. ونحن نعلم أن الشيخ 
الأكبر أقام بالفعل في إشبيلية في السنة نفسها (087) التي رأي فيها رؤياه 
هذه في قرطبة. ويذكر ابن عربي في الباب الذي يتحدث فيه عن ختم 
() جَندي» شرح فصوص الحکم» ص١57.‏ 
)۲( القاشاني» شرح فصوص الحكم» ط. القاهرة» اه اصضص١173.‏ 


(؟) قيصري» شرح فصوص الحکم» ط حجر» بومباي ١٠٠١١ه‏ ا ص٠۲۰‏ . 
)€( جَندي» المصدر المذکور» ص9 .٠١‏ 


(6) فيما يتعلق بوجود ابن عربى فى إشبيلية سنة 5ه انظر الفتوحات» ۲ ص۰۷ ۸ 


www.alimamaltayeb.com 


E۸‏ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحي الدّين بن العربي 
الولاية العامة وختم الولاية المحمدية من أبواب الفتوحات» أنه حصل 
له كشف في إشبيلية"» مما يدلنا على أن المعلومات التي نقلها جَندي 
مارات محيكة على أقل ی ا ل روا ا يميا مه 
القونوي» الذي حدثه فيها بأن ابن عربي قال له: «لما وصلت إلى بحر 
الروم من بلاد أندلس» عزمت على نفسي ألا أركب البحر إلا بعد أن أشهد 
تفاصيل أحوالي الظاهرة والباطنة الوجودية» مما قدر الله علي ولي ومني 
إلى آخر عمر. قال ي : فتوجهت إلى الله في ذلك بحضور تام وشهود عام 
ومراقبة كاملة» فأشهدني الله جميع أحوالي مما يجري ظاهرا وباطنا إلى 
آخر عمري» حتى صبحة أبيك «إسحاق بن محمد» وصحبتك وأحوالك 
وعلومك وأذواقك ومقاماتك وتجلياتك ومكاشفاتك وجميع حظوظك 
من الله. ثم ركبت البحر على بصيرة ويقين2”". ومما لا شك فيه أن رحلة 
ابن عربي هذه وقعت في سنة ٥۹١‏ ه وهي السنة التي وجد فيها ابن عربي 
أولا في الأندلس» ثم في تلمسان وتونس بعد ذلك”©. وإذا كان قد كُشف 
له تفصيلا عن كل وقائع حياته المستقبلة» فلا شك في أن هذا الكشف 
قد مل له كل الوقائع الروحية التي كانت تنتظره في بلاد المشرق» ومنهاء 
على وجه الخصوص. واقعة ترسيمه «ختما» في هذا المشهد المهيب كما 
تصوره مقدمة الفتوحات. 

۷ ص٦١۱‏ . 
)١(‏ الفتوحات» ٤‏ ص/الا. 
(؟) جندي» المصدر المذکور» ص‌ ۰۲۲۰۰۲۱۹ 777. 
(۳) راجع الفتوحات» "ا ص۳۳۸ (إشبيلية)؛ »٤‏ ص۹۸٤‏ (تلمسان)؛ ۱» ص٩‏ (تونس). 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش 4 

ونفساءل الآن: هاذا يمكن أن تشخلضه من كل ما سيق؟ وقبل أن 
الولاية المحمدية» برغم هذا الغموض البادي في عباراته وأساليبه. إنه 
بل يتناقلونه ويثبتونه في مصنفاتهم تلميذا وراء تلميذ. كما نقرر - من جهة 
أخرى- أن ابن عربي علم نباً ختميته للولاية المحمدية في سن باكرة جدا 
من سني حياته الروحية» وأن هذا العلم سبق بسنوات طوال كلا من وصول 
ابن عربي إلى مكة المكرمة» والتقائه الختم في فاس سنة ٠۹٤‏ ه. وإذا كان 
الأمر كما ذكرناء فكيف نجمع بين هذه النصوص التي تبدو متناقضة؟ أي 
إذا كان ابن عربي قد عرف أنه الختم في سن مبكرة (كان عمره في سنة 
7ه ستا وعشرين سنة قمرية)» فما معنى هذه الرؤى التى رآها فيما بعد 
والتى تبدو تحصيلا لحاصل لا فائدة منه؟ ولكى نجيب عن هذا التساؤل» 
فإن من الضروري -فيما نرى- أن نفرق بين علم ابن عربي بأنه الختم» عبر 
إشارات وعلامات أكدت له صدق هذا العلم فيما بعد. وبين وصوله بالفعل 
لهذه المرتبة. ونحن نعلم أن رسالة محمد با لم تبدأ بدايتها الحقيقية إل 
مع ظهور جبريل ٤‏ بالوحي في غار حراء» وابن عربي وارث محمدي» 
وهو يعي هذا المعنى ويدركه» فلعله اقتدى في وراثته مرتبة الختم بهذا النهج 
النبوي. ونحن نعلم أيضًا- وحسبما يُؤّخذ من الأحاديث الصحيحة”" -أن 
)١(‏ البخاري» كتاب التعبير» باب 2١‏ وكتاب التفسير» باب 5» حديث .."-١‏ إلخ. هذاء 


ويدل حديث «الرؤيا الصالحة» التي هي جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة (البخاري = 


www.alimamaltayeb.com 


۵۰ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
سلسلة من الرؤي التي كان النبي ية يراهاء ثم تجيء مثل فلق الصبح» سبقت 
بشهور عدة بداية نزول الوحي الإلهي على قلبه 45 ثم إن مبدأ وراثة الولي 
للنبي قد يسمح بو جود وجه شبه في صورة الوراثة بين الوارث والموروث. 
فالرؤى التي كان ابن عربي يراها ليست رؤى مكررة تقول الشيء نفسه. بل 
هي - بالأحرى- أمارات على مراحل معينة تقع على طريق سلوكه. وفي 
هذا الإطار ينبغي أن نفهم ترسيم ابن عربي ختما للولاية من جانب النبي 
بي وفي مجمع من الأنبياء والمرسلين» على أنه بلوغ للمركز الأقصى في 
المعراج الروحي للولاية» كما ينبغي أن نفهم أن مرتبة ختم الولاية المحمدية 
تتصف - فيما يقول فالسان - بخصيصة العموم والشمول أيضًا""©. 
ويقتضي المقام - قبل أن نبدأ محاولتنا تحديد طبيعة هذه الوظيفة» 
ورصد صلتها بالوظائف الختمية الأخرى- أن نعرض لبعض التحديات 
اللازمة لبيان هذه الألقاب» ووصف كل منها على حدة. 
فأما وصف ابن عربي بختم الولاية المحمدية» وأنه ذلك الخته”, 
=ك. التعبير» ب7) على ما بين الفترة السابقة على نزول الوحي» والفترة الكلية للرسالة 
)١(‏ انظر مقالة فالسان السابقة» ص١ .7١‏ وسوف نعرضء فيما بعد» لمسألة امتناع التعارض 
بين خاصة العموم في هذه الوظيفة» والوجود المعين (المتزمّن) لخاتم الولاية المحمدية 
(؟) إضافة إلى المصادر التي ذكرناها آنفاء يُراجع: جَندي في: شرح فصوص الحكم 
(ص 775- ۲۳۷) حيث يبين أن من بين العلامات التي تثبت ختم ابن عربي للولاية 
المماثلة هنا - إذا صح ما يقوله جندي- بين ختم الولاية» وختم النبوة الذي كان يظهر = 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۲۵۱ 
فهذا أمر متفق عليه بين الرعيل الأول من تلامذته على اختلاف مشاربهم. 
وأما أن عيسى لك هو ختم الولاية العامة فهذا أمر واضح في كلام ابن 
عربي وضوحا لا يحتاج معه القارئ إلى دليل أو برهان» وذلك باستثناء ما 
يقوله علماء الشيعة ومؤلفوهم ممن اتجهوا بالبحث في كلام الشيخ اتجاها 
آخر نشير إليه في موضعه. وأما ختم الأولاد - الذي بقى بغير تسمية- فإنه 
شخص ثالث متميز عن الختم المحمدي والختم العام ومختلف عنهما 
تماما. وهذا ما يقوله كل من القونوي» وجندي» والقاشاني. وعند القيصري 
أف تع الآولاه لسن عا اخرى تكن الولاية العاية"أموهويراى 
مضطرب وغريب» لأن ابن عربي في كتاب فصوص الحكم يصف ختم 
الأولاد بأوصاف لا تلتبس من قريب أو بعيد بأي من أوصاف عيسى . 
ويؤكد الجيلي (877/ )١577‏ كل ما ذهب إليه شُرّاح ابن عربي الأوائل“ 
في تحديد هويات هذه الألقاب. والشيء نفسه أيضًا نجده عند «بالي 
أفندي» (470/ )٠٠٠١۳١‏ الذي يؤكد - مثل أسلافه من شرّاح الفصوص- 
أن ختم الولاية المحمدية» وإن كان لا يظهر بعده ولي يكون على قلب 

-في شكل نتوء بارز بين كتفي النبي َي ومرة أخرى تظهر علاقة الارتباط بين الباطن 

(الولاية) والظاهر (النبوة). راجع أيضًا القاشاني: شرح الفصوص» ص 5 ” وما بعدها. 

() داود القيصري» شرح الفصوص» ص /. 

»٤٥ 25 انظر شرح رسالة الأنوار (المنسوب إلى الجيلي)» دمشق ۱۹۲۹» خصوصا ص‎ )١( 
ص91) يجعل الجيلي‎ ١19577 95؟. وفي نهاية كتابه: الإنسان الكامل (القاهرة‎ 5 
من مقام الختم المقام الأعلى من بين جميع مقامات القربة الثلاثة. (والمقامان الآخران‎ 
هما: مقام الخلة» ومقام المحبة). ومقام الختم - عند الجيلي- هو ما يعبر عنه ابن عربي‎ 


بالنبوة التي لا تشريع فيها. 


www.alimamaltayeb.com 


Yor‏ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 

خاتم الأنبياء» فإنه لا يعني - أبدا- عدم ظهور أولياء وارثين للأنبياء 

الآخرين: فالوارث المحمدي هو فقط الختم الأوحد الذي لا يتكرر". 
إذا انتقلنا إلى الشعراني (ت ۹۷۳/ )٠٠١٠١‏ وجدناه يكتفي - في 

تلخيصه كتاب الفتوحات”'" - بترديد بعض عبارات ابن عربي في هذا 

الموضوع ذُونّما تعليق أو شرح» لكنه في كتابه الطبقات الكبرى» يضيف 
إلى هذا الموضوع بعدا جيدا وهو يقول- في ترجمة االمحمك وقااء أجل 
كبار الأولياء في مصر (ت ۸۰۱/ ۱۳۹۸) - إن ابنه «على وفا» أخبر أن 
والده كان خاتم الأولياء”". ثم يُعقب الشعراني بتريثه المعهود بقوله: «قد 
ادعى مقام الختمية جماعة من الصادقين في الأحوال. والذي يظهر أن لكل 

زمان ختماء بقرينة قوله -فيما سبق- لكل ولي خضر). 
والأمر المؤكد عندنا هو أن وحدانية الختم» أو انحصار هذا اللقب 

في شخص واحد متفرد» أمر جذ واضح في كتابات ابن عربي» بل إن هذا 

التوحد ليبدو أمرا لازما لا ينفك - منطقيا- عن معنى الختام» أو النهاية 
الذي تتضمنه دلالة لفظ الختم. وإن كنا نلاحظ أنه كلما بعدنا عن عصر ابن 

.075-07 ص‎ ه١‎ ٠4 بالي أفندي» شرح الفصوصء إستانبول‎ )١( 

(؟) اليواقيت والجواهرء القاهرة ,.١7579‏ ج۲» ص٩۸.‏ 

(۳) الطبقات الكبرىء القاهرة ۰۱۹۰٤‏ ۲ ص۰۲۱ .۳١ ٠۳۰‏ وجدير بالذكر أن نسجل هنا 
زعما آخر للوصول إلى مرتبة ختم الأولياء» سابقا على زعم الشيخ على وفاء فقد ذكر 
Landolt‏ 11 في مقاله عن الشيخ الخرقاني (ت (۱٠۳۳/٤٩٣‏ في دائرة المعارف 
الإيرانية أنه عثر على مخطوط في إستنبول (مراد ملا ٩۱۷۹ء‏ ورقة ۳۳۷- 207017 وبه 


نص يرجع تاريخه إلى نهاية القرن الثاني عشرء مكتوب فيه أن الشيخ الخرقاني كان 
يُلقب بختم الأولياء. 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش Y0‏ 
عربى» اختفت عن أنظارنا - شيئا فشيئا- وحدانية هذا اللقب وانطباقه على 
شخص واحد فقط» حتى عند هؤلاء الذين لا يشك في قراءتهم تراث ابن 
عربي وفهمه فهما واعيا. 
وننتقل الآن إلى شيخ بارز من شيوخ الطريقة النقشبندية» كثيرا ما 
وصفه المؤلفون بأنه كان من خصوم ابن عربي» وهو وصف خاطئ حسبما 
بيه Friedmann‏ .لا هذا الشيخ هو اخم رهاق (ت /١٠١*5‏ 
64 الذي يصف نفسه بالتحقق بكل علوم التجلي التي قال عنها الشيخ 
محبي الذّين بن عربي: «إنها مخصوصة بخاتم الولاية». بل إن هذا الشيخ 
ليكاد يصرح بأنه شرّف بالوصول إلى مقام أعلى من مقام ابن عربي نفسه”". 
وكذلك الشيخ صفي الدين قشاشي (ت١1١٠/‏ 1171) - الذي تلقى 
خرقة ابن عربي» والذي يُعَدَ حلقة من حلقات السلسلة الأكبرية المستمرة 
حتى يومنا هذا- يبدو من كلامه أيضًا أنه يدعي لنفسه مقام الختمية. بل 
بذكرمولك رجه الفاق ال لل كاه الس طالخ أنه 
ود خط النناقي د على هان رسالة العازق الله سنق احنة اند 
شَيّخَان باعلوي» المسماة «بشق الجيب في معرفة رجال الغيب» عند قوله: 
)١(‏ سرهندي» مكتوبات إمام رباني» 1899 ۷٥٣سا‏ (انظر على سبيل المثال: 
Y. FRIEDMANN, Shaykh Ahmed Sirhindî, Montréal/‏ 
sd.‏ 33 .م ,1971 Londres,‏ 
(۲) قشاشي» السمط المجيد» حيدر آباد» ١۳۲۷‏ هى ص۱۸۳؛ وما يقوله النبهاني عن هذا 
الموضوع في كتابه: جامع كرامات الأولياء (۱» ص ه- ۳۳۷) ليس إِلّا ترديدا 


لأقوال الشيخ سر هندي في مصنفه السالف الذكر. 


www.alimamaltayeb.com 


0٤‏ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
«والختم وهو واحد في كل زمان يختم الله به الولاية الخاصة» وهو الشيخ 
الأكبر) - ما نصه: (إن الختمية الخاصة مرتبة إلهية ينزل بها كل أحد لها 
حسب وقته وزمانه» غير منقطعة أبد الآبادا. ثم يقول الشيخ قشاشي بعد 
ذلك: «.... وقد تحققنا بذلك حقاء ونزلناه منازلة وصدقاء وممن رأيته من 
مشايخي من أهل الختمة المذكورة [...] خمسة أنفس». 

وثمة رأى آخر غريب يطالعنا به واحد من كبار شُرّاح ابن عربي 
والمدافعين عنه في العصر العثماني» ونعني به: عبد الغني النابلسي 
)17١ /١١5(‏ الذي ينص- صراحة- على أن ابن عربي هو خاتم 
الأولياء في عصره» وذلك في قصيدته التي يقول فيها: 


في الناس محيي الدّين ذكْرٌ مُحدّثْ يبدي الإله لمن يريد نصوصه 
هو خاتم للأولياء في عصره حَقَقَتَ هذا إن قرأتٌ فصوص”") 


وفي كتابه الرد المتين» الذي خصصه النابلسي للرد على خصوم ابن 
عربي - وهو مخطوط لم ينشر بعد- يبين النابلسي أن الختم هو «الوارث 
اکال رة المد ةا ران رين وا بهذا اليه وان اخ مول 
)1( * 


- زمانا- هو ابن عربي ثم تواجهنا قضية محيرة في هذا الصدد. يثيرها 


21959 نقلا عن: كامل مصطفى الشيبي» الصلة بين التصوف والتشيع» القاهرة‎ )١( 
. ٤۷٤ص‎ 

(۲) مخطوطات الظاهرية 4۸۷1. ورقة ٤٠٥‏ ب. ومن الغريب أن نجد هذا النص نفسه يؤكد 
على أن ختم الولاية العامة هو «المهدي)؛ وقد ميز ابن عربي - بفروق حاسمة - بين 
ختم الولاية» وبين المهدي» وذلك في مواضع كثيرة من مؤلفاته التي قرأها النابلسي» 
وشرح بعضا منها شرحا دقيقا وأمينا في الوقت ذاته. 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۵۵ 
حفيد النابلسى نفسه» وهو كمال الدّين العَرّي الذي يؤكد هو الآخر أن 
جده (النابلسى) كان ختما للولاية المحمدية» كما يقول كانت «له رتبة 


الختم الخاص)”(". ولا تنحصر الأقوال المتضاربة حول «وحدة» الختم 
و» كثرته» في هذه النماذج السابقة» فهناك ادعاء مماثل في أدبيات الطريقة 
التيجانية» يُنسب فيه للشيخ أحمد التيجاني (ت ۱۲۳۰/ 1815 ) أنه كان 


يقول إن ابن عربي بعد أن صرح بأنه ختم الولاية» رجع عن ذلك في آخر 

أمره «وأخبر أنه أعلم أنه ليس له ما ظنء وإنما هو لغيره». 
ويبقى في نهاية البحث في مشكلة «من هو الختم؟)» أ «(من هم 

الخواتيم؟)» اتجاه شيعي نجده» ولأول مرة تقريباء في كتاب من أمهات 

كتب التصوف عند الشيعة» ونعني به كتاب نص النصوص لحيدر آمُليء 

)١(‏ كمال الدين العَرّي (ت١٤٠١١/ .)١۷۹۹‏ الورد الأنسي والوارد القدسي في ترجمة 
العارف بالله الشيخ عبد الغني النابلسي» مخطوط بحوزة «محمد راتب» أحد أحفاد 
الشيخ النابلسي» وقد أخبرنا بذلك السيد محمد بكري علاء الدين» الذي نقدم له خالص 
شكرنا على هذه المعلومة» أما الفقرة التي اقتبسناها في النص أعلاه» فهي مسطورة في 
نهاية الباب الحادي عشر من هذا المخطوط. 

() انظر بغية المستفيد لمحمد العربي بن السائح التيجاني» القاهرة ۰۱۹٥٩‏ ص۹۲٠‏ 
وما بعدها. وفيه أن الشيخ أحمد التيجاني «أخبر تصريحا على الوجه الذي لا يحتمل 
التأويل أن سيد الوجود ئة أخبره يقظة بأنه هو الخاتم المحمدي»؛ انظر أيضًا الحاج 
عمر الفوتي» كتاب الرماح حزب الرحيم» على هامش: جواهر المعاني للشيخ على 
حرازء بيروت 11"87ه ۲» ص٤‏ (الباب: 277)؟ وأيضًا: الفتح الرباني للشيخ محمد بن 
عبد الله بن حسين» بيروت» بدون تاريخ» ص6١‏ وما بعدها. وفكرة الختمية كمرتبة 
روحية مفتوحة لأي ولي مؤهل. يقول بها في عصرنا هذا أيضًا أبو الوفا التفتازاني (في 
مقاله في الكتاب التذكاري لابن عربي» القاهرة »١1979‏ ص7١".‏ 


www.alimamaltayeb.com 


۲۵٦‏ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
المتوفى في نهاية القرن الثامن الهجري. ويرجع الفضل في معرفتنا هذا 
الكتاب إلى كوربان» الذي اضطلع - مع عثمان يحيى- بتحقيق ونشر 
مقدماتة المطولة في جزء مستقل. وهذا الكتاب شرح موسع ومعمق 
لفصوص الحكم التي يضعها حيدر آمُلي في مكانة سامقةء وينظر إلى 
مؤلفها الشيخ الأكبر نظرة إعجاب شديد» بل ويمنحه احتراما عميقا بالغ 
التأثير”©. لكنه - برغم كل ذلك - يخالف ابن عربي في مسألة رئيسية ونقطة 
مهمة؛ فعنده أن ختم الولاية العامة هو «على ب تن أبي طالب» ولیس عيسى 
كا وأن ختم الولاية المحمدية هو المهدي” ". ومع تقديرنا لهذا الرأي» 
فإنه -لاشك- يتعارض تعارضا كليا مع ما هو مرسوم في تخطيط ابن 
عربي ومنظوره الشامل للدورة التاريخية المفتتحة بالنبي بي والتي يحتل 
فيها كل من الإمام على والمهدي مكانة عليا مؤكدة» لكنها تختلف اختلافا 


(۱) حيدر آمْليء كتاب نص النصوص في شرح الفصوص. باريس/ طهران ۱۹۷۵. انظر 
فيما يتعلق بتقدير الآمُلي للفصوص ومؤلفها ص55- ٠٠١٤‏ . 

(0) المصدر السابق» ص0177 2175 ويقول الآمُلي إنه يعتمد في إثبات رأيه هذا على العقل 
والنقل والكشف. وفي موضع آخر ينتقد الآمُلي - بعنف شديد - شراح ابن عربي من 
أهل السنة» خصوصا: داود قيصريء انظر ص ”717 وما بعدهاء أو هو ينتقد التفسيرات 
التي تنسب للقاشاني القول (ص١77)‏ بأن ختم الولاية المحمدية هو المهدي» أو تلك 
التي تنسب إلى جندي فكرة أن «عليا» هو ختم الولاية العامة. وصحيح أن القاشاني (في 
سيرد التأويلاتك» ١‏ ض۷۸ غند تفسير قوله تعالى : عي أن متك ريك مقَامًا 

مود )€ [الإسراء: 1/4]» يستعمل عبارة موهمة» تبدو كما لو كانت تبريرا للفكرة 
المنسوبة إليه» لكنه في شرحه على الفصوص (ص 5 ") يميز تمييزا واضحا بين المهدي 
والختم (ص١170)»‏ ويحدد» في وضوح أيضّاء أن الختم هو: ابن عربي. 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش 0۷ 
كليا عما يقوله الآمُلِي. «فعلِيٌ» في المنظور الكلي لابن عربي» قطب من 
أقطاب الإسلام, ودورزه لا يمكن لأي - ختم أن ينهض به200". أما المهدي 
فإن مهمته أن يؤكد في آخر الزمان» وبقوة السيف» على خضوع العالم 
للشريعة المقدسة التي يُمثل فيها المهدي دور الشارح أو المفسر الملهه”". 
وهكذا ينفرد الآمُلي بهذه الملامح التي نعرفهاء من قبل» عند الشيعة» 
والتي تنغلق في بعد واحد فقطء هو البعد الجسدي للذات المحمدية 
أي في عليّ» ابن عم النبي بيروت وزوج ابنته» وفي المهدي الذي هو من 
نسله الجسدي أيضًا. وانطلاقا من هذه النظرة الضيقة صارت الوظائف 
الروحية- عند الشيعة- وققًا على آل البيت فقط دون غيرهم من أولياء الله 
تعالى. وكيفما كان الأمرء فإن ما ذهب إليه الآمُلي في هذه المسألة يمكن 
أن نعده- في موضوعية لا تدعي تقييم الآراء ولا محاكمة الأفكار- رأيا 
منشقا على المذهب الصوفي لابن عربي» وخارجا عن روحه ومضمونه. 


)١(‏ الفتوحات» 4» ص۷۷. والاختلاف أو التمييز بين وظيفتي الختم والقطب أمر لا يمكن 
تجاهله في كتابات القونوي» وهو - من قبل- شديد الوضوح في كتابات ابن عربي» 
حتى في المواضع التي يمكن أن يلتبس الأمر فيها على القارئ أو يتوهم حكما مخالفا 
لما سبق» مثل ما جاء في الفتوحات» ۱» ص .١7١‏ ولیس صحيحا ما يقوله بولس نوياء 
ئ سابل ی ت ريع ارا بي الحسن الشاذلي» والذي اعتمد فيه على 
اا کاو ا لان ا ا وا می ات ا اد 
القاهرة ٠١١۷‏ ه ١ء‏ ص 40): ولقد التقينا بالأب نويا فبيل وفاته ونبهناه إلى هذا الخطأ. 
انظر كتابه: (Ibn Ata’ Alla et La Naissance de La Confrérie Shadilite)‏ 
بیروت» ۰۱۹۷۲ ص ۲٦٣‏ . 


(۲( فيما يتعلق بدور المهدي» انظر الفتوحات» ۳« ص۷٣‏ ۳= ۰ الباب TUT‏ (في معرفة 
منزل وزراء المهدي الظاهر في آخر الزمان). 


www.alimamaltayeb.com 


01" الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
ومن المدهش- حقا- أن نرى کوربان» أو نرى واحدا من تلامذته» يقلب 
هذه المسألة رأسا على عقب. من أجل أن يُظهر تعاليم ابن عربي - في نهاية 
المطاف- وكأنها تعاليم شيعية انحرفت عن أصولها المذهبية. 


(١)انظر‏ الفصل الثالث من كتابنا هذا ص٤۷‏ هامش١»‏ ومقالةكوربان هذه يرددها 
Stéphane Ruspoli‏ في مقاله السابق (انظر فصل ۸» هامش ۳ ص5 )١5‏ الذي يتهم 
فيه ابن عربي بتخريب عقائد الشيعة وإفسادها إفسادا بالغاء وهو اتهام لا معنى له؛ لأنه 
موجه ضد رجل من أهل السنة. ومع ذلك يرى 50013ن1خ1 أن رؤيا ابن عربي» الواردة 
في الفتوحات» ۱ » ص ۳۲١ 27١4‏ ليست إلا وصية روحانية صادرة من صوفي متشيع 
بالقلب. ونقول إن نظرات 141150011 هذه يمكن أن تكون أكثر إقناعا وأكثر معقولية 
لولا أنه يجهل كثيرا من نصوص ابن عربي المتعلقة بموضوع ختم الولاية»!)» (ولدرجة 
أنه يؤكد في مقاله هذا ص 2777 أن ابن عربي ما قال أبدا: (أنا ختم الولاية)!) ولولا 
أنه - أيضّأ- لا يحسن قراءة ما يقرأ من كلام ابن عربي: فقد قرأ في مقاله (ص١77)‏ أن 
ابن عربي يقول: «ويقول «وقلت متأولاني» - هكذا- بدلا من: وقلت متأولا: إني)؛ 
وفي ص 775 قرأ «حشرًا مَعَنى) - هكذا - بدلا من «حشرا معنا». معني وكذلك ما 
يقوله ابن عربي في الفتوحات» ؟» ص44.» ليس إشارة واضحة» قدر الإمكان» إلى 
الروح القدس أو البارقليط» كما يقول 1150011خ1. لأن ابن عربي لا يتحدث هنا عن 
شخص مشابه للمسيح» بل يتحدث عن المسيح نفسه. وصحيح أن السهروردي 
المقتول )١١9494/0/1(‏ في كتابه هياكل النور (تحقيق محمد علي أبو ريان» ط. 
الثانية» القاهرة ۱۹١۷‏ ص۸۸) يذكر» وهو يستشهد بأقوال عيسى 45 (إنجيل يوحناء 
إصحاح ۱١ :١5‏ -17, 70 -235))» أن التنزيل إذا كان مخصوصا بالأنبياء فإن التأويل 
والبيان يختصان بمظهر العظمة البارقليطي» وأن هذا البارقليط - فيما يقول- غياث 
الدّين الدواني (ت )١19١١/401‏ شارح هياكل النورء والذي اعتنق التشيع في أعقاب 
رؤيا منامية هو محل ظهور الولاية (المصدر السابق ص٤ »)٠١‏ وصحيح أيضًا أن حيدر 
آملي (المصدر السابق ص۲٠۲)»‏ وهو ينقل -كذلك- أقوال عيسى 52 يطابق بين 
البارقليط وبين المهدي. لكن يبقى بعد كل ذلك أن البارقليط في مذهب أهل السنة» = 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش 0۹ 

ولقد سبق أن عرضت لنا مناسبة أكدنا فيها على الدور الخاص الذي 
اضطلع به الأمير عبد القادر الجزائري”"» كممثل لتصوف ابن عربي في أنقى 
صوره» وأشدها أمانة. ونضيف هنا أن هذا الآمير» بعد أن تحرر من قبضة 
التابليون) الثالة» وتجا من أسره أخذ سمه نحو مدينة دمشق واسقريها 
بقية حياته» وهناك ألف كتابه المواقف. بعد ما استقى كل مادته من تأملات 
طويلة وعميقة في تراث ابن عربي» وأيضًا من إلهامات استمدها من الشيخ 
الأكبر كَشْفًا. وقد شاءت أقدار الأمير أن يكون قبره - في نهاية حياته- على 
مقربة من قبر شيخه هناك في مدينة دمشق ق. وفي هذا الكتاب يكثر وصف 
ابن عربي ب «ختم الولاية المحمدية)"» بحيث يمثل هذا الوصف - لدى 
الأمير- حقيقة لا مجال فيها لجدل أو نقاش. ولا يتوقف عبد القادر عند 
مجرد التأكيد أو التقرير البسيط لحقيقة «الختم» فقط» بل يعرض - في 
باب من أبواب المواقف- وبشيء غير قليل من التلخيص والتنظيم» لكل 
المعلومات الخاصة بالخواتيم الثلاثة» وبوظائفهم المنوطة بكل منهم 
على حدة”". وقد تميزت كتابات الأمير في هذا الموضوع بوضوح شديد 


=وبرغم كل ما تقدم» هو محمد اة نفسه» ولیس شخصا آخر (انظر على سبيل المثال» 
سيرة ابن هشام» القاهرة ۰۱۹٥٩۵‏ ۱» ص7775- ۲۳۳)» وهذا هو ما تتضمنه التفاسير 
المأثورة والمتواترة للآية الكريمة: ١‏ من سورة الصف. 

(۱) انظر ترجمتنا لمختارات من كتابه المواقفء. بعنوان: 15[ع111611م5 Ect‏ باریس 
» وخصوصا ص ٠١‏ وما بعدها من مقدمتنا للترجمة. 

)١(‏ انظر كتاب المواقف» ط. الثانية» دمشق 21951/-١955‏ (۳ مجلدات متتابعة الترقيم 
في الصفحات). ص 1/57 875 851 , 7لالىء ۱۲۷۷ء 17865ء وغير ذلك. 

() المصدر السابق» ص57 ١١5/21١١‏ (الموقف 707). 


www.alimamaltayeb.com 


۲1 الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
طالما افتقدناه في كتابات تلاميذ ابن عربي الأقدمين. وسوف نتخذ من 
هذا الموقف القصير من كتاب عبد القادر - والذي تنطبق كل كلمة فيه 
على ما هو منثور في كلام ابن عربي من رموز إشارات - مرشدا وهاديا في 
محاولتنا تقديم منظور متكامل يُلخص للقارئ أبعاد هذه القضية» وبحيث 
يمكن القول -في النهاية- بأن عرض الأمير عبد القادر لهذه المشكلة 

- كل من الولي والنبي والرسول يشرب ويغترف من البحر المحمدي» 
والبحر المحمدي مصطلح يرمز إلى المفهوم المعروف لنا سلفاء وهو 
مفهوم الحقيقة المحمدية. 

- النبوة العامة أقصى وأعلى درجة في درجات الولاية» وتسمّى أيضًا: 
مقام القربة» وهذه التسمية ذات صلة قوية ومؤكدة بالمعنى الأول من معاني 
مادة: «و ل ي»» وهو «القرب» وهذا المعنى -أيضًا- لا ينبغي أن يغيب 
عن أذهاننا أبدا؛ إذ القرب - في ارتباطه بالصورة القرآئية: #قاب فَوَسَينٍ 
وَأدْقَ )€ [النجم: 4]» وكذلك في لغته المتوائمة مع المنظور الإسلامي 
-إنما يعبر عن عودة إلى الوحدة الأزلية". 

- والذين يصلون إلى هذه الدرجة العليا من درجات الولاية يُسمّون 
«الآفراد»» وهم «أنبياء الآولياء». ولا يخامرنا أدنى شك في أن المقصود 
من نبوتهم هنا النبوة التي لا وحي فيها ولا تشريع» ضرورة أن نبوة التشريع 
)١(‏ انظر نهاية الفصل الخامس من كتابنا هذاء وأيضًا: الهامش الأخير من هذا الفصل 

ص۱۸۷ . 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش 1" 
قد ختمت وانقطعت كلية بمحمد ا فلا نبي بعده؛ 

- والنبوة العامة قد تكون مطلقة غير مقيدة» وهي ميراث الأنبياء من 
غير محمد» صلى الله وسلم عليهم أجمعين» وقد تكون مقيدة» وهي 
ميراث محمد ية خاصة؛ 

- النبوة العامة المقيدة مختومة بخاتم الولاية المحمدية» وهو ابن 
عربي. ومن يأتي بعده من الأولياء الواصلين إلى مقام القربة» أي الواصلين 
إلى مرتبة الأفراد» يأخذون إرثهم من الأنبياء الآخرين» غير محمد كَلِةِ. 
وما ما يحصلون عليه من الإرث المحمدي فإنما يحصلون عليه من طريق 
مواز غير مباشر؛ 

- والنبوة العامة المطلقة مختومة بعيسى 82 عند نزوله في آخر 
الزمان» ووقتذاك لا يستطيع أي ولي أن يصل إلى مرتبة الأفراد؛ 

- ما بقى من درجات الولاية - بعد ذلك- يظل مفتوحا إلى أن تختم 
الولاية بخاتم الأولادء وهو آخر مولود في النوع البشري» وآخر ولي في 
الوقت نفسه» وهو آخر الآمناء على إرث «شيث». أما دور هذا الختم فإنه 
يأتي في نهاية الزمان» في الفترة التي يدشر فيها المسيح العدل على الأرض» 
حسبما ورد في بعض الأخبار في علامات الساعة. وهذا التعاصر الزمني 
بين وجود المسيح ,َلك ووجود خاتم الأولاد» ربما كان وراء الخلط الذي 
لاحظناه من قبل» عند القيصري» بين هاتين الشخصيتين. 

وإذن هنا الصورة الكبرى من الدرجة العليا للولاية» وهي الصورة 


www.alimamaltayeb.com 


1۲ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
التي تنطوي على الإرث المحمدي الكاملء وهذه الصورة مختومة بابن 
عربي. وهناك الصورة الصغرى من الولاية» وخاتمها عيسى ه. ثم هناك 
الولاية نفسها في كل صورها ودرجاتها الآخرى» وخاتمها هو: المولود 
الأخير من النوع البشري في هذه الحياة. لكن يجب أن نكون على ذكر 
من أن الخواتبوء فى كل هذه الصور» وغلى الخلا مراتتهني ليس إلا 
مظاهر - تامة أو ناقصة- للحقيقة المحمدية» هذه الحقيقة المستترة وراء 
مقام الرسالة والنبوة في الشخص الظاهر للنبي ييه كما يقول القاشاني”. 
وبرغم ما قد يُتَوهُم من عبارات ابن عربي» فإنه لا مجال للقول بأفضلية 
خاتم الولاية المحمدية على «خاتم الأنبياء»» لأن هاتين الوظيفتين ترجعان 
- في حقيقة الأمر - إلى الحقيقة المحمدية. وهذا هو القيصري في شرحه 
على الفصوصء يبين لنا أمر العلاقة بين الختم المحمدي - وهو ابن عربي» 
فيما يقول القيصري - وبين النبي ايا في صورة تشبيهية» أساء فهمها «(حيدر 
آمُلي) وأنكرها عليه. وفي هذه الصورة تبدو العلاقة بينهما شبيهة بالعلاقة 
بين حارس كنز الملكء وبين الملك نفسه؛ فكل من يأخذ من الكنز - ومن 
بينهم الملك- إنما يصل إليه من خلال الحارسء وهذا لا يعني أن الملك 
تابع للحارس أو خاضع له". على أن التمثيل بكلمة «كنز» هنا ليس مجرد 
اتفاق في التعبير» بل هو مرتبط ارتباطا مباشرا بما تشير إليه دلالة الختم نفسه؛ 
ذلك أن الختم في أصل معناه - وكما ورد في القرآن الكريم - وإن كان يعني 
ما به يُختم الشيء» (ومنه قوله تعالى: #واتم أَليَيَعنَ € [الأحزاب: ٠)٤١‏ 
)١(‏ القاشاني» المصدر السابق» ص5 ". 
۲( ار 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش 1 
أي النبي الذي ختمت به دورة النبوة ختما مطلقا)ء إلا أنه يعني في المقام 
الأول: ما به يُحفظ الشيء المختوم» وتصان به حرمته. وهذا المعنى الثاني 
هو ما يقصده ابن عربي - قصدا صريحا- في قصيدته”" التي يقول فيها: 


لو أن البيت يبقى دون ختم لجا اللضن كاك لد 
کی ا کے تلد ا إلى ہے حين يونت الر لا اسن سل 


عربي - صاحب مهمة محددة يعمل على تنفيذها. وحين يقول ابن عربي - 
ضمن ما يقول في مواضع كثيرة - «إني أقمت لدين الله أنصره...)”" فإنما 
يشير إلى هذه المهمة الخاصة التى يعتقد أنها وكلت إليه. 

وقول ان دور ابه فر کا وتصووه هوي و كما أداة واه ميل اکر 
من سبعة قرون» وسواء في صورته المعلنة أو المستترة - كان دورا مزدوج 
التأثير فى علماء التصوف. فمن ناحية» كان هذا الدور يمثل «المرجعية) 
الكبرى لمذهب أهل التصوفء ومن ناحية أخرى» كان يمثل «النبع» الذي 
تستمد منه البركات والنفحات. بل قد حفظ ابن عربي بمؤلفاته الخصبة 
الثرية» وخصوصا كتابه العملاق» الفتوحات» «الأمانة» الروحية التى تهددتها 
)١(‏ عنقا مُغرب» ص۰1۲ ٠٦۳‏ انظر أيضًا: الديوان» ص۲". 
(۲) الديوان» ص4 .١5‏ هذا ويصرح ابن عربي بمهمته تلك في مواضع كثيرة من كتبه. انظر 


- على سبيل المثال- الفتوحات» ۱»> ص۸٥٦۰‏ ۳« ص 77١‏ كتاب الإسراء ضن ١‏ 7ت 
5؛ التجليات» (تحقيق عثمان يحيى) ص ٠‏ ري ارم 


www.alimamaltayeb.com 


٤‏ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحي الدّين بن العربي 
الانكسارات الداخلية» والأخطار الخارجية التي أحدقت بالأمة الإسلامية» 
وكأن ابن عربي - في ليل التاريخ الطويل'" - هو المتوحد الساهر على حفظ 
«الكنز الروحي» وحراسته للمستحقين من الورثة» وهو كنز لم تعد معرفته في 
كل آفاقه الشاسعة ممكنة من طريق البحث والنظر وانتقال التعاليم المتوارثة. 
ولعل في هذا ما يفسر لنا تسمية ابن عربي بالشيخ الأكبر» أو شيخ الشيوخ؛ 
فبتوسط هذا الشيخ» بقيت العلوم اللَدُنّيّة المكنونة في بيت الولاية -وستبقى- 
حية ومفتوحة لمن تتحقق فيهم الأهلية» والاستعداد» وشروط الوصولء وإلى 
أن يأتي يوم يصير فيه الناس مثل البهائم لا يُحلُون حلالا ولا يُحرّمون حراما. 

غير أن دور ابن عربي لم يكن ليتمثل - فحسب- في دور الأمين 
على «العلم لذن والمفسر لرموزه وإشاراته» بل تمثل كذلك في 
حضوره المستتر بعد رحيله عن الدنياء ووجوده الخفي وراء توارث 
«البركة» وانتقالها - كلما دعت الدواعي- لتضخ الحياة في شرايين الآفراد 
والجماعات» ولتَعَبّد -من جديد- مسالك الولاية وطرائقهاء ولتعيد 
إلى التراث الإسلامي ما أمكن من أصّالته وذاتيته. ولعل في هذا المعنى 
ما يوضح أهمية «الخرقة الأكبرية» في سريانها الذي يشبه - في بعض 
الأحيان- سريان نهر يجرى تحت الأرض» ثم يتفجر فجأة» وفي وضح 
النهارء لينطبع به هذا الفرع أو ذاك من فروع الطرق الصوفية» ويصطبغ 


بصبغته". ومن هنا أيضًا تتضح -كذلك- أهمية ابن عربي الروحانية» 


)0( «فالعالم اليوم» كله نائم من ساعة مات رسول الله . ل ونحن بحمد الله فى 
الثلث الأخير من هذه الليلة» (الفتوحات» ۳» ص۱۸۸). 
(؟) سبق أن أشرنا -فيما يتعلق بالنصف الثاني من القرن التاسع عشر- إلى مرحلة من 


www.alimamaltayeb.com 


عن شوه كيفيتة ۳۵ 
وخصوصا في رؤى الصوفية» منذ عصره وحتى يومنا هذا: فمن القونوي 
إلى الأمير عبد القادر الجزائري تمتد سلسلة بعيدة المدى» تحفل برجال 


-مشهورين أ مغمورين- تتلمذوا واسترشدوا واستندوا إن شيخ لم 


يحبجيه ثرين قر عن اللائ فين حر له من الحا 


ومهما بلغت قيمة هذه الأدوار المنحصرة - بطبيعتها - في زمان 
ومكان معينين» والتي اضطلع بها شيوخ من أمثال: محمد وفا وقشاشي 
وأحمد تيجاني» ممن ادعوا لأنفسهم - أو ادعى لهم أتباعهم- مرتبة 
ختم الولاية» فإنها لا تقارن أبدا بالدور الذي مثله- ولا يزال يمثله- ابن 
عربي. ومهما كان هذا الدور خفيا أو مستتراء فإن من السهل التعرف عليه 


مراحل «النهضة الأكبرية» (والتى يدل عليها - أحيانا- وجود النسبة الأكبرية فى أسماء 
بعض الشيوخ)» وذلك في مقدمة كتابنا: 5كآ1110م5 801165 ( ص۹٥۳٠‏ 77), وأشرنا 
هناك إلى أن كلا من الطريقة الشاذلية والنقشبندية ربما تتمتع بخصائص مميزة تؤهلها 
لقبول تأثير ابن عربي بعد رحيله. 

)١(‏ وهذا النوع من التلمذة الروحانية ينتمي إلى الطائفة الأويسية» وهي طائفة مشهورة من 
الصوفية ينتمي فيها المريد إلى شيخ حي موجود. وبتوسطه يرتبط بسلسلة من سلاسل 
الطرق الرسمية؛ إلا أن شيخه الحقيقى والفعلى دائما ما يكون من الأولياء المتتقلية: 
يراه في منامه ويتأدب بتعاليمه. ومن بين الأويسيين المشهورين: أبو يزيد البسطامي» 
تلميذ - غير مباشر- لجعفر الصادق. وأبو الحسن الخرقاني» تلميذ - غير مباشر- 
للبسطامي. وبهاء الدّين النقشبندي» تلميذ - غير مباشر- لعبد الخالق الغدواني. 
وانظر» فيما يتعلق برؤى القونوي لابن عربي» كتاب: النفحات الإلهية للقونوي 
(مخطوط ١554‏ 8101) ورقة ٠/أى‏ ٠«لابء‏ ١٠١١ب»‏ ١١١أ).‏ وهناك مثل آخر نجده 
- هذه المرة- عند الجيلي» في الرؤية التي رآها في ينبع سنة 84/اهء انظر شرح رسالة 
الأنوار» ص5. (هذاء والتاريخ المذكور في طبعة دمشق وهو سنة ٩۸۸4ء‏ لا شك في أنه 
خطأ من الناسخ» أو من الطبع؛ فالجيلي مات سنة ۸۳۲ه/ 57/8١م).‏ 


www.alimamaltayeb.com 


۳٦‏ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحي الدّين بن العربي 
خلال التاريخ العام للتصوف» وخلال التاريخ الخاص بشيوخ التصوف 
على وجه الخصوص. وهذه الحقيقة تجاوبها حقيقة أخرى تمثلت في 
«إخلاص» هؤلاء الذين يزعمون لأنفسهم أو لشيوخهم وظيفة قاصرة 
بالضرورة على شخص واحدء إذ الختم هو الشخص العاقب والأخيرء 
وهؤلاء» في دعواهم الختمية» إنما ينطلقون أولا وأخيرا من شعور داخلي» 
لا يقاوم بعلاقة خاصة بينهم وبين وظيفة الختم هذه. والأخطاء التي 
يمكن أن تقع في هذا الطريق إنما تقع في تفسير معطيات هذا الشعور 
لا في معطيات الشعور نفسها. على أن المذهب الصوفي لابن عربي - 
وخصوصا مفهوم «النائب» الذي مر بنا في أثناء الكلام على «القطب» - 
ربما يقدم حلا لمعضلة الادعاءات المتضاربة حول هذه الوظيفة؛ فختم 
الولاية المحمدية- فيما يرى القاشاني في شر حه على فصوص الحكم- له 
الولاية الشمسية» بينما الأولياء الآخرون لهم الولاية القمرية» أي الولاية 
التي تستمد نورها أو تعكسه من نور الولاية الشمسية. وفي ضوء هذا 
التفسير» يمكن أن ننظر إلى الأولياء المذكورين آنفاء على أنهم سلسلة من 
«المرايا» التي تستقبل أنوار الولاية الشمسية ثم تعكسها بدورها بعد ذلك» 
أو إن شئت ننظر إليهم بحسبانهم «وسائط معلومة» في تاريخ التصوف”", 
تقل «البركة») في رحابها وبين أيديهاء ويكون دور «الختم» الأوحد - 
فيما يتعلق بأمر هذه البركة - دور الحارس والمتصرف في الوقت ذاته. 


(۱) نقول: وسائط معلومة» أن هناك «وسائط») أخرى كثيرة مجهولة تماماء أو معروفة 


معرفة ناقصة. 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۷ 


القضل اتعاهشد 
المعراج المزدوج 
يدور مذهب ابن عربي في الولاية والأولياء حول مفاهيم ثلاثة رئيسية» 
هي: الوراثة والنيابة» والقربة. فالوراثة - وهي وراثة العلم الذي أو إن 
شئت» وراثة نوع من المعرفة الإلهية مستمد من مصدر ما من المصادر 
النبوية المتعددة- تفسر صور الولاية المختلفة. والنيابة - بمعنى نيابة 
الولي في وظيفة ترجع إلى الحقيقة المحمدية دون غيرها - تؤسس وظيفة 
الولاية ودورها الحقيقي. أما مفهوم القربة» فهو المفهوم الذي يحدد حقيقة 
الولاية وطبيعتها. وقد تناولنا من قبل -في إشارة سريعة- المفهوم الثالث 
من هذه المفاهيم» وهو مفهوم القربة» ونحن بصدد الحديث عن الدرجة 
القصوى للولاية. ونتابع هنا في هذا الفصل - بشيء من التفصيل - دراسة 
الأبعاد الكاملة في هذا المفهوم. 
ونبداً بحثنا هنا بهذا السؤال: كيف يكون الوليّ وليا؟ والإجابة عن 
هذا التساؤل تقتضي أن نبين أن الولاية» وإن كانت تندرج بالضرورة ضمن 
نسق روحي جامع يضبط صورها وأشكالهاء ويحدد وظائفها ومهماتهاء 
هي- في المقام الأول- ثمرة «اجتهاد شخصي؛. دائما ما يتسم بالتفرد 
وعدم التكرار لڪل جعلتا و K‏ كه ينتعا » [المائدة: .]٤۸‏ ويحرص 
ابن عربي - في هذا المقام- على التذكير والتأكيد على «عدم التكرار في 


www.alimamaltayeb.com 


۳۸ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
العطاء الإلهى» لا فى الموجودات ولا فى الأشياء ولا فى الأفعال «فما 
ثم ثم تكرار للاتساع الإلهي»”"» وما يسلك سالكان في طريق واحد أبداء 
وحظ هذا من السلوك ليس هو حظ ذاك» «فليس في العالم شيء يتكرر». 
وهذه حقيقة أولى» تترتب عليها حقيقة أخرىء لا تقل عنها أهميةء 
هى أن كل سفر أو سلوك روحانى - كائنة ما كانت هوياته وخصائصه 
الذاتية- لابد أن ينطوي على مراحل ومخاطر تخضع في طبيعتها وصورها 
المختلفة لأنموذج معين تلتزم بقواعده وتتقيد بقيوده» ولولا ذلك لما كان 
لمفهوم «الشيخ أو المربي» أي معنى» بل إن السلوك الروحى - فى هذا 
الإطار- ليشكل» بكل صوره التي لا تكاد تحصّى» خاصة من خصائص 
الآدب الصوفي على مدى تاريخه الطويل. ولما كان المعراج النبوي يمثل 
نقطة الارتكاز في المرجعية الكبرى في التصوف الإسلامي لهذا النوع من 
السفرء اتخذه المتصوفة- فى غالب الأحيان- وصفا رمزيا للصعود فى 
مدارج السلوك”". وهذا ما سنجده عند ابن عربي في الصفحات التالية» 
2200 الفتوحات» 3 ص٥۷۲؟ e‏ ص۰۱۲۷ 49 cé ¢TAA‏ ص٥‏ درت الفصوص» أ 
ص۲٠‏ ۲؛ كتاب العبادلة» ص .5١٠١‏ 
(۲) يمكن أن نعد مقال: نظير العظمة Some notes on the impact of the Soy‏ 
the Mi raj on Sufi Litterature‏ 04 والمنشور فى مجلة: The Muslim‏ 
«World‏ مجلد 37ت إبريل ۹۷۳ ص947- 5 » بداية لدراسة مفهوم «المعراج» 
في أدبيات التصوف. وهناك دراسة أخرى لقاسم السامرائي عن «المعراج في كتابات 
الصوفية» بغداد .۱۹٠۸‏ وإذا كنا نفضل هنا استخدام كلمة «(معراج» صورة تعبيرية للسير 
والسلوك الروحانيين» فلما تتميز به هذه الكلمة من وضوح ومن خصائص معينة يتألف 
منها مفهومها ومعناهاء وأيضًا لانتسابها للنبي يك انتسابا صريحا ومباشرا. ولكن ينبغي = 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۳4 
وهو يستخدم المعراج صورة رمزية للسلوك ينتهي - أخيرا- بتحقيق الولاية. 

وسوف نهتدي في بحثنا هنا برسالة الأنوار التي ألفها الشيخ الأكبر 
بمدينة «قونية» سنة 7١1هه‏ في بداية إقامته ببلاد المشرق» وكان عمره 
آنذاك اثنتين وأربعين سنة قمرية”2. وهذه الرسالة توجد منها طبعات ثلاث 
على الأقل» مليئة -كلها- بالأخطاء والغلط الكثير”". ولذا فضلنا أن نعتمد 
في تحليلنا مضمون هذه الرسالة على مخطوط من أقدم مخطوطات هذا 
النص» يتمتع بحالة ممتازة» وبتوثيق خاص تبرزه شهادة إقراء مدونة في 
آخر المخطوطء تقول إنه مقروء على القونوي””". 


-أن نشير إلى أن كتابات ابن عربي في هذا المقام- وكما يوحي به تصنيف الفتوحات في 
أقسام ستة - قد تسمح بصور تعبيرية أخرى تعتمد على التمييز بين الدرجات المعروفة 
في التصوف» مثل الأحوال والمقامات والمنازل... إلخ. 

في كتابه عن مصنفات ابن عربي» ج١»‏ ص2157 وأيضًا رقم 7 من الفهرس العام 
(مخطوط شهيد على .)١1755‏ أما صحة نسبة الرسالة لابن عربى فيو كدها ابن عربى 
نفسه» حيث عذها ضمن مؤلفاته التي أحصاها في كتابيه: الفهرسء والإجازة» إضافة 
إلى أن أسلوب وأفكار الرسالة يُذكران بأسلوب وأفكار ابن عربي في مؤلفاته الأخرى. 

(؟) الطبعات الثلاث هي طبعات دمشق ٠١۲۹‏ ه (بشرح منسوب إلى عبد الكريم الجيلي)؛ 
القاهرة 77 اه حيدر أباد ۱۹٤۸‏ . 

(6) وهذا المخطوط هر مخطوط بايؤيد 155 (صئقف سئة /531ه)» ورقة 1 ب-؟؟, 
وربما نرجع في بعض الأحيان إلى مخطوط متأخر نسبيا: (يحيى أفندي 2514١6‏ 
هذا المخطوط إلى اللغات الغربية مرتين: ترجم إلى الإسبانية بقلم أسين بلاسيوس 
El islam Cristianizado‏ (مدريد ۱۹۳۱ء ص”577- 42559 ثم نقلت هذه = 


www.alimamaltayeb.com 


۷۰ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحي الدّين بن العربي 

ولرسالة الأنوار هذه عنوان فرعي» هو «فيما يُمنح صاحب الخلوة من 
الأسرار»» وهذا العنوان قد يُوحي بأن الرسالة تتعلق بموضوع «الخلوة)» 
هذا الموضوع الذي خصص له ابن عربي البابين» الثامن والسبعين والتاسع 
والسبعيخ من الفتوخات» وأفرد له كيبا مسقلا يعنوان كنات الخلوة (أو 
كتاب الخلوة المطلقة)» صنفه بعد تصنيف رسالة الأنوارء لأنه يحيل 
فيه على هذه الرسالة» وإن كان يخلط بين هذين المصنفين في بعض 
الأحيان". ومع أن ممارسة العزلة والخلوة ترد في بداية هذه الرسالة 


-الترجمة إلى ترجمة فرنسية (01111561211156) 11512112 باريس» ۱۹۸۲ء ص -77١‏ 
۳ خلت من التعليقات» ووقع فيها حذف كثير. ثم ترجمها إلى الإنجليزية:. R.‏ 
TERRI HARRIS‏ بعنوان the Lord of Power‏ 04 ourneyل‏ نيويورك 
0١‏ وهذه الترجمة تحتاج إلى المزيد من الدقة والضبط. (راجع ما كتبناه عن هذه 
الترجمة في .)Bulletin Critique des Annales islamologiques‏ مجلد 
١‏ سنة ۱۹۸۵ء ص ۲۷۸- ۲۸۲). وهناك شرح منسوب للجيلي على هذه الرسالة 
(ط. دمشق 17794 ه)» بعنوان «الإسفار عن رسالة الأنوار فيما يتجلى لأهل الذكر من 
الأنوار»» ونحن نشك في صحة نسبة هذا الشرح إلى عبد الكريم الجيلي» وإن كنا نؤكد 
على أنه شرح معمق» وجدير بأن يُرجع إليه. وسوف نستضيء من جانبنا بهذا الشرح في 
الات القادية = وة مو فة طلا للسهولة والعسير: 

)١(‏ هذان البابان من أبواب الفتوحات (فى معرفة الخلوة» وفى معرفة ترك الخلوة) 
ترجمهما: ميشيل فالسان» إلى الفرنسية» في حولية 0000000 «Etudes‏ 
العدد ٤۱۲‏ - 17 4» مارس - يونيو 195794: ص۷۷- 85. وفي هذين البابين يركز ابن 
عربي على مبادئ الخلوة ومعناها من الناحية الميتافيزيقية» ولا يعرض لبيان قواعدها 
العملية وآثارها الروحية إلا في إشارات مقتضبة» أما الكتاب الذي يعرض للجانب 
العملي للخلوة» فإنه يوجد في ذات المجموعة (بايزيد» ١۸٦٠ء‏ لوحة 5ب- )١١‏ التي 
يوجد فيها مخطوط رسالة الأنوار» الذي نعتمد عليه في كتابة هذا الفصل. وقد أشار 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۳۷1 
كشرط أوليٌ لإفاضة الأنوار على صاحب الخلوة» فإن الغرض الأصلى 
من الرسالة - حسبما ينص ابن عربي- إنما هو بيان «كيفية السلوك إلى 
رب العزة تعالى»» أي الصعود - بالروح - من سماء إلى سماء» على قدم 
النبي بيا في معراجه الذي يجب أن يترسمه السالك في سفره هذا؛ فهذا 
الصعود- نحو الله تعالى- هو في المقام الأول نوع تَسْبّه أو اقتداء به كلا . 
ورسالة الأنوار التي نورد بعضا من فقراتها في الصفحات التاليةه 
ليست هي النص الوحيد من نصوص ابن عربي الذي يعالج موضوع 
«معراج الأولياء» في إيجاز بليغ؛ فهناك نصوص أخرى تحدثت عن 
الموضوع ذاته ولكن بصور تعبيرية متباينة» منها الباب ١17‏ من أبواب 
يميل- كثيرا- إلى أسلوب أدب السيرة الذاتية)» ومنها كتاب الإسراء وكل 
هذه النصوص عالجت موضوع معراج الأولياء بصور مختلفة ومن زوايا 
متباينة. وسنرجع إلى هذه النصوص كلما اقتضى الأمر ذلك» لنوضح ما 
المؤلف في نهاية مخطوط كتاب الخلوة (لوحة ١٠ب)‏ إلى رسالة الأنوار هذه بقوله: 
«وقد ذكرنا ترتيب الفتح في رسالة الأنوار». هذا وقد ألف ابن عربي كتاب الخلوة 
استجابة لطلب أبي العباس التوزري. (الفتوحات» »١‏ ص4۲"؛ انظر أيضًا ص ٠١١‏ 
الهامش ١‏ من الفصل السابق). 

J. 11012017112 فيما يتعلق بالمصادر الخاصة بمعراج النبي بلي انظر مقالة:‎ )١( 
في دائرة المعارف الإسلامية» ط. الأولى مادة معراج. وتعد رواية ابن عباس - وهي‎ 
أكثر الروايات انتشارا - من مصادر هذا الموضوع» وهي موجودة في مصادر كثيرة من‎ 
باشتماله على كل‎ )١155 كتب الحديث. ويتميز كتاب «المعراج» للقشيري (القاهرة‎ 
الروايات الواردة في هذا الموضوع والمتداولة في القرن الخامس الهجري.‎ 


www.alimamaltayeb.com 


۷۲ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
قد يكون غامضا أو ملغزا من عبارات رسالة الأنوار التي نستند إليها في 
هذا الفصل» وسنسلك في نهجنا أيضًا النهج ذاته في الشرح المنسوب إلى 
الجيلي» والذي يعتمد فيه الشارح أساسا على أقوال ابن عربي نفسه. ولا 
شك في أن هذا الشرح سوف يساعدنا كثيرا في توضيح طائفة من الأفكار 
الجديرة بالحسبان في هذا الموضوع. 

ولأن الشخص الذي يحادثه ابن عربي في مقدمة رسالة الأنوار ليس 
شخصا شاديا أو مبتدئا في طريق القوم» فإن هذه الرسالة لا تتوقف عند 
بيان مقدمات الطريق وبداياته» كما تفعل الكتيّبات والرسائل الصوفية التي 
عرضت لهذه الأمور بصورة مفصلة» وكما يفعل ابن عربي نفسه» وهو 
يتحدث عن بدايات الطريق في مواضع أخرى من مصنفاته؛ فهذا المخاطب 
المجهول في رسالة الأنوار» كان قد قطع هذه المقدمات» ووصل بالفعل 
- بالتزام قواعد سلوكية محددة - إلى نقطة مركزية تؤهلة للانطلاق في 
معراج روحاني بعد ذلك. 

وتطالعنا في مفتتح هذه الرسالة مقدمة تقليدية» تتلوها بعد ذلك 
فقرات تُذكّر - في إيجاز- بالشروط والواجبات التي لا مفر لمن يطمح 
إلى السلوك في هذا الطريق المحفوف بالمخاطر والمهالك: 

«أجبت سؤالء أيها الوليّ الكريم والصفي الحميم» في كيفية السلوك“ 


(۱) يميز ابن عربي في الفتوحات (۲» ص ۳۸۰- ۳۸۲) بين أربعة نماذج من السالكين» 
السالك: بربه؛ بنفسه؛ بالمجموع؛ سالك لا سالك. كما يميز بين خمسة أنواع من 
السلوك؛ منه إليه (من تجل إلى تجل)؛ منه إليه فيه (من اسم إلى اسم في اسم)؛ منه لا 
فيه ولا إليه- إليه لا منه ولا فيه (الفرار إليه من الكون في الكون» كفرار موسى )» = 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۷ 
الرووب العرة تعاتي والوضول الى ا 
خلقه من غير مفارقة؛ فإنه مانم في الوجود إلا الله تعالى وصفاته وأفعاله؛ 
فكل ولس را يس سرس ارقي اس 
دفعة واحدة» فبقاؤه بحفظه» ونظره إليه» غير أنه من اشتد ظهوره في نوره 
بحيث تضعف الإدراكات عنه فيسمَّى ذلك الظهور حجابا». 

ونلفت الانتباه هنا بدءًا إلى التركيز الذي صيغت فيه هذه السطور 
القليلة» والمفاهيم الأساسية التي تثيرها هذه السطور في اختصار شديد: 
فها هنا أولا-ومنذ البداية- مفهوم «وحدة الوجود)» يتلوه بعد ذلك مفهوم 
آخرء هو الخفاء من شدة الظهورء أي أن الله تعالى لما كان ظاهراء شديد 
الظهور» عجزت الإبصار عن إدراكه» فالاختفاء أو الاحتجاب هو من شدة 
الظهور, وهذه الفكرة من الأفكار التي تردد بشكل ثابت ومطرد في تصوف 
الأكبر”. ثم سرعان ما يطالعنا المفهوم الثالث وهو رجوع الولي» أي 


-لا منه ولا فيه ولا إليه (مثل الزاهد). 

)١(‏ نحيل في موضوع «الرجوع إلى الخلق)» الذي سنتحدث عنه مرة أخرىء وكما فعلنا 
سابقاء إلى: الباب 5 من الفتوحات »١(‏ ص 5٠‏ 7- ١١٠١)؛‏ رسالة في الولاية» ص 275 
۷ كتاب على حامد عبد القادر: 01 17712162835 The Life, Personnality and‏ 
AL-Junayd‏ لندن ١957‏ (ص۳٥.‏ 05 من النص العربي). 

(۲) انظر الفتوحات» 5» ص1۷ وانظر فيما يتعلق «بالحجاب» أو الاحتجاب من شدة 
الظهور: الفصوصء ۱ »› ص٤‏ 5» ٥٥‏ ؛ الفتوحات» ss .۷۲ ١۳۹ص ۰٤‏ 
ابن عربي إشارة إلى قوله تعالى: ر اا و ر ا ور اف 
كلب )4 [الأنعام: »]٠١7‏ كما نجد فيه إشارة إلى الحديث الشريف: «حجابه النور 
لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)» مسلم» كتاب الإيمان 
باب 74. انظر أيضًا شرح الغزالي لحديث (إن لله سبعين ألف حجاب من نور = 


www.alimamaltayeb.com 


٤‏ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحي الدّين بن العربي 
أن الولي الكامل لابد له من الرجوع إلى الخلق» بحيث يواصل معراجه 
بالنزول بعد ذلك. وهذا المفهوم سوف يعرض له ابن عربي مرة أخرى في 
نهاية رسالته هذه. 

«فأول ما أَبَيّنه لك» وفقك الله كيفية السلوك إليه» ثم كيفية الوصول 
والوقوف بين يديه والجلوس في بساط مشاهدته ومايقولهلك. ثم كيفية الرجوع 
من عنده إلى حضرة أفعاله به وإليه» والاستهلاك فيه؛ وهو مقام دون الرجوع. 

«فاعلم» أيها الأخ الكريم» أن الطرق شتى وطرق الحق مفردة 
والسالكون طريق الحق أفراد. ومع أن طريق الحق واحدة فإنه تختلف 
وجوهه باختلاف أحوال سالكيه» من اعتدال المزاج وانحرافه» وملازمة 
الباعث ومعيته» وقوة روحانيته وضعفهاء واستقامة همتها وميلها وصحة 
توجهه وسقمه [...]. 

«فأول ما يتعين علينا أن نبين لك معرفة المواطن: كم هي؟ وما يقتضي 
ما أريد منها هنا». هذه المواطن الكثيرة» بل البالغة الكثرة» يرجع بها ابن 


ضر 


عربي إلى مواطن ستة: الأول» موطن الست ربكم 4 [الأعراف: 41117 في 


شارة إلى الميثاق الأول الذي أخذه الله على الخلق» وبه عرفوه واعترفوا 
TT‏ والثاني» موطن الدنياء والثالث» موطن البرزخ» وهو الموطن 


=وظلمة..» في كتاب مشكاة الأنوار» تحقيق أبو العلا عفيفي. القاهرة ٤٦۱۹ء‏ ص ۸٤‏ 
وما بعدها. 

)١(‏ فيما يتعلق بالميثاق انظر الفتوحات» 7» ص57 7؛ ۳» ص 10 5» (حيث يقول ابن عربي: 
إنه تعالى لو تجلى لخلقه يوم القيامة «في الصورة التي أخذ عليهم الميثاق فيها ما أنكره 


أحدا؛ »٤‏ ص58 759. 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش 0 
(الذي نصير إليه بعد الموت الأصغر والأكبر). ومن صفات البرزخ. فيما 
يقوله في غير هذا الموضع» أنه «لا موجود ولا معدوم» ولا منفي ولا 
مثبت»» وأنه «ليس إِلّا الخيال». والبرزخ أو الخيال - فيما يقول الشيخ - 
يحيط بكل شيء وبما ليس بشيء» ويتصور العدم ويتصور اجتماع النقائض 
والأضداد. كأن يتصور موجودا واحدا ممكنا مستحيلا معاء في وقت واحد 
ومن جهة واحدة» أو يتصور شيئا واحدا مدورا مربعا. وبواسطة الخيال 
يرى النائم الأعراض العارية عن الصورء صورا قائمة بأنفسهاء وأجسادا 
تخاطبه ويخاطبها. وبالخيال أيضًا يرى المكاشف في يقظته ما يراه النائم 
في حال نومه» ولهذا صار ممكنا أن يرى «العلم في صورة لبن» وخمرء 
ولؤلؤ»» ويرى الإسلام في صورة قبة وعمدء والقرآن في صورة سمن 
أو عسل» ويرى الحق في صورة إنسان. ويقصد ابن عربي من الموت 
الأصغرء الموت الاختياري» ومن الموت الأكبرء الموت العام المشترك 
بين الكائنات جميعا”". والرابع «موطن الحشر بأرض الساهرة» (في إشارة 
منه لقوله تعالى: فداه ألسَاهرَةَ(00* [النازعات: ]۱٤‏ وهو موطن يُحشر 
فيه الناس يوم القيامة". والخامس «موطن الجنة والنار»“. أما الموطن 


.7017 07١ ٤ص‎ 2١ راجع في معنى البرزخ» الفتوحات»‎ )١( 

(0) عرض ابن عربي للفروق بين الصور الأربع للموت الاختياري في الفتوحات» ”2 
ص۱۸۷ . 

(۳) انظر الفتوحات» ۱ » ص۳۰۷ ۳۱۷. 

(5) انظر أوصاف الجنة في الفتوحات» »١‏ ص۳۱۷- ۲۲؛ وأوصاف النار في الفتوحات 
أيضَاء ۱ » ص ۲۹۷- ٤‏ ۳۰. 


www.alimamaltayeb.com 


۲۷٦‏ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
السادس والأخير فهو «موطن كثيب الرؤية» في إشارة أيضًا لقوله تعالى 
وات لجال كيبا مهيلا 400 [المزمل: »]١5‏ والكثيب «مرتقّع من المسلك 
عربي» وهو يذكر هذه الأحوال الستة للوجود -في كل أبعاده- ينبهنا إلى 
طبيعة السفر فى هذه المواطن» فيقول: 
«فالواجب على كل عاقل أن يعلم أن السفر مبني على المشقة وشظف 
العيش» والمحن والبلاياء وركوب الأخطار والأهوال العظام» فمن المحال 
ق يصح فيه نعيم أو أمان أو لذة» فإن المياه [التي يمر بها السالك] مختلفة 
الطعم» والأهوية مختلفة التصريف» وأهل كل منهلة يخالف طبع آهل 
المنهلة الأخرى وما أوردناه ردا على أهل النعيم... والمكبين على جمع 
حطامها... إنما أوردناه لمن استعجل لذة المشاهدة”" فى غير موطنها 
الثابت». وفي هذا النص يكنى ابن عربي بالمياه المختلفة الطعم عن العلوم 
الروحانية» وبالأهوية (جمع هواء) عن النفحات الإلهية. أما الاختلاف في 
)١(‏ الفتوحات» ۱ » ص ۳۲۰؟ “ا ص 4576 5» ص 6 ١؛‏ كتاب التراجم» حيدر آباد /195» 
(۲) تختلف «المشاهدة» عن «الرؤية» اختلافا بينا: فالرؤية «لا يتقدمها علم بالمرئي» 
والشهود يتقدمه علم بالمشهود وهو المسمّى بالعقائد (جمع عقيدة» مأخوذ من العقد 
بمعنى الحصر والتقييد في الاعتقاد)» ولهذا يقع الإقرار والإنكار في الشهود (أي 
بحسب مطابقة المشاهدة لما علمناه عليه من قبل أو مخالفته إياه). ولا يكون في الرؤية 
| الأقراره لبس فها إتكان. ...تك مشاهدة رئ وما گل رؤية مشاهدة (الفترحات: 


۲> ص77 »)١‏ انظر أيضا ص 445 - 545 م الجزء نفسه؛ اصطلاحات الصوفية» رقم 
VAN 1°‏ . 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۷ 
تصاريف الأهوية» وكذلك الاختلاف في طبائع أهل المناهل في طريق 
السلوك» فمرده إلى طبيعة السفر الروحاني» إذ هو في حقيقة الأمر سفر 
من اسم إلى اسم إلهي آخرء وفي كل مرحلة من مراحل هذا السفر لابد 
للسالك من السلوك طبقا لمقتضى الاسم الإلهي الذي يتقيد به ويخضع 
لسلطانه وآثاره. أما موطن الدنياء وهو الموطن الثاني» فهو موطن المكابدة 
والمجاهدة» وهو أشبه ما يكون بسجن يحبس الله فيه المخلوقات إلى 
حين معلوم: 

«وتعلق الهمة والذكر في استجلابه وتجليه سوء أدب في حقه» وفاته 
أمر كبير [...] فما حصل لك من العلم به منه في مجاهدتك» وتهيئك في 
الزمان الأول» ثم أشهدت في الزمان الثاني فإنما تشهد منه صورة علمك 
المقررة في الزمان الأول. فما زدت سوى انتقالك من علم إلى عين» 
والصورة واحدة. فقد حصّلت ما كان ينبغي لك أن تؤخره لموطنه» وهو: 
الدار الآخرة التي لا عمل فيها [...] فإن اللطيفة الإنسانية تحشر على صورة 
علمهاء والأجسام تنشر على صور أعمالها من الحسن والقبح. وهكذا إلى 
آخر نفس. فإذا انفصلت من عالم التكليف وموطن المعارج والارتقاء 
حينئذ تجني ثمرة غرسك). 

هذه الفقرة صريحة في أن غاية السالك المخلص لا ينبغي أن تنحصر 
في «الفتح» أو 5 رؤية الله تعالى؛ فهذان الأمران يُمنحان للسالك -لو 
صح له السلوك- تفضلا وعطاء زائدا لا مستحقاء والأوجب في طريق 
السلوك أن ينقطع السالك في المقام الأول -وهو في هذه الحياة- 


www.alimamaltayeb.com 


۷۸ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
لتحصيل المعارف القلبية وعلوم الإلهام. وبدهي أن المراد من «تحصيل 
هذه العلوم» ليس هو مجرد المعرفة النظرية القائمة على التعلم والتذكر. 
ويبين ابن عربي في كتابه الفصوص» وجه الأولوية في تحصيل هذه العلوم 
على غيرها من السلوكيات الأخرىء فيقول: «مراتب الناس في العلم بالله 
تعالى هو عين مراتبهم في الرؤية يوم القيامة»). 

ونلاحظ أن الشيخ الأكبر - في نهاية مقدمة رسالة الأنوار - يتوقف 
قليلا عند بعض القواعد العملية التي يجب على طالب الخلوة أن يُلزم 
نفسه بها. لكن طريقته في عرض هذه القواعد» وأسلوبه في ذكر الكرامات 
والخوارق التي يُمنحها صاحب الخلوة» كل ذلك لا يدع مجالا للشك في 
أن الشيخ الأكبر لم يكن يخاطب في رسالته هذه إلا نخبة متميزة من أهل 
السلوك ترنو إلى مستوى روحي خاص: 

«فلابد لك من العزلة عن الناس» وإيثار الخلوة على الملا" فإنه على 
() الفصوصء ١ء‏ ص١١١.‏ 


(0) فيما يتعلق بالخلوة ومعناها انظر مقال ه لاندولت» فى «دائرة المعارف الإسلامية» 


ط. 27. وبرغم موقف ابن تيمية من الخلوة (مجموع الرسائل والمسائل» ط. رشيد 
رضاء 5» ص 80) وعَدَّه إياها بدعة يلام عليها صاحبهاء فإن الخلوة -المستندة في 
أصلها إلى فعل النبي ية قبل نزول الوحي - هي سلوك قديم معروف في التصوف 
الإسلامي. انظر على سبيل المثال لا الحصر: أبو سعيد الخرازء كتاب الحقائق» ذكره 
نويّة في: .Exégêse Coranique.‏ ص۳٠٠‏ المحاسبي» كتاب الخلوة» نشره عبده 
خليفة في مجلة المشرق» ١٠۹٠ء‏ المجلد »٤٩‏ ص 251-47 أبو نعيم الأصفهاني» 
حلية الأولياء» بيروت» 7١95717‏ ص ٦۳۷؛‏ 9» ص05 7؛ القشيري» الرسالة» القاهرة 


/1. ص -05. الهجويري» كشف المحجوب» ترجمة إسعاد قنديل» بيروت = 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۳۷4 
قدر بعدك من الخلق يكون قربك من الحق. فأول ما يجب عليك طلب العلم 
الذي به تقيم طهارتك وصلاتك وصيامك وتقواك. وما يفرضه عليك طلبه 
خاصة. لا تزيد على ذلك» وهو أول باب السلوكء ثم العلم به» ثم الورع", 
ثم الزهد" ثم التوكل”؛ وفي حال من أحوال التوكل يحصل لك أربع 
كرامات» هي علامة وأدلة على حصولك في أول درجة التوكل» وهي: 


= ۱۹۸۰ ص۲۷۰٠ .۲۷١‏ الغزالي» الإحياء» القاهرة بدون تاريخ» 27 ص١41-77‏ 7؛ 
السهروردي» عوارف المعارف (على هامش الإحياء)؛ » ص 2171-١17١‏ حيث يُفرد 
الشيروردى الأو ات 751/8 للخلية الأريعينية: آي غلرة £ برا 

»۲( من الفتوحات‎ ٩۲ ۰٩۱ عالج ابن عربي مفهوم «الورع» و«ترك الورع» في البابين:‎ )١( 
ويأتي حال ترك الورع عند العارف من ملاحظة أن عيني العارف-‎ .)۱۷١ 0176 ص‎ 
فيما يقول ابن عربي- لا تقع على الأشياء» وإنما تقع على وجه الحق في الأشياءء لأن‎ 
العارف لما كان غير قادر على أن يدفع التجلي عن نفسه» فإنه لا يقدر -ترتبا على ذلك-‎ 
أن يدرك العلامات التي تحدد له ترك ما يُتورع عنه. والورع يكون من الشبهات» وهي‎ 
التي تقع بين الحل والحرمة؛ والورع يتركها ترجيحا لجانب الحرمة» أما ترك ما لا يُشتبه‎ 
فيه» وهو الحلال» فلا يسمى ورع» وفيه تفصيل بين الحلال الفاضل الذي يمكن تركه‎ 
والحلال الضروري الذي لا يمكن تركه» فالترك «في الحلال الفاضل زهدء وأما غير‎ 
الفاضل» وهو الذي تدعو إليه الحاجة» فالزهد فيه معصية).‎ 

(0) انظر في موضوع الزهد: الفتوحات» ۲» ص۷۷٠‏ . 

() التوكل هو: «اعتماد القلب على الله تعالى مع عدم الاضطراب عندفقدالآسباب الموضوعة 
في العالم» التي من شأن النفوس أن تركن إليها». (الفتوحات» ۲» ص994١- .)۲٠۲‏ 

(:) انظر الفتوحات» ۲ ص۳1۹ ۰۳۷٤‏ هلالا؛ »٤‏ ص٥٠‏ . هذاء وتنقسم الكرامات إلى 
كرامات حسية» وكرامات معنوية. والنوع الثاني منها يرجع في حقيقته إلى قوة في العلم» 
وزيادة في المعرفة. أما النوع الأول فيرجع إلى خرق العوائد» وهذا النوع يدخله المكر 
الإلهي الخفي» اختبارا وامتحانا للعبد الذي سيسأل عن سلوكه وتصرفه في هذا = 


www.alimamaltayeb.com 


۸۰ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحي الدّين بن العربي 
طي الأرض.» والمشي على الماء» واختراق الهواء» والآكل من الكون[دون 
بذل مجهود]. وهو [التوكل] الحقيقة في هذا الباب. ثم بعد ذلك تتوالى 
المقامات والأحوال والكرامات» والتنزلات [الإلهية]» إلى [أن يأتيك] 
الموت. فالله الله لاتدخل خلوتك حتى تعرف أين مقامك وقوتك من سلطان 
الوهم: فإن كان وهمك حاكما عليك فلا سبيل إلى الخلوة إلا على يَدَيْ 
شيخ مميز عارف» وإن كان وهمك تحت سلطانك فخذ الخلوة ولا تتردد). 
وهذه الخلوة.» في بعدها العملي» الذي بدت فيه في هذا التض: 
وكمنهج يُعد السالك للعروج نحو الله تعالى» يكتمل لها بُعدها الثاني في 
نص آخر من الباب الثامن والسبعين من أبواب الفتوحات» وفيه يناقش 
ابن عربي الخلوة في بُعدها الميتافيزيقي» مبينا أن أصلها من الخلاء الذي 
ول فيه هذا العالم» وهو العماء المذكور في حديث «أين كان ربنا قبل 
أن يخلق خلقه؟ قال: كان في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء» وخلق 
عرشه على الماء)”). مما يعني أن الفكرة الأساس هنا هي فكرة «ما قبل 
الخلق»» وهي ذات الفكرة التي تشير إليها مقدمة شرح رسالة الأنوارء 
وفيها يماثل المؤلف أطوار السفر بتبدل الآثواب وتغييرها ثوبا بعد آخر. 
بحيث يتناسب كل طور مع درجة من درجات الظهور الكلي. يقول شارح 
رسالة الآنوار فيما يتعلق بكلمة «تنزلات»: «واعلم أن السالك إذا تجرد 
-العطاء. وتعني حقيقة «خرق العوائد» - حسبما يدل عليه المعنى الحرفي لهذا اللفظ 
- عدم اطراد العادات وتتابعهاء بتأييد من «الحق» من اسمه: البر» ويتم ف 
من الحفظ التام لآداب الشريعة والإتيان بمكارم الأخلاق. 
)١(‏ الترمذي» كتاب تفسير القرآن» باب ۱۲؛ وابن حنبل» المسند» .١7 2١١ص »٤‏ 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۸۱ 
عن هيكله وانسلخ منه وارتقى عن التقيد بالطبع بالرياضات والخلوات 
وداوم الذكر والحضور والمراقبة وأخذت لطيفته في المعراج في العروج 
الروحاني» فعند اختراقه السماوات والأفلاك وتجاوزه مقامات الأرواح 
ومراتب الأسماء ينزل إليه الحق ١‏ في كل منزل من هذه المنازل فيلاقيه فيه 
ويهبه ما شاء» وهذا هو المسمّى بالمنازلة)0". 

ويواصل ابن عربي حديثه في رسالة الأنوارء فيقول: 

«وعليكبالرياضة قبل الخلوة»والرياضةعبارةعن تهذيب الأخلاق» وترك 
الرعونة» وتحمل الآذى» فإن الإنسان إذا تقدم فتحه قبل رياضته فلن يجيء منه 
رجل أبداء إلّافي حكم النادر». ولايفوتناهنا أن نذكر - على سبيل الاستطراد- 
أن ابن عربي هو نفسه حالة من هذه الحالات التي يصفها بالندرة والاستثناء”". 

ويبين ابن عربي أن السالك - في خلوته- إذا أنهى فترة صيامه» عليه 
أن يلتزم بنظام خاص في غذائه» فعليه أن يحذر «من الشبع ومن الجوع 
المفرط». «فإن المزاج إذا أفرط فيه اليبس أدى إلى خيالات وهذيان 
طويل». هذا والقدرة على لتمييز والتفرقة بين واردات الأرواح أمر لا مفر 
مه اظالي العا لاوط ق بين الوارذات الروضاتة الملكيةو والرارذات 
الروحانية النارية الشيطانية» مما تجده في نفسك عند انقضاء الوارد. وذلك 
أن الوارد إذا كان ملكيا فإنما يعقبه برد ولذة» لا تجد ألماء ولا تتغير لك 
صورة» ويترك علما [جديدا]ء وإذا كان شيطانيا فإنه يعقبه تهريس في 
الأعضاءء وألم» وكرب» وحيرة» ويترك تخبيطاء فتحفظ» ولا تزال ذاكرا 
aT‏ #القتر ساف اي نورت ماقا 
(؟) الفتوحات» ١‏ ص5١5.‏ 


www.alimamaltayeb.com 


۸۲ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
حتى يفرغ الله عن قلبك» وهو المطلوب)0". 
وكذلك يجب على السالك أن يحذر من الوقوع في شرك التجليات: 
اقليكن عقذك عند رلك إلى خلوتك إن شا الله علوي ككلم 
قوف کی نک عا ع لك من الصرر في كلوقك ورن 
لك: آنا اللهء فقل: سبحان الله آنت باللهء واحفظ صورة ما رآيت» والة 
عنها واشتغل بالذكر دائماء هذا عقد واحد. والعقد الثاني: ألا تطلب منه 


في خلوتك سواه» ولا تعلق الهمة بغيره» ولو عرض عليك كل ما في الكون 
فخذه بأدب ولا تقف عنده» وصمم على طلبك» فإنه يبتليك» ومهما وقفت 


)١(‏ التمييز بين الواردات أو الخواطر من الأمور المعروفة في التصوف الإسلامي منذ 
أقدم عصوره. انظر» رسائل الجنيد تحقيق على حامد عبد القادر» القاهرة 2198/4 
ص١١‏ (رسالة أدب المفتقر إلى الله)ء القشيري» الرسالة» القاهرة ,١9651/‏ ص٤؛‏ 
السهروردي» عوارف المعارف» ص١‏ 215 الباب ۷ انظر أيضًا ابن عربي» الفتوحات» 
١‏ ص١781-‏ 4784 7 ص۷۷» ۷۸ (السؤال الخامس والخمسون من أسئلة الحكيم 
الترمذي)» ص”015-557. ويميز ابن عربي عادة - مثل ما يميز سابقوه من شيوخ 
التصوف- بين أربعة أنواع من الواردات: الرباني والملكي والنفسي والشيطاني. 
ونتوقف هنا عند مثل يضربه ابن عربي لإلقاء الشياطين وإيحائهم الخواطر المهلكة 
في قلوب بني آدم تحت ستار الواردات المحمودة» هذا المثل هو: الشيعة» وبخاصة: 
الإمامية منهم» فهؤلاء - فيما يقول ابن عربي- دخلت عليهم شياطين الجن ابحب 
أهل البيت» واستفراغ الحب فيهم»» وهذا الحب - فيما يؤكد الشيخ الأكبر- أصل 
صحيح» لكنه أدى إلى نتائج سيئة تمثلت في بغض الشيعة للصحابة وسبهم؛ «حيث لم 
يقدموهم» وتخيلوا أن أهل البيت أولى بهذه المناصب الدنيوية» فكان منهم ما قد عرف 
واستفاض». ولسنا ندري كيف يمكن وصف ابن عربي - بعد ذلك- بأنه شيعي القلب» 
أو شي مسر اللهم إا كان هاا ربا من المعائدة وركرب الراس. 

(؟) الهامش غير متاح لغياب نص الجيلي. 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۴ 
مع ذلك فاتك» وإذا حصلته لم يفتك شيء). 

وتواجه السالكء منذ بداية هذا السفر الغارق في صمت العزلة 
ابتلاءات يراها ويُمتحن بها. وأول هذه الابتلاءات: 

«كشفك عالّم الحس الغائب عنك» فلا تحجبك الجدران ولا 
اقات عا رفك الخلة: ل أنه جب عليك الفط أن كوف س 
أحد إذا أطلعت الله عليه» فإن بحت به وقلت: هذا زان وهذا شارب وهذا 
يغتاب» فاتهم نفسك؛ فإِنْ الشيطان قد دخل عليك» فتحقق بالاسم الإلهي: 
الستار». وكذلك لابد للسالك من القدرة على التفرقة بين النوع السابق من 
الكشف (الحسي»» وبين الخيالات والهلوسات» وعلامة ذلك أن الكشف 
الحسي يختفي إذا أغمض السالك عينيه» فإن بقى الكشف مع تغميض 
العينين فهو من الخيال» وليس كشفا حقيقيا. 

ومما نعرفه في قصة الإسراء والمعراج أن النبي بء حينما أتى بإناءين» 
في أحدهما لبن» وفي الآخر خمرء أخذ اللبن وشربه”©. وكذلك هاهنا تقدّم 
للسالك اشر فة «وإن سيقت لك مشرويات فاشرب الماء:متهاء وإن 
لم يكن فيها ماء فاشرب اللبن» وإن جمعت بينهما فحسن» وكذلك العسل. 
وط امع شري ال إلا انيكرة حيو يا اا را أبن 
عربي» في موضع آخر”"» أنه أفرد مسألة الأشربة الرمزية المرتبطة بأنهار 
الجنة الأربعة (انظر الآية: ٠١‏ من سورة محمد) بجزء خاص» غير أن هذا 
)١(‏ البخاري» كتاب الأنبياء» باب 5 27 5/8» وغيرهما؛ ابن هشام» السيرة» القاهرة 2١190564‏ 


١ءص‏ ۰۳۹۷ ۳۹۸. انظر أيضًاء الفتوحات» "ا. ص١‏ 75. 
002 الفتوحات» ۳« ص٦٤۲‏ . 


www.alimamaltayeb.com 


1 الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 

الجزء من مؤلفات ابن عربي لا يزال مفقودا إلى يومنا هذا. لكنه يقول في 

كتاب «اللإسرا...“'» وهو يصف مراحل معراجه الروحي «... وأتيت 
بالخمر واللبن» فشربت ميراث تمام اللبن» وتركت الخمر حذار أن أكشف 
الم السك قل من يتقو ار ريغم لوئيس الع ال امو 
الخمرء لما قد يؤدي إليه من تخلي الناس عن الشريعة» وذلك «لسر خفيٌ 

في النحل». أما اللبن فإنه يرمز - كما يشير الحديث-”" إلى العلم وإلى 
الفطرة أيضًا. وبرغم أن العسل فيه سِمَاء ْنَا © [النحل: 14]» فإن «(سر 
النحل» الذي قد يدفع شارب العسل إلى التخلي عن الشريعة» يكمن في 
قوله تعالى: ‏ وأوسى ريك لى الل [النحل: 4]>8؛ وخلاصة الرمز هنا أن 

الفعل أو » لفظ مشترك بين الوحي إلى النحل» وبين الوحي النبوي» 

وفيه إشارة إلى إمكان الوحي المباشر من الله تعالى إلى مخلوقاته» خارج 

إطار الشرائع المنزلة على الأنبياء. فإذا حدث ذلك وقع الناس في سكر 
روحاني» وثمتئذ لا تستقيم لهم رسالة ولا شريعة. وتتكئ عملية الرمز 
هنا على بعد رمزي آخر في الحديث النبوي الذي يقرر إمكان استخراج 
الأشربة المسكرة من العسل”". أما الماء فينبغي التمييز فيه بين ماء المطرء 

.١٠١ كتاب الإسراء ص‎ )١( 

(0) البخاري» كتاب فضائل أصحاب النبي» باب .٦‏ 

(۳) «إن من العسل لخمرا»» أبو داود» كتاب الأشربة. والعسل -فيمايرى الجيلي- رمز العلوم 
الحكمية التي تغري بالتحلل من قيود الشرائع النبوية. لكن ثمة رمز آخر للعسل» إيجابي» 
غير كونه شفاء للناس (النحل: ٠١‏ والبخاري» كتاب الطب» باب »)١5‏ يتمثل في كونه 
رمزا للقرآن الكريم» ومن ثم: للهدى النبوي (سنن الدرامي» كتاب الرؤية» باب 17). 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش 11۵ 
أي الماء السماوي الطاهر» وهو هنا رمز الرحمة» وبين ماء الأنهار أي الماء 
الملوث"". ونلفت النظر هنا إلى أننا لو رحنا نفهم من كلام ابن عربي هذا 
أنه مجرد رموز أو استعارات لغوية تعتمد المجازفة بالتشبيهات البلاغية» 
فإننا لن نحصل شيئا مما يريده في هذا المقام. وما يهدف إليه ابن عربي» 
والصوفية بشكل عام» هو أن ها هنا اختبارات حقيقية لا مفر للسالك من 
مواجهتهاء ومن معاناة تجاربها وشدائدها المؤلمة في بعض الأحيان. 
وهاهنا- في رسالة الأنوار- نقطة فاصلة تنتهي عندها الاختبارات العامة 
المشتركة بين السالكين» لتبدأ بعدها اختبارات أخرى أشد قوة وأكثر خفاء. 
«ثم إن الله تعالى يعرض عليك مراتب المملكة ابتلاء» فإن رتب لك 
العرض» فإنك ستكشف أولا أسرار الأحجار المعدنية وغيرهاء وتعرف 
سر كل حجر وخاصيته في المضار والمنافع» فإن تعشقت به أبقيت معه 
وطردت» ثم سلب عنك حفظه فخسرت» وان امنستيف ع و اقلت 
بالذكر ولجأت إلى جناب المذكورء رُفع عنك ذلك النمط» وكشف لك 
عن عالم النباتات» ونادتك كل عشبة بما تحمله من خواص المضار 
والمنافع»”". والشيء نفسه يحدث فيما يتعلق بعالم الحيوان. «وكل عالم 
)١(‏ وهنا يحذر الجيلي - بشكل خاص- من المال الملوث حيث يَعدّه رمزا للعلوم العقلية 
أو الفكرية» وهذا الماء شديد الخطر والضررء إذا خلط بالخمر (التي هي رمز علم 
الأحوال» وهو علم غير منضبط). 
(؟) مذهب ابن عربي أنه ليس ثمة شيء غير حي: «فإن المسمى بالجماد والنبات» عندنا لهم 
أرواح بطنت عن إدراك غير أهل الكشف «(الفتوحات» »١‏ ص47١).‏ ويستند ابن عربي 
في مذهبه هذا إلى دلالات قرآنية كثيرة» منها - على وجه الخصوص - الآيات الكريمة: 


ويح الرديحَمَدِو 4[الرعد: ١1‏ ]» #إوَإِن من شىء إلا سح يرو 4[الإسرار: =»]٤ ٤‏ 


www.alimamaltayeb.com 


۲۸٦‏ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
يعرفك بتسبيحه وتمجيده». وهنا يحيل ابن عربي - في إشارة واضحة- إلى 
تجارب شخصية مر بها وعايشها بنفسه. منها قوله: «فقد سمعنا الأحجار 
تذكر الله... فكل جنس من خلق الله أمة من الأمم فطرهم الله على عبادة 
Ss‏ 
بذكر الله»"". وبرغم ما يفتح به على السالك من كشف في هذه المرحلة» 
فإن ابن عربي يحاذره - في ذكاء حصيف- من ضلالات القوة المخيلة: 
«فإن رأيت هؤلاء العوالم مشتغلين بذلك الذكر الذي أنت عليه» فكشفك 
خيالي لا حقيقي» وإنما ذلك حالك» أقيم لك في الموجودات. وإذا 
شهدت في هؤلاء تنوعات أذكارهم فهو الكشف الصحيح). وكل ما يقطعه 
السالك حتى الآن - من مراحل سفره- في العالم الأرضي بممالكه الأربعة 
(المعدن» النبات» الحيوان» الإنسان- ممثلا في السالك نفسه -)إلما يمد 
المرحلة الأولى من مراحل الانسلاخ المتتابع للسالك من النشآت البدنية» 
التي ألمعنا إليها من قبل» وحسبما يذكر ابن عربي في حديثه عن تجاربه 
الخاصة في الفتوحات”» فإن السالك يترك وراءه العناصر الأربعة: التراب 
والماء والهواء والنار. ولذا يتوقف ابن عربي عند هذه النقطة من رسالة 


قد 
ود شير 


= الور َه ضيح له من في وات والارض الل متكي کل قد عام مركا له وشَسيحه: 4 
[الثور: ؟ ٤آ‏ ورت ف التموات الات € [الحديذ: ١آ‏ > ماق ارات 
رارض 4 [الحشر: 4 1]» شبح بَِهِمَافِ سمت وَمَافِ الْأَرْضِ 4 [الجمعة: .]١‏ وكذلك 
يستند ابن عربي في فكرته هذه إلى تجارب شخصية» نشير إليها بعد قليل. 

.١57ص‎ ١ الفتوحات»‎ )۱( 

(۲) الفتوات» »١‏ ص ۳۸۲. 

(۳) الفتوحات» ۳» ص 50 7. 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۷ 
الأنوار ليبين للسالك أن المعراج - في هذه المرحلة- هو معراج التحليل 
غل التزتيية أي العلل من أركان النشاة البدنية على الر تي التيحدهة 
الذي هو ترتيب درجات الوجود الكلي. وأول ما يتحلل من هذه الأركان» 
الأغطية أو الحجب العنصرية» التي ترمز إلى كل مقومات الطبيعية البشرية» 
وهذا التحلل موت مبدئي لا مفر منه للحصول في نشأة أخرىء وهو أمر 
شاق على السالك ومؤلم له «القبض مصاحب لك في هو لاء العوالم». 

وابن عربي» وإن كان لا يحدثنا في رسالة الآنوار عن السماء الدنيا التي 
يصل إليها السالك في نهاية المرحلة الأولى» إلا أنه يحدثنا عن أوصافها 
في الباب: ۳۷١‏ من الفتوحات. فبعد أن يفقد السالك نشأته البدنية» بحيث 
لا يبقى معه شيء من هذه النشأة» ينفذ إلى السماء الأولى» وفيها يسلم 
على والده آدم یه ويجد نفسه قائما أمامه وعن يمينه في آن واحد. 
يقول ابن عربي: «فقلت له: هذا أنا. فضحك آآدم]» فقلت له: آنا بين يديك 
وعن يمينك؟ قال: نعم» هكذا رأيت نفسي بين يدي الحق حين بسط يده 
[بالميئاق]» فرأيتني وبني في اليد ورأيتني بين يديه. ثم يقول آدم 4: «فأنا 
وبني في يمين الحق». وإذا كانت يمين الله تقتضي حصول السعادة لمن 
يكون فيهاء فقد عجب ابن عربي من وجود بني آدم كلهم في السعادة» مع أن 
الله تعالى فرق -فيهم- بين أصحاب اليمين وأصحاب الشمال؛ ولذا سأل 
ابن عربي أباه آدم: «قلت: فإِذَا لا نشقي! قال لو دام الغضب لدام الشقاء 
فالسعادة دائمة وإن اختلف المسكن. فإن الله جاعل في كل دار ما يكون به 
نعيم أهل تلك الدار» فلابد من عمارة الدارين» وقد انتهى الغضب في يوم 


www.alimamaltayeb.com 


۸ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
العرض الأكبر» وأمر بإقامة الحدود فأقيمت... فإذا انتهت الحدود صار 
الحكم للرحمة العامة». وها هنا- وفي هذا النص- نضع أيدينا على أصل 
من أبرز الأصول في تصوف ابن عربي» وهو: القول بفناء النار في الدار 
الآخرة» لأن القول بالرحمة العامة يستبعد كلية القول بدوام النار أو ابدية 
العذاب. وما يقوله ابن عربي هناء هو علم وراثئ» ورثه من آدم 212. 
وكما قرأنا عن أوصاف السماء الدنيا في معراج السالك» في الباب 
۷ من الفتوحات» كذلك نقرأ شيئا مماثلا -ولكن مع استعمال ضمير 
الغائب - في الباب ١17‏ من الكتاب نفسه» حيث يعرض ابن عربي 
معراج الساكين في أطباق السماوات من خلال صورتين متقابلتين» 
تمثلهما شخصيتان متباينتان أشد التباين» الأولى» شخصية «التابع»» أي 
التابع لشريعة النبي» والثانية» شخصية «الفيلسوف»» أو صاحب النظرء 
الذي يأخذ العلم بالأدلة العقلية من النظر الفكري. فهذان الشخصان» إذا 
خرجا عن حكم الطبيعة العنصرية» وفتحت لهما أبواب السماءء فإن تابع 
الرسول يجتمع بالأنبياء ويتحدث إليهم (يجتمع في السماء الدنيا بآدم) 
ويتلقى منهم العلوم الإلهية تلقيا مباشراء بينما لا يجتمع صاحب النظر 
إلا بالملك الموكل بالسماءء» ولا يأخذ عنه من العلوم إلا ما كان خاصا 
بالتأثيرات البدنية والطبيعية العنصرية وما إليهاء فصاحب النظر لا يأخذ من 
الملك الموكل بفلك القمر (يسميه الجيلي: العقل العاشر - وهي تسمية 
)١(‏ الفتوحات» ۱» ص505؛ ۲» ص8 ٠‏ 5؛ 5» ص48 ۲؛ الفصوص» .١‏ ص45 (الأبيات 


المنظومة). 


www.alimamaltayeb.com 


على کو ۸۹ 
فلسفية-) إلا العلوم الخاصة بعالم الكون والفساد. 

وتدل الفقرة التالية من رسالة الأنوار: «ثم بعد هذا كشف لك عن 
عالم سريان الحياة السببية في الأحياء وما تعطي من الأثر في كل ذات 
بحسب استعداد الذوات» على وصول السالك إلى السماء الثانية» وهي 
سماء عطارد (أو سماء الكاتب» في إطلاق أهل المغربء الذي يفضله ابن 
عربي). وتشتمل هذه السماء - فيما يقرر الباب ١17‏ من الفتوحات- على 
عضي كر عتها اذاه ا ا انا سموة الكاني أو 
الملك الموكل بهذه السماء» فهي بيان صحة رسالة النبي يي ببيان إعجاز 
القرآن» وفي هذه السماء حضرة يُعلم منها علم السيمياء القائم «على العمل 
بالحروف والأسماء» فقطء لا على العمل بالبخور أو الدماء وما إليهما. 
وفيها -أيضًا- سر «كن». كذلك يجتمع فيها عيسى وابن خالته بحيى 4 
اجتماعا لا افتراق معه» مثلما اجتمعا من قبل في تاريخيهما المقدس» وذلك 
لما يدل عليه اسم يحيى» من معنى الحياة» ولما يوصف به عيسى في 
القرآن الكريم [النساء: ]10١‏ بأنه روح» «فكما أن الروح والحياة لا تفترقان» 
كذلك هذان النبيان» عيسى ويحيى لا يفترقان» لما يحملانه من هذا السر». 
وفي هذا الباب من الفتوحات» يرد اسم يحيى يله رمزا للتجلي الإلهي 
باسم «المحيي»» ولهذا يتأتى له يوم القيامة أن يَذبح الموت» بعد أن يتمثل 
الموت في صورة كبش”". أما عيسى يه فله إحياء الموتى» وحَلّق هيئة 


(۱) انظر في تمثيل الموت في صورة كبش يُذبح: البخاري» كتاب التفسير (سورة ۱۹)» باب 
١‏ مسلم» كتاب الجنة» حديث رقم ٠١‏ ۳٤؛‏ الترمذي كتاب صفة الجنة» باب ۰ 
وغير ذلك من كتب السنة. 


www.alimamaltayeb.com 


۹۰ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبر محيي الین ب بن العربي 
الطير من الطين [آل عمران: EY, .]٤٩‏ العين هنا علاقة هذين النبيين 
الكريمين الواضحة بسريان الحياة السببية في الأحياء. 

ثم تطالعنا رسالة الأنوار -بعد ذلك- بسطور غامضة»ء بل أغمض 
من ذي قبل» حتى إن الشارح نفسه ليتحير في تفسير بعض عباراتها: «فإن 
لم تقف مع هذاء رفع لك عنك» ورّفعت لك اللوائح اللوحية» وخوطبت 
بالمخاويف» وتتوّعت عليك الحالات» وأقيم لك دولاب تعاين فيه صور 
الاستحالات» وكيف يصير اللطيف كثيفا والكثيف لطيفاء والرأس ذنبا 
والذنب رأساء وكيف يصير الإنسان حيوانا والحيوان إنساناء وكيف يصير 
النبات إنسانا»). 

ويعترف الشارح بأنه يجعل عبارة «اللوائح اللوحية»» لكنا إذا دققنا 
و 0 ترتبط في كتابات ابن عربي بمنظومة من 
مصطلحات فنية ثلاثة ثلاثة تستعمل في التعبير عن الظواهر والآثار الروحية 
الناشئة عن طبيعة نورانية» وهذه الظواهر تختلف فيما بينها بالكثافة 
واللطافة» (مع ملاحظة أن اللوائح تزول سريعاء كالضوء). وهذه الظواهر 
مذكورة -من قبل- في مؤلفات بعض شيوخ التصوف السابقين على ابن 
عربي» مثل القشيرئ الذي پر ی أن «اللوائح» قاصرة على أهل البداية. أما 
عند ابن عربي» فإن اللوائح هي «ما يلوح للبصر - إذا لم يتقيد بالجارحة- 
من الأنوار الذاتية والسبحات الوجهية» من جهة الإثبات لا من جهة 
السلب»”» وكل لائحة هي ثمرة «السموٌ من حال إلى حال» وما يأتي به 


.5٠ القشيري» الرسالة» ص‎ )١( 
(أما بقية-‎ .۸٩ 288 »۸۷ (؟) الفتوحات» ۲» ص598» 544» انظر اصطلاحات» رقم‎ 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۳۹۱ 
الحال من الواردات الإلهية والمعرفة بالله». وبالجملة» فإن اللوائح نوع 
من أنواع الإدراك الناقص- بل الشديد النقص- للتجليات الإلهية. ولكن 
ماذا تعني كلمة «اللوحية» التي وردت وصفا للوائح في رسالة الآنوار؟ 
لاشك في أن هذه الكلمة نسبة إلى «اللوح»» ونحن نعلم أن اللوح 
المحفوظ تسمية قرآنية» لكنه يرد - في الفكر الفلسفي الإسلامي- رمزا 
للنفس الكلية» حيث يكتب القلم - الذي هو بدوره رمز للعقل الأول - في 
هذا اللوح كل ما كان وما سيكون إلى يوم القيامة» كتابة لا محو فيها. وإذن 
فها هنا علاقة معقولة - ومقبولة أيضّا- بين اللوح المحفوظ وبين كل من 
الصيرورة والتغير ومظاهر قوة الإحياء» المنوطة بالسماء الثانية التي يتتحدث 
عنها ابن عربي في هذا النص”. ويؤخذ من تعريف اللوائح» أن السبحات 
النورانية لا تدرك بالبصيرة» كما قد يُظن أو يُتوهم, بل تدرك بالبصر» ولكنه 
البصر غير المشروط ولا المقيد بالجارحة والجهات المخصوصة؛ وكما 
أن أجساد الخواص من أهل الله تبعث يوم القيامة مسبحة ومتغيرة عما 
كانت عليه في الدنياء فكذلك عين «العارف» هي «عين مسبحة) غير مقيدة 
بقيود الأجسام الإنسانية ولا محدودة بحدودها. وإذا كنا قد استرسلنا قليلا 


= المصطلحات التي تشترك مع اللوائح في المنظومة الثلاثية» فهي: الطوالع» واللوامع). 

)١(‏ ونلاحظ -في عجالة سريعة- أن ابن عربي (الفتوحات» ۳» ص١1)‏ يفرق بين اللوح» 
بصيغة المفرد» والألواح بصيغة الجمع: فالألواح رتبتها أقل وأدون من رتبة «اللوح 
المحفوظ)» وما يكتبه القلم في اللوح المحفوظ لا يتبدل» ويقول ابن عربي: «وسمي 
اللوح بالمحفوظ من المحوء فلا يمحى ما كتب فيه)» أما ما يُكتب في الألواح- وهي 
ألواح المحو والإثبات- فإنه يقبل المحو أو النسخ. 


www.alimamaltayeb.com 


4۲ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
في حديثنا هناء عن العين وعن البصرء فلأجل أن نبين أن المقصود من 
كل ذلك نوع من الإدراك يتميز بالقوة والحدس المباشر» وأن موضوع 
هذا الإدراك هو «الكمالات الإلهية» أو «الأسماء الإلهية»» ولكن بما هي 
مظاهر ثابتة في أنفسهاء أي من حيث هي هي» لا من حيث هي أوصاف 
سلبية تنفي عن الذات نقائص لا تليق بها. فالبصر يدرك مظهر الجمال 
وصورته» بينما العقل- بما هو عقل فقط- لا يعقل من هذا الجمال إلا أنه 
نفي لكل أوصاف القبح. 

«فإن لم تقف مع ذلك» رفع لك نور متطاير الشرر» فستطلب الستر 
عنه» فلا نَخّف. ودّم على الذكر فإنك إذا دمت على الذكر لم تطلبك آفة. 

«فإن لم تقف معه» رفع لك نور الطوالع» وصورة التركيب الكلي» 
وعاينت آداب الدخول إلى الحضرة الإلهية» وآداب الوقوف بين يدي 
الحق» وآداب الخروج من عنده إلى الخلق» والمشاهدة الدائمة بالوجوه 
المختلفة من الظاهر والباطن» والكمال الذي لا يشعر به كل أحد: فإن كل 
ما نقص من الوجه الظاهر أخذه الوجه الباطن» والذات واحدة» فما ثم 
نقص» وكيفية تلقي العلوم الإلهية من الله تعالىء وما ينبغي أن يكون عليه 
المتلقي من الاستعدادات» وأدب الأخذ والعطاء والقبض والبسط. وكيف 
يُحفظ القلب من الهلاك المحرق» وأن الطرق كلها مستديرة» ما ثم طريق 
خطّىٌ» وغير ذلك مما تضيق عنه هذه الرسالة». 

وهذا الشرر المتطاير» في بداية النص» ينشأ - فيما يقول شارح رسالة 


الأنوار- «من وجودك أنت»» ولذا فإن إدامة الذكر تذهبه وتمحقه. أما 


www.alimamaltayeb.com 


عن شود كبفيتش 4۲ 
«الطوالع» فإنها العكس من ذلك» لأنها «أنوار التوحيد» تطلع على قلوب 
العارفين» فتطمس سائر الآنوار»"'» خصوصا «آنوار الآدلة النظرية»”" التي 
تفقد معناها وكل مسوغاتها في هذا المستوى» ليس هذا فقط» بل -علي 
العكس - يمكن أن تؤدي هذه الأدلة» في نهاية المطاف. إلى معارف سلبية 
تتعارض مع ما تعطيه أنوار الكشف الإلهي. ويضرب ابن عربي مثالا لذلك 
نظر القوى العقلية في ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله» مشيرا بوجه خاص 
إلى موقف النظار في مسألة وصف الله تعالى باليد وبالقدم وما إليهما 
من الوجه والعين والجنب» فإن هؤلاء قد منعوا من إطلاق هذه الصفات 
على الله تعالى إطلاقا حقيقياء وقررواء من وجهة نظر عقلية صرفة» أن 
وصف الله تعالى بها يقدح في تنزيهه ويؤدي إلى تشبيه بمخلوقاته» ولهذا 
المحذور العقلي يقولون بإطلاقها على الذات على سبيل المجاز فقط. أما 
صاحب الكشف فإنه يشاهد» فيما يقول ابن عربي «يمين الحق ويده ويديه 
والعين والأعين المنسوبة إليه والقدم الوجه»» ويعرف بكشفه المباشر كيف 
يمكن أن تكون هذه الصفات صفات إلهية» برغم كل ما يحيله العقل في 
هذه المسألة. وفي علم صاحب الكشف لا يتنافى التشبيه مع التنزيه”"» بل 
(۲) الفتوحات» ۲ ص۳۸۹. 

(۳) وهذه النقطة يؤكدها الشارح في أبيات» ذكرها في معرض بيان مفهوم «الت ركيب الكلي»» 

الذي يقول عنه إنه «(ظهور الحق بصورة الخلق»: 

فلا تنظر إلى الق وتعرّيه عن الخلق 
ولا تت ظر إلى الخلق وتكسوه سوى الحق 


www.alimamaltayeb.com 


4٤‏ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
يصطلحان ويأتلف كل منهما مع الآخر. وهذاالمنهج» أو المعرفة التركيبية 
التي يتفرد بها صاحب الكشف هي -وحدها- ما يتفق مع «القواعد» 
المناسبة للسلوك؛ وهي المطلوبة هنا في السير إلى الحضرة الإلهية. 
وما فة لا يعاق لا بمعى واد من المعاتي الكثيرة الممكنة لكلمة 
«وجوه). التي يستعملها ابن عربي عن قصد -في أكثر الأحيان- استعمال 
لاط المعسادة ف يا الج قل تلق وو اد مها وجرد اللقاه وقد 
تطلق ويراد بها الصور - الظاهرة أو الباطنة - للعالم الحسي» كما تطلق 
ويراد بها وجوه التأمل المختلفة. وهذه الاستعمالات» على ما بينها من 
الاق در فط فما معي بتاسات لامعا الي وكذلاك الكمال 
الإلهي» الذي لا يهتدي إليه آي عقل» يطلق على كمال الله تعالى» كما 
يطلق على كل شيء» ولكن من حيث ظهوره الكامل» أي ظهور الحقيقة 
الإلهية نفسها. ونلمح هنا - في فكرة ابن عربي هذه - إشارة خاطفة إلى 
قضية أخرىء يبحثها بصورة مفصلة في موضع آخرء يبين فيه أن نقص 
ونَزَه هوَشتهه وقم في مقعد الصدق 
هذا وتعد ضرورة معرفة الله تعالى في إطاري التنزيه والتشبيه - مجتمعين - أحد 
المعالم البارزة في تصوف ابن عربي. انظر: الفصوص» .١‏ ص792-5/8؛ الفتوحات 
(في مواضع كثيرة يتحدث فيها عن قوله تعالى: 9ای یکیلو می٤‏ وهو ليع 
لْبَصِبرٌ )€ [الشورى: ]1١‏ ۱ء ص۲٦۰‏ ۹۷ 11١‏ ۰۲۲۰ 3 ص۱۲۹ ١۱۰٥ء‏ 


۷ 01 01 ۲ ۳ ص٩‏ ۰1° مكلك 1171« كرك 55٠‏ 5115 4555 


ص ١۳۱۱١۳۰٦۰۱۱ ۰۱۲٥۹‏ الف 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۵ 
الكائنات عنصر ضرورة للكمال الكلي'. وهنا يلجأ شارح رسالة الأنوار 
إلى صورتين يوضح بهما هذا المفهوم» فيقول: 

«ألاترى إلى القمر كيف هو بدر دائما ومحاق دائماء وهما وجه الظاهر 
والباطن» وإنما يزيد وينقص بالنسبة إلينا لا بالنسبة إلى ذاته» ولما كانت 
ذاته متحركة حركة دورية وضعية ظهرت الزيادة والنقصان فيها بالنسبة 
إليناء فبقدر ما ينقص من النور من وجهه البدري يزيد في الوجه الآخرء 
وبقدر ما يزيد فيه ينقص منه من الطرف الآخرء ويقوم مقام ما نقص من 
الوجه البدري. هذا لا شك فيه عند من فكر في خلق السموات والأرض. 
فكلما نقص من وجهه الظاهرء أعني الوجه البدري» أخذه الوجه الباطن» 
أعني الوجه الممحوق» على ميزان مخصوص لا ينخرم أصلا. وهكذا 
الليل والنهار» وهما الظاهر والباطن. فبقدر ما ينقص من الليل يزداد في 


)١(‏ انظر بوجه خاص ما يقوله ابن عربي في شرح القول المأثور عن الإمام الغزالي: «ليس 
في الإمكان أبدع من هذا العالم»؛ الفتوحات» ۱ » ص ۲۹۹+ "ا ص١1‏ 445421557 
الفصوص» ١ء‏ ص 17١‏ ؛ التدبيرات الإلهية» ص5 ٠١‏ . والفكرة الرئيسية في مذهب ابن 
عربي هناء هي: أن الله تعالى يظهر أبديته بإيجاد كل ما هو ممكن» بما في ذلك إمكان 
إيجاد النقص نفسه. وقد عبر شارح رسالة الأنوار عن هذا المعنى في أبيات يقول فيها: 

فلو لم يكن في الكون نقص محقق لكان وجود الحق ينقص في القدر 

قبي كان الى الالال 000 
راجع» فيما يتعلق بقضية: وجود الشر في العالم» في الفكر الإسلامي مقالة: .] ۴۲٤‏ 
.ORMSBY, Theodicy in Islamic Thought, Princenton 4‏ 
وأيضًا نقدنا المنشور فى: Bulletin Critique des Annales 1sla¬01l0giqUes,‏ 
٠ .t, 22, 6‏ 


www.alimamaltayeb.com 


۳۹٦‏ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
النهار» وبقدر ما ينقص في النهار يزداد في الليل على نسبة واحدة لا تنخرم 
أبداء واليوم» الذي هو مجموع الليل والنهارء ما زاد ولا نقص». 

ونعود لرسالة الأنوار لنقول إن تعبير ابن عربي الذي يقول فيه: «إن 
الطرق كلها مستديرة» تعبير غامض وملعّز لكنه يبين المقصود منه في باب 
من أبواب الفتوحات» وهو يرمز للظهور بمحيط الدائرة» فنقطة الابتداء 
في الدائرة هي وجود العقل الأولء أو القلم الذي هو أول المخلوقات» 
ونقطة الانتهاء هي الإنسان الكامل؛ وهاتان النقطتان متصلتان''". والطريق 
التي توصل من نقطة البداية إلى نقطة النهاية في الخلق اسل سَفِلِينَ (() 
[التين: 5] توصل أيضًا من نقطة الانتهاء القصوى هذه. إلى الموطن 
الأصليء الذي يُرمز إليه أيضًا ب مال رِالذَيينٍ(5)* [التين: *] والذي ترنو 
إليه الأرواح وتحن وتشتاق. يقول شارح رسالة الأنوار: «فلو خرجوا على 
خط مستقيم لم تكن له غاية يقصدونهاء فكانوا إذا صدروا عن الله تعالى 
لايعودون إليه أبدا». 

أما فيما يتعلق بعدم التناهي» أو الأبد الإلهي الذي لا تكرار فيه 
وإنما هو أمثال تحدث. فإن المصير إلى الله فيها لا يمكن أن يكون مجرد 
العود البسيط لما ذهب وانتهى؛ فالكائنات لا تعود القهقرى» ولا تقفل 
راجعة على ذات الخطوات التي جاءت بهاء وإنما ترجع بها «استدارة» 
الخلاء الروحاني وهي تتحرك فيه صوب النقطة التي بدأت منها السير. 
)١(‏ الفتوحات» ۱» ص70١.‏ 


(۲) انظر المصادر المذكورة سابقا في هامش ١‏ من هذا الفصل. 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش نظا 

ثم يواصل السالك رحلته من السماء الثانية التي يكشف له فيها 
-ضمن ما يُكشف- عن كيفية «تولد التكوينات بين عالم الأرواح 
والآجسام» وسبب ذلك التولد» إلى السماء الثالثة» وهي «عالم التصوير 
والتحسين والجمال. ومن هذا الحضرة يكون الإمداد للشعراء» ومن التي 
قبلها (السماء الثانية) يكون الإمداد للخطباء». وفي هذه السماء كوكب 
الزهرة» فيها يوسف 3582. وها هنا إشارة مزدوجة إلى الجمال. وذلك لما 
يمثله يوسف َلك من كمال الصورة الإنسانية» سواء في التراث القديم» 
أو في النصوص القرآنية التي تقصها علينا السورة المسماة باسمه» وهي 
سورة يوسف. وطبقا لما يقوله ابن عربي في الباب ۱١۷‏ من الفتوحات 
(وسشحل اله فما كى من كتابنا هذا برمد؛ القدربحات أ كما نحي الى 
الباب: /751 من الفتوحات أيضًا برمز: الفتوحات أء كما نحيل إلى الباب: 
۷ من الفتوحات أيضًا برمز: الفعوحات ب)» يفيض من هذه السماء 
نظام العناصر الأربعة والأمزجة الأربعة التي يتركب منها العالم الحسي» 
أو كما يقول ابن عربي: «ترتيب الأركان التي تحت مقعر فلك القمر». وهنا 
في هذه السماء نجد صاحب النظر مغموما؛ لآنه لم يتلق علما جديدا غير 
ما تلقاه من قبل من علم تسخير الكواكب» مما يتفق مع هذه المرحلة من 
مراحل السماوات» بينما يتلقى صاحبه التابع من يوسف تك ما خضّه الله 
به من العلوم المتعلقة بصور التمثيل والخيال» والتي استخرج رموزها من 
«الأرض التي خلقها الله من بقية طينة آدم 4@) فقد كان يوسف غ 
)١(‏ يخصص ابن عربي الباب الثامن من الفتوحات (۱» ص77١1-١1١)‏ لهذه الأرض = 


www.alimamaltayeb.com 


۸ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
فيما يقول ابن عربي «من الآئمة في علم التعبير). 
«فإن لم تقف مع هذا رفع لك عن مراتب القطبية» وكلما شاهدته قبل 
فهو من عالم اليسار» وهذا الموضع هو القلب. فإذا تجلى لك هذا العالم 
علمت الانعكاسات (أي انعكاسات الكمالات الإلهية) ودوام الدائمات» 
وخلود الخوالد» وسريان الوجود فيهاء وأعطيت الحكم الإلهية» والقدرة 
على حفظهاء والأمانة إلى تبليغها إلى أهلهاء وأعطيت الرموز والإجمال» 
فالوهبَ على الستر والكشف». 
ثم يعرج السالك - بروحه - إلى السماء الرابعة» وهي السماء 
الوسطى» أو قلب السماوات كلها- كما يقول ابن عربي-» ولذا فهي 
موطن الشمسء وفيها من الأنبياء إدريس 4 الذي هو قطب الكون”". 
-التي هي موطن العجائب والمشاهدات العرفانية والتجليات الإلهية. وقد ترجم 


كوربان جزءا من هذا الباب في: 
pp 213-225. 1960,«Terre Céleste et bik de résurrection, Paris‏ 
)١(‏ ذكر إدريس عله في القرآن الكريم مرتين (مريم: 0۸۰0۷ الأنبياء: .)۸٦۸١‏ وهو يطلق 
في التراث الإسلامي مرة على «أخنوخ»» وأخرى على» إلياس»» وثالثة على «الخضر». 
وغالبا ما تتشابه شخصيته مع شخصية هرمس . انظر فيما يتعلق بأخنوخ -أب متوشالح- 
سفر التكوين »)755-7١ :٥(‏ حيث يقول: «فكانت كل أيام أخنوخ ثلاثمائة وخمسا 
وستين سنة». وفي هذا النص إشارة واضحة إلى حسبان أخنوخ رمزا للشمس. ونقرأ في 
السفر نفسه أيضًا: «وسار أخنوخ مع الله» ولم يوجد؛ لآن الله آخذه»» مما يتطابق وما 
جاء في القرآن الكريم في قوله تعالى: *ورفعتة ماع40 [مريم: 01]. وفيما يتعلق 
بشخصية إدريس في كتابات ابن عربي» انظر الفصوصء الفص الرابع »١(‏ ص٥۷-‏ 
.)٩‏ وقد ترجم: 811112506 جزءا من هذا الفص (ص572-57). وترجمه- 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۳۹4 
ومن حضرة إدريس يتلقى تابع الأنبياء علم تقليب الأمورء [أي الاختلافات 
اللامتناهية» والفيوضات المتجددة أبدا]. ويرى «غشيان الليل النهار والنهار الليل» 
وكيف يكون كل واحد منهما لصاحبه ذكرا وقتا وأنثى وقتاء وسر النکاح 
رمزان -بالتبادل - للظاهر والباطن). ويرى كذلك «الفرق بين أولاد النهار 
[وهم الذين تظهر عليهم الكمالات الروحانية] وأولا الليل» وهم الملامية الذي 
يدارون ولايتهم ويخفونها عن أنظار الناس. 
ويذكر ابن عربي في حديثه عن تجربته الخاصة في معارجه الروحاني 
(الفتوحات ب) أنه سلّم في السماء الرابعة على إدريسء وأنه #86 رحب 
به قاتلا: «أهلا بالوارث المحمدي»»؛ مما يتضمن اعترافا من القطب 
الأعظم بمرتبة ابن عربي كختم للولاية المحمدية. ثم ينشأ بينهما - بعد 
ذلك- حوارء قال فيه إدريس ##: «إن الله عند قول كل قائل». وهذا 
القول يؤسس أصلا من الأصول الكبرى في تصوف ابن عربي. فعنده أن 
كل إدراك» عقلي أو حسي» وسواء عرفه المدرك أو جهله. فإنه في واقع 
الآمر إدراكالمظهو من مظاع الت الال إذ العا سيف ا محال 
= 4115112 ترجمة كاملة (ص۸۹4-۸۲)ء مع ترجمة للفص الثاني والعشرين أيضًا »١(‏ 
ص 1817-181١‏ من النص العربي» ص ۲۲۸- ۲٠١‏ من الترجمة)» وهو الفص المتعلق 
بإلياس» غير أن إلياس في هذا النص هو إدريس نفسه. هذا ويتحدث ابن عربي عن 
وصوله للسماء الرابعة في معراجه الروحاني- في كتاب الإسراء ص١7-‏ ويذكر أنه 


قيل له: «مرحبا بسيد الأولياء» في إشارة منه إلى مرتبة «ختم الأولياء». وسوف يذكر ابن 
عربي شيئا مماثلا لهذاء وهو يقص علينا معراجه في الباب ۲٦۷‏ من الفتوحات. 


www.alimamaltayeb.com 


9 الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
أو مظاهر للتجليات. 

وإذن فليس ثمة خطأء وإن كان» فهو بالمعنى الإضافيء أو كما قال 
إدريس يكام في حديثه لابن عربي «الخطأ أمر إضافي» ويترتب على ذلك- 
فيما يقول الشيخ الأكبر- أن يكون كل إثبات بالنسبة له تعالى صواباء بالنظر 
لما يتضمنه من إثبات» خطأ بالنظر لما يتضمنه من نفي وسلب”". 

ثم يقص ابن عربي علي إدريس 2 رؤيا منامية -رآها من قبل- 
ورأى فيها شخصا في الطواف سمّى له نفسه. وأخبره أنه من أجداده. وأنه 
ينتمي إلي عصر سحيق من العصور التاريخية القديمة'". 

وهنا يسأل ابن عربي إدريس ه: «فهل كان قبل الدنيا دار غيرها؟ 
قال: دار الوجود واحدة: والدار ما كانت دنيا إلا بكم والآخرة ما تميزت 
عنها إلا بكم». وإذن فحقائق الجنة موجودة الآن» وظاهرة لمن يعرف كيف 
يدركها وكيف يراها. 

«فإن لم تقف مع هذا رفع لك عن عالم الحمية والغضب ومنشا 
الخلاف الظاهر في العالم» واختلاف الصور وغير ذلك». 

وهذه هي السماء الخامسة في معراج ابن عربي» وهي سماء المريخ 


(۱) راجع الفتوحات. ”ا ص۲۱۹ - ۳۲۲۰ ص١ ٤4۳۰۹۰۱٦۲۰۱۳۲‏ ص 21500147 
0١‏ الفصوصء ١‏ ص۰۱۱۳ ...٠١ ١-٠۲۲‏ إلخ. وثمة حديث قدسي 
يذكر عادة في هذه المسألة» هو: «أنا عند ظن عبدي بي...٠.‏ (البخاري» التوحيد» ١٠ء‏ 
٥‏ مسلم» التوبة. .١‏ وقد أورد ابن عربي هذا الحديث في كتابه المشكاة» رقم .)١9‏ 

(؟) وردت هذه القصة في الفتوحات» ۳» ص۸٤٠‏ وأيضًا ص ٥٤٩‏ من المجلد نفسه. 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۴۰ 
أو الأحمرء أو النحس الأصغر. وهي فيما يقول ابن عربي (الفتوحات آ)» 
سماء الهيبة والخوف والشدة والبأس» وباختصار كل مظاهر الجبروت 
والكبرياء الإلهيين. ومن هذه السماء يلتمس السالك ما يلزمه ويُضطر إليه 
من القوى الإلهية التي تعينه على مقاومة أعداء الظاهر والباطن. والحوار 
هنا مع هارون ع نبي هذه السماء. ويتعلق الحوار - هذه المرة- 
بمسألة من أكثر المسائل نقدا ورفضا في تصوف ابن عربي» وهي مسألة 
مصير فرعون بعد غرقه. فقد ذهب ابن عربي- انطلاقا من فهمه الخاص 
به لظاهر الآيات- إلى أن إيمان فرعون الذي اضطْرٌ إليه في الرمق الأخير 
من حياته يُنجيه من الخلود في النار» لآن «رحمة الله أوسع من حيث ألا 
يقبل إيمان المضطر)"". ويرى ابن عربي أن الكبرياء ليست إلا حجابا 
للرحمة» وهذا ما قد يفهم ضمنا من الحكمة التي يؤكدها هارون ج 
للولي التابع للنبي» حيث أمره «أن يجعل ما تقتضيه سماؤه من سفك الدماء 
في القرابين والأضاحي ليلحق الحيوان بدرجة الأناسيء إذ كان لها الكمال 
في الإماتة»» وحقا إنها الكيمياء المؤلمة» لكنها الكيمياء التي لا مهرب منها 
للارتفاع بالمخلوقات الدنيا إلى مستوى مرتبة الإنسان الكامل» ومشاركته 
في قسمته ومصيره. 

ويتابع ابن عربي حديثه عن تجربته الروحية هذه (الفتوحات ب)» 


)١(‏ نحيل» فيما يتعلق بمصير فرعون بعد الغرق» إلى مقالة: 
Le Personnage Coranique De Pharaon d’aprés Iinterprétation‏ 


dibn Arabî, Annales Islamologiques, T'. 14, 1978, pp. 37-57. 


www.alimamaltayeb.com 


۳.۲ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
فيسرد لنا مزيدا من الحوار» جرى أولا مع النبي يحيى الذي رآه من قبل في 
السماء الثانية مع عيسى» وها هو ذا يراه هنا كرة أخرى قريبا من هارون 4 
فيبتدره ابن عربي بسؤاله: «ما رأيتك في طريقي؟ فهل ثم طريق أخرى؟», 
فيجيبه يحيى: الكل شخص طريق لا يسلك عليها إل هو»» أي أن كل كائن 
هو فى حقيقة الأمر فرد. وأن نسبته إلى الله نسبة مفردة أيضًا. 

ثم يجرى الحوار بعد ذلك مع هارون» الذي رحب بابن عربي بوصفه 
وآز نا محمد ا فاا مدل ها قعل إدريس عن فال وق هذا الشوان يو كل 
هارون ج حقيقة وجود العالم الذي ينفيه بعض الأولياء ممن يقولون 
إنهم لا يرون إلا الله تعالى» وأنه لا يبقي للعالم عندهم ما يلتفتون إليه» 
وهنا ينقل ابن عربي أن هارون 6 قال له: «صدقواء فإنهم ما زادوا على 
ما أعطاهم ذوقهم. ولكن انظر! هل زال من العالم ما زال عندهم؟ قلت: 
لاء قال: فَنقَصَهم من العلم بما هو الأمر عليه ما فاتهم... فإن العلم كله هو 
عين تجلي الحق لمن عرف الحق. فأين تذهبون؟». 

هذاء وقد كشفنا فى دراسة أخرى- تستند إلى هذا النص22 - عن 
التناقض التام والتعارض الجذري بين مذهب ابن عربي في هذه المسألة 
وبين مذهب الوحدة المطلقة في مدرسة ابن سبعين» شيخ هذه المدرسة» 
وزعيمها البارز. 

ثم يأخذ السالك سمته - بعد ذلك- نحو السماء السادسة» وهي سماء 
«البرجيس»» أو المشترى. وفيها من الأنبياء موسى 4 : 


(۱) انظر مقدمتنا لتر جمة رسالة الوحدة المطلقة لبليانى» باريس» 07 ص ۳۲۲- ۳۷. 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۳ 

«فإن لم تقف مع هذاء رُفع لك عن عالّم الحب والغيرة» وكشف 
الحق على أتم وجوهه. والآراء السليمة» والمذاهب المستقيمة» والشرائع 
المنزلة» وترى عالما قد زينه الله من المعارف القدسية بأحسن زينة» وما من 
مقام يكشف لك عنه إلا وهو يقابلك بالتعزيز والتوقير والتعظيم» ويعرب 
لك عن مقامه ومرتبته من الحضرة الإلهية» ويعشقك بذاته). 

ها هناء وفي هذا المستوى من المعراج الروحي» يلتقي السالك التابع 
لطريق الأنبياء- والذي أدار ظهره من قبل لطريق التأمل الفلسفي - بموسى 
الكل ليفيد منه اثنى عشر ألف علم من العلوم الإلهية» في إشارة واضحة 
من ابن عربي إلى الحقيقة القرآنية في تاريخ موسى (البقرة: »)25١‏ ونعني 
بها انفجار اثنتي عشرة عينا من الحَجَّرء بعدد قبائل بني إسرائيل الاثنتي 
عشرة» أو -بكلام آخر- بعدد مظاهر الولاية الموسوية”" (الفتوحات أ). 

ويقول ابن عربي إن التابع يفيد كذلك من موسى ي علما آخر» 
يعلم بمقتضاه «أن التجلي الإلهي إنما يقع في صور الاعتقادات وفي 
الحاجات». وهنا أيضًا إشارة إلى الآيتين الكريمتين ٠١ ٠۲۹‏ من سورة 
القصص. الواردتين في شأن موسى وسيره مع أهله ورؤيته النار» والبقعة 
المباركة والشجرة والمناجاة. 

والدرس المقصود هنا هو أن موسى ل سمع كلام الله بينما كان 
)١(‏ والانتقال من العدد «اثنتي عشرة عينا» إلى «اثني عشر ألف علم» يدلنا هنا على التفصيل 


في صور العلوم المتلقاة» لأن ما يتلقاه الولي من العلم ليس هو علم تعليمياء بل هو علم 


www.alimamaltayeb.com 


ع9 الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
يلتمس «النار» لأهله» وأنه نودى من الشجرة المحترقة أيضًاء يقول ابن 
عربي: «ثم ذكر [موسى] له [للتابع] طلبه النار لأهلهء فما تجلى له إلا فيها") 
إذ كانت عين حاجته» فلا يُرى إلا في الافتقار». وهكذاء في كل مرة نتصور 
افتقارنا لحاجة ما - مادية أو روحية- فإن تصورنا هذا- فيما يرى ابن عربي 
- هو عين تصورنا للافتقار إلى الله» سواء علينا أوعينا ذلك أم غفلنا عنه» 
«فكل حاجة هي نفسها حاجة لله تعالى). حتى إن من يحب شيئا لجماله 
فإنه في الحقيقة إنما يحب الجمال الإلهي في هذا الشيء. غير أنه لا يعرف 
من هذا الجمال الإلهي إلا بقدر ما تضمنه هذا الشيء المحبوب. وواضح 
هنا أن كلمة «الاعتقادات» في لغة ابن عربي تَعَطّي» بصورة أفضل بكثير من 
التعبيرات الأخرىء بيان معنى «الإيمان»» وتمتد لتشمل كل ما نريد التعبير 
عنه من تصورات محدودة لحاجاتنا المادية والمعنوية. 

وهكذاء تحصل التجليات في صور رغباتنا وفي حاجاتنا- المادية أو 
الروحية- أنفسها. 

ومن نبي السماء السادسة» يتلقى السالك- ضمن ما يتلقاه - علم كيفية 
خلع الصور من الجواهرء وإلباس الجواهر صورًا آخرى» دون أن تنقلب 
أعيانها وحقائقهاء ومثال ذلك عصا موسى كك التي اتخذت مرة صورة 
العصاء ومرة أخرى صورة الحية» مع بقاء حقيقة العصا ثابتة لا تتبدل ولا 
تتغير بتغير الصور المتعاورة عليها. 


.)711707١7ص‎ ١( نجدهذا الموضوع -أيضًا- في فصوص الحكم الفص الموسوي‎ )١( 
.TIACTTIcEcT 1 الفتوحات» ”27 ص۰۲۹۸‎ 00 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۰۵ 

وإذا أمد الولي بهذا العلم فإنه لن ينخدع -بعدئذ- بالعالم في صور 
مظاهره» بل سرعان ما ينفذ إلى «وحدة الوجود» وراء كثرة الموجودات 
«فقل: إله» وقل: عالم» وقل: أناء وقل: أنت» وقل: هو والكل في حضرة 
الضمائر ما برح وما زال... فاختلفت النُسبء وهنا بحور طامية لا قعر لها 
ولاساحل». 

وتقع مسألة «رؤية الله» تعالى في قلب ما دار من حوار بين ابن عربي 
وموسى #6 في هذه الرحلة الروحية (الفتوحات ب)» وهي مسألة 


عد ص ويه عرسم 


5 55 »+ 5 5 3 55 5 2 ل عبن و 
مشهورة ومعروهه» وردت في قوله تعالى: # ولماساء موف لسا وة 


رمَا رت ارف اظ لیت قال ن رين کک أنظرْ ِل الْجَبَلِ إن أَسَتَمرٌ 


-ه مل چ 


له فسوف تر € [الأعراف: ١٤٠]ء‏ يقول ابن عربي: «فقلت له: إن الله 
اصطفاك على الناس برسالاته وبكلامه» وأنت سألت الرؤية» ورسول الله مكل 
يقول: «إن أحدكم لا يرى ربه حتى يموت؟ فقال: وكذلك كان لما سألته 
الرؤية أجابني» فخَرّرتٌ صعقاء فرأيته تعالى في صعقتي. قلت: موتا؟ قال: 
موتا». ثم بين له موسى أنه لن يكون - بعد صعقة الموت هذه - من بين 
من يُصعق في نفخة إسرافيل في الصور يوم القيامة» لأن من يعرف طعم 
الموت الروحي لا يلبث أن يشارك - بعد ذلك- في الحياة الأبدية للخاصة 
من آهل الله تعالى» فمثل هؤلاء مات موتهم» تماما مثل ما يموت موت 
الخلائق كلهاء بعد دخول أهل الجنة الجنة وأهل النار النار» حيث يُؤْتى 
بالموت في صورة كبش يذبحه نبي الله يحيى 20206. 


للك انظر قضية الرؤية فى الفتوحات» »٤‏ ص7. 


www.alimamaltayeb.com 


۳٦‏ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 

ومرة أخرى يبدو لنا هذا التناغم بين ما يقرره مذهب أهل التصوف» 
وما تقرره السمعيات في مسائل البعث والمعاد. وكأن الوحي في هذه 
المسائل- بالمعنى الحقيقي لكلمة الوحي- فتح (أو: نور) لاحق» وكأن 
فتح الولي هنا تأييد لوحي سابق. 

ويتواصل الحوار بعد ذلك» فيسأل ابن عربي موسى #4: «أليس حقا 
أنك لما طلبت رؤيته مُنعت من الرؤية؟» ويجيبه موسى ع «كنت أراه 
وما كنت أعلم أنه هو». 

ويؤخذ من هذا الكلام أن الفرق ين رؤية العارف ورؤية غيره لا يعود 
إلى «المرئي» الذي يراه كل منهماء بل الذي يميز العارف عن غيره هو وعي 
العارف ومعرفته بمن يراه. 

وبعد هذا العالم - عالم السماء السادسة- أو عالم الحب والغيرة» الذي 
دفع بموسى 8 إلى تحطيم العجل المصنوع من الذهب» والذي اتخذ 
منه بنو إسرائيل إلها معبودًا (البقرة: ١‏ 4- 47)» (النساء: »)٠١١‏ (الأعراف: 
»)٠١١ -۸‏ (طه: ١٠4۷-۸)ء‏ يصل الولي إلى السماء السابعة (سماء 
كيوان أو زحل)» وهي سماء الوقار والسكينة والثبات والمكر الإلهي» وها 
ها يتلقى الماك الموكل بهذه السماء» مات النظن (الفاسرف )ود 
في بيت مظلم» وهذا البيت رمز لنفس الفيلسوف» وبعبارة الشيخ الأكبر: 
«وتلّقى صاحب النظر... فأنزله في بيت مظلم قفر موحش» وقال له: هذا 
بيت أخيك» يعني نفسه» فكن به حتى آتيك». (الفتوحات أ). 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۴۷ 
أما الولى. أو التابع المحمدي فيتلقاه إبراهيم الخليل Re‏ ويجده 
الولي - مثل ما وجده النبي بيا في قصة الإسراء- مسندًا ظهره إلى البيت 
المعمورء وهو البيت الذي إليه ينتهى صعود الملائمة» حيث ورد أنه يدخله 
كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه إلى يوم القيامة» كما ورد أن هذا 
البيت بحذاء الكعبة» لو سقط منه حجر لسقط عليه" فيقول إبراهيم 
مع الحق في كل حال». 
وفى هذه السماء - كما فى السموات السابقة- يدرك كل من هذين 
الشخصين الولي والفيلسوف من الروحانيات العلياء ومن تسبيح الملا 
الأعلى بقدر ما عندهما من طهارة النفس وتحررها من سجن الطبيعة. 
لكن» بينما يُدعى التابع للمضيٌّ قَدُماء والدخول في البيت 
المعمور”". يدرك الفيلسوف أن معراجه قد بلغ نهايته» وأن عليه أن يتوقف 
وينظر صاحبه. 
وبرغم ما يوجد من وجوه شبه أو مقارنة بين هاتين الشخصيتين» مما 
)١(‏ ورد ذكر البيت المعمور في القرآن الكريم في سورة الطور (آية: 5). وحسبما يُؤْخذ 
من الأخبار والروايات» فإن البيت المعمور هو الكعبة التي كانت موجودة من قبل» ثم 
رُفعت إلى السماء في زمن الطوفان. 
(؟) ومن الملاحظ أن الولي يدخل البيت المعمور ويخرج من الباب نفسه الذي دخل 
منه» على العكس مما ذُكر - قبل- من أن الملائكة يدخلون البيت المعمور كل يوم 
وعددهم سبعون آلف ملك» لا يعودون إليه مرة أخرى. انظر فيما يتعلق بهذه الجزئية 
من معراج الولي» نصوصا بالغة الروعة (شعرا ونثرا) من كتاب: الإسراء ص۲۸- 5 7. 


www.alimamaltayeb.com 


۳۸ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
قد يُظن معه أنهم صاحبان أو أخوان. فإنهما ليسا كذلك» لأن إبراهيم 1 
يقول للتابع بعد أن عرف منه هوية صاحبه الفيلسوف: «لا تصاحب إلا من 
هو أخوك من الرضاعة» في إشارة إلى أن لبن الرضاع هو الشراب المشترك 
بين هؤلاء الإخوة» والمقصود به هنا الاتحاد في مشرب العلم ومصدره. 

وهنا ينقطع ظهر الفيلسوف «صاحب النظر»» ويعلن عن إسلامه 
وإذغائه لما أذغى اله صالحيه الولى+ ويقول:«أسلم و ادل فحت سكم ها 
دخل فيه صاحبي»» فيقال له: ليس هذا موضع قبول الإسلام, إذا رجعت 
إلى موطنك الذي منه جئت أنت وصاحبك» فهناك إذا آسلمت وآمنت 
راتت م مو ابال الي قلت قا بل مادك 

ومع ما تتميز به هذه السماء كما رأينا من قبل- في رسالة الأنوار - 
من أوصاف السكينة والثبات» فهي - أيضًا- سماء المكر الإلهي أو لنقل 
سماء الاستدراج”©» وها هنا نوع من التضارب بين معنى الثبات والسكينة» 
ومعنى المكر والاستدراج» لكنه تضارب شكلي وظاهري فقط؛ فالات 
يغلق ما انفتح» ويحصر ما لا يتناهى» والثبات ليس إلا انخداعا مهلكاء وهو 
أقصى مراتب الاختبار» وأقتلها وأشدها هلاكا. 

وطريق التصفية الروحية لا مفر فيه من مكابدة «الحيرة» التي تنشأ من 
ديمومة التجليات ووردوها ورودا لا يتوقف ولا ينقطع» وما يحمله كل 


٤ 4047١ - ٥۲۹ص‎ »۲ انظر ما يقوله ابن عربي عن «المكر الإلهي» في الفتوحات»‎ )١( 
وانظر أيضًا عرضا لهذه المسألة في علم الكلام الإسلامي» في مقال:‎ . ١55 2١54 ص‎ 
Studia Islamica, vol. 58, 1983, pp 5-33. «De la fallacieuse 
Prospêritéê» R. BRUNSCHVIG. 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۳۹ 
تجلّ منها من علوم متجددة» ومترقية» بحيث يكون العلم اللاحق أرقى 
وأعلى من العلم السابق”"» ومن هنا تأتي الخطوة القادمة في معراج الولي 
خطوة متسقة مع ما مضى من خطوات سابقة: 

«فإن لم تقف مع هذا رُفع لك عن عالم الحيرة والقصور والعجز, 
وخزائن الأعمال» وهم عليون». 

بهذه الخطوة يصل السالك إلى سدرة المنتهى» وهي المكان الذي 
توقف فيه جبريل - ملك الوحي- في حادثة المعراج» وتركه فيه النبي كلك 
ليواصل معراجه النبوي بمفرده» وسدرة المنتهى هي أيضًا المنتهى الأخير 
الذي ترفع إليه الأعمال الصالحة للعباد» والتي تصعد بها الملائكة إلى 
السماء كل يوم» ويقول ابن عربي (الفتوحات آ)» إن الولي التابع يرى نهرًا 
كبيرٌا يتفجر من سدرة المنتهى» وتتفجر منه أنهار كبار ثلاثة» وتنبعث منه 
جداول كثيرة لا حصر لها فلما سأل عنها عرف أنها أمثلة ضربت له» فالنهر 
الأعظم هو القرآنء والأنهار الكبار الثلاثة أمثلة للكتب الثلاثة المقدسة» 
التوراة والإنجيل والزبور» وهذه الجداول الصغيرة أمثلة للصحف المنزلة 
على الأنبياء» أي أمثلة للصور الصغرى من الوحي الإلهي المنزل على 
الأنبياء والرسل» ومن يشرب من أي مصدر من هذه المصادر فهو وارث 
للنبي صاحب المصدرء وتابع له» وبعبارة ابن عربي: «فمن شرب من أي 


77١ص‎ »۱( عرض ابن عربي موضوع الحيرة في أكثر من مكان في كتابه الفتوحات‎ )١( 
.(A* «T0 ۰۱۹۷ ۰۱۹٦ ۰٤'ص‎ ۰٤ ۰٤1۹۹ ص‎ ۳ ۱ ۰٦*۷ وما بعدها؛ ۲> ص‎ 


وكذلك فى الفصوص (۰۱ ص١‏ 25 4لاء 2111 ۰( 


www.alimamaltayeb.com 


1۰ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
نهر کان» أو أي جدول فهو لمن شرب منه وارث» وکل حق فإنه کلام الله 
تعالى» والعلماء ورثة الأنبياء بما شربوا من هذه الأنهار والجداول». 


ولما كان القرآن هو النهر الأعظم فإنه قد اشتمل على كل ما اشتملت 
عليه المصادر الأخرىء ولذا يرث من شرب منه كل مواريث الأنبياء 
الآخرين» «فاشرع في نهر القرآن تفز بكل سبيل للسعادة» فإنه نهر محمد 
5ة الذي صحت له النبوة» وآدم بين الماء والطين» وأوتي جوامع الكلم» 
وبعث عامة» ونُسخت به فروع الحكام, ولم يُنسخ له حكم بغيره». 

وحين نمعن النظر قليلا في الباب 7717 من الفتوحات» نجد أن 
الوصف المفصل للمعراج الروحي (وهذا الوصف متواصل في الباب 


۷ من الفتوحات» وفي كتاب الإسرا أيضًا) ينتهي بكلام تسوده نغمة من 
الافتخار وذكر الخصوصيات؛ فها هو ذات ابن عربى يرى سدرة المنتهى 
وقد غشيتها الأنوار من كل جوانبهاء حتى صار هو نفسه نورا: «فقلت: 


ص 


اتيم 5 2 2 رہ جه بين خب a a‏ 
إلبى! الآيات شتات :قأنول عل وض امتا بان وما نول عا وما 


م 


2 ع 

ARS‏ 39 70000 > سس سد ساسع ياد رمج 2م سه ع اس كو 

آنزل عل إِبَرَهيم وَإِسْمَبِعِيلَ وإسحق ويعقوبب والاسباط وما أو موس 
u‏ سوه 2 شا ترج رحو چو براح او هب 


ر ر لصيس بير د د ا 

وَعِسَى وَالنّدِيورت من رهم لا فرق بين اح منهم وَنَحَنَ له مسَلمون 

(ه)'4 [آل عمران: »]۸٤‏ فأعطانى فى هذه الآية كل الآيات» وقرّب على 

)١(‏ نلاحظ أن الفعل: «أنزل...2 الذي يستعمله ابن عربي في هذا النص» مستعمل أصلا 
في القرآن الكريم للتعبير عن نزول الوحي على الأنبياء» وهذه الظاهرة- أعني: ظاهرة 
«الوحي المباشر» إلى الأولياء» بما يوحي للأولياء» عرض لها ابن عربي في الفتوحات» 


۲ ص۰۰۰۹ ۳ ص٤۰۹‏ ۱۸۱؛ ٤‏ ص178» ويقص علينا ابن عربي أنه حدث له شيء من 
ذلك فى تونس» سنة 7/5915 .١١9/‏ 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۳11 
الآمر» وجعلها لي مفتاح كل علم». 
ويفسر ابن عربی هذا الاتصال الإلهی بأنه بُشرى له بأنه محمدي 
المقام ثم يقول: «فحصّلت في هذا الإسرا هذا معاني الأسماء كلهاء فرأيتها 
ترجع الى مسمى واحد» وعين واحدة» فكان ذلك الفسمى مشهودي» 
واقلاك العين و جردي فا كانت رخاف لاقي رد لای | غلی ومن هنا 
ونقول: إن هذه السطور القليلة من كلام ابن عربي تختصر كل ما يمكن 
أن يشتمل عليه معراج الولي من أسرار: فالعوالم التي يعاينها الولي- في 
هذا المعراج- إنما هي عوالم ذاته الباطنة» والأنبياء الذين يلتقي بهم هم 
أنبياء كيانه الباطني» وفي هذا المعراج يصعد الولي من سماء إلى سماء 
صوب قمة قصوى تنكشف له فيها حقيقة عدمه ومحوه. فى مرتبة الوجود. 
انكشافا تاماء ويكشف له فيها عن معنى الأبد ومعنى البقاء الإلهى”". 
وإذا كان ابن عربي» وهو يقص علينا تجربته الذاتية في المعراج 
الروحي» قد اختصر المراحل الأخيرة من هذا المعراج في عبارات قليلة"» 
)١(‏ عقيدة أنبياء الباطن نجدها مشروحة - فيما بعد- عند علاء الدولة السمناني 
(ات177/777). وقد لخص كوربان ما يقوله السمناني في هذه القضية؛ في كتابه: 
L homme de lumiére dans le soufisme iranien, Paris, 1971, pp.‏ 
.179-193 
(؟) وبرغم هذا الاختصارء يعدد ابن عربي على مدى الصفحات الأربع الآخيرة من الباب 
۷ من الفتوحاتء العلوم التي يراها الولي في هذه المرحلة الأخيرة من سفره 


الروحاني: فهناك «علم التخلق بالأخلاق الإلهية»» أي «التأله»؛ وعلم منزلة القرآنء 
وعلم المناسبة بينه وبين الإنسان الكامل؛ وعلم مآل كل شيء إلى الرحمة الإلهية- 


www.alimamaltayeb.com 


1۲ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
فإنه يطالعنا في: «رسالة الأنوار) بوصف مختصر أيضًا للمراحل القصوى 
من معراج الولي» وإن كان وصفه هنا يتميز بأنه أكثر وضوحًا من ذي قبل» 
لكننا نلاحظ أنه في رسالة الأنوار يتبع طريقا معاكسًا لما انتهجه من قبل 
في الفتوحات» فالوصف ها هنا وصف تنازلي عبر درجات وجودية» مرتبة 
طبقا لترتيب ابن عربي لدرجات الوجود في علم الكونيات» وذلك لأن 
المعراج هنا عبارة عن فقد تدريجي لوجود الولي"". 

وسدرة المنتهى تقع في أعلى نقطة من عالم الكون والفساد أو عالم 
الشهادة» الذي يوجد فيه الفلك المكوكبء وإذن فعلى السالك أن يقطع 


= (وهو مما يستلزم فناء النار في آخر الأمر)؛ وعلم فضل الذكور على الإناث (وأن 
هذا الفضل بالعًرض لا بالذات)؛ وعلم «أن الله هو المعبود في كل معبود من خلف 
حجاب الصورة» سواء عرف العابد (للأشياء والصور) ذلك أو لم يعرف. وغير ذلك 
من العلوم. 

)١(‏ تحدث ابن عربي عن المراتب الكونية في كتابه: «عقلة المستوفز» تحقيق نيبرج» ليدن: 
٩۹‏ مءص: 44-51 من النص العربي» وكذلك في الباب: ١0‏ من الفتوحات (۲» ص: 
4 -174). ويشتمل الباب: 37١‏ "من الفتوحات (۳» ص: 005-515 5») على سلسلة 
من الرسوم البيانية يوضح بها ابن عربي التوزيع الجغرافي لمستويات الكون» انظر أيضًا: 
Asin PALACIOS, El mistico Murciano Abenerabi, IV, su‏ 
teologia y sistema del cosmos, Madrid, 1928; Titus Burckhardt:‏ 

016 spirituelle de Dastrologie musulmane, Milan, 1974: 


نصر حامد أبو زید» فلسفة التأويل بيروت ۰۱۹۸۳ ص: ١٠٤۹-٤٥‏ . ت 


=هذا ونلاحظ أن مراتب الوجود الثماني والعشرين تمثل حروف الهجاء العربية» «(راجع 
الفتوحات: ”/ ٥‏ وهذهبدورها تتماثل مع درجات روحانية أخرى «الفتوحات»: ١؟/‏ ۱. 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش 1۴ 
فلك الكواكب الثابتة ثم السماء التي لا نجوم لها «وهي: الفلك الأطلس» 
وهذان الفلكان من عالم الخلق» ويشكلان جزءا منه كما يشكل الكرسي 
ثم يعود السالك فيصعد كرة أخرى في عالم الأمرء وهو المسمى- 
في الترتيب التصاعدي- «الجوهر المظلم الكل“ ثم عالم الطبائع» وهو 
العالم المشتمل - بالقوة- على الصورة الحسية» ثم اللوح المحفوظ أو 
النفس الكلية» وأخيرا القلم» وهو ما يرمز في نفس الوقت إلى العقل الأول 
أو الحقيقة المحمدية أو الإنسان الكامل. 
وبعدما يفارق السالك عالم الأمر يدخل فيما يسمى بالعماء» وهو 
«النقس الرحمانى» وهنا يصل السالك إلى الحضرة الإلهية!" والجزء 
)١(‏ من الملاحظ أن التسميات التي يطلقها ابن عربي على المراتب الوجودية تسميات 
متحركة وغير ثابتة» بل هي قابلة للتبادل فيما بين المسميات؛ فالمرتبة التي تتحدث عنها 
هنا وننسبها إلى «الجوهر الكل» هي نفسها تنسب أحيانا إلى: الجسم الكل» وأحيانا 
أخرى إلى «الهباء» أي: الهيولى الأول» لكن يحدث أحيانا أن يتحدث ابن عربي عن 
الطبيعة والهباء كتوءمين يتولد عنهما الجسم الكل «وفي هذه الحالة لا يمثل الجسم 
الكل إلا أدوة المزاتب في عا الأم ن وك كان يمكل المرقية اليا قي عال الخلق». 
() يتميز البناء الكوني في كوسمولوجيا ابن عربي «علم الكونيات» بتكرار سلسلة رباعية 
التقسيم في مراتب الوجود التي يصفهاء بحيث تكون الحلقة الأخيرة «الرابعة» من كل 
سلسلة هي الحلقة الأولى التي تبتدئ بها السلسلة التي تتلوها بعد ذلك» وبرغم أن 
«العماء» يطلق عند ابن عربي -بوجه عام- على مرتبة من الوجود يمكن عدها وسيطًا 
-إلى حد ما- بين «الذات» الواحدة المطلقة اللامشروطة» وبين عالم الكثرة فإن العماء = 


www.alimamaltayeb.com 


٤‏ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحبي الدّين بن العربي 
الأدنى من سماء فلك الثوابت هو سقف جهنم» أما الجزء الأعلى من هذه 
السماء فهو «أرض الجنة» وهذا التقسيم الجغرافي - فيما يقول ابن عربي- 
هو الذي يحدد الصورة التي تكشف للولي في مرحلة لاحقة بعد اجتيازه 
مرحلة سدرة المنتهى. 

«فإن لم تقف مع هذا رفع لك [عالم] الجنان» ومراتب درجاته» وتداخل 
بعضه في بعض» وتفاضل نعيمه» ونت واقف على طريق ضيقة ثم أشرف 
بك على جهنم ومراتب دركاتها""» [...] فإن لم تقف مع هذا رفع لك عن 
أرواح مستهلكة في مشهد من مشاهده» هم فيه حيارى سکاری» قد غلبهم 
سلطان الوجد" فدعاك حالهم [...] فإن لم تقف لدعوته رفع لك نور لا 


-يطلق عنده أيضًا ليدل على «الو جه الثاني من الوجوه الأربعة لهذه المرتبة الوجودية التي 
تشتمل على الألوهة «أي: الذات باعتبار ما تتصف به الأسماء الإلهية» وباعتبار ما يتعلق 
بها من نسب وإضافات تتضمن معنى الكثرة» وعلى العلماء» وعلى الحقيقة الإلهية أو 
الحق المخلوق به» وعلى حقيقة الحقائق ثم الحقيقة المحمدية» وهي «البرزخ الفاصل 
بين هذه المرتبة الوجودية الرباعية» والمرتبة التي تليهاء وهي مرتبة «عالم الأمر»». 

)١(‏ فيما يتعلق بمعرفة جهنم وعذابها معرفة تفصيلية انظر الآبواب ٠٤-٦١‏ من الفتوحات: 
»”775-0١‏ وانظر أيضًا الرسوم الأشكال التوضيحية في الباب ۳۷١‏ من الفتوحات 
أيضًا: ۳ / ٤۲٦ ٤۲٥ ٤۲۳‏ . 

(0) وكما ينشأً سكر هذه الأرواح واستهلاكها بسبب وقوفها في هذا المشهد ينشأ من رؤيتها 
أيضًا عالم الجنان ونعيمهاء ويجب أن نميز هنا بين سكر الأرواح في هذه المرتبة» 
وسكر المُهَيّمين وأمثالهم من طبقة الأفراد -في المستوى البشري- ممن سنتحدث 
عنهم بعد قليل. 


www.alimamaltayeb.com 


على و ۳۵ 
ترى فيه غيرك» فيأخذك فيه وجد عظيم» وهيمان شديد» وتجد فيه من اللذة 
بالله ما لم تكن تعرفه قبل ذلك [...] فإن لم تقف رفع لك سرير الرحمانية» 
وکل شيء عليه فإذا نظرت في كل شيء فسترى جميع ما اطلعت عليه 
فيه» وزائدًا على ذلك» ولا يبقى علم ولا عين إلا وتشاهده فيه فاطلب 
حقيقتك» فإذا وقفت على حقيقتك فيه عرفت أين غايتك ومنزلتك ومنتهى 
رتبتك» وأي اسم هو ربك» وأين حظك من المعرفة والولاية وصورة 
خصو صيتك). 

لقد عرض ابن عربي من قبل للقضايا الأخروية «السمعيات» في 
أبواب كثيرة من الفتوحات» واشتمل بعضها على وصف بياني لموقع 
الجنة والنار من خلال رسوم وأشكال توضيحية» وليس من همنا هنا أن 
نلخص المعطيات التي يمكن تلخيصها من هذه الأبواب الكثيرة» لكننا 
نكتفي من بين هذه المعطيات بالوقوف عند مفهومين يلقيان الضوء على 
طبيعة التجربة الروحية التي يعيش فيها السالك في هذه المرحلة من مراحل 
المعراج الروحاني. 

يقول ابن عربي: «واعلم يا أخي! تولاك الله برحمته» أن الجنة التي 
يصل إليها مَن هو من أهلها في الآخرة هي مشهودة اليوم لك [...] فأنت 
فيها تتقلب على الحال التي أنت عليهاء ولا تعلم أنك فيها». 


(۱) الفتوحات» ”27 ص۱۲۳ . 


www.alimamaltayeb.com 


۳٦‏ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 

وقد نبه الشرع على ذلك - فيما يقول ابن عربي- في الحديث الشريف 
«ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة)'» فهذه الروضة من الجنة 
يؤمن بها المؤمن العادي» ويتقلدها إيمانا واعتقادّاء بينما يراها أهل الكشف 
على حقيقتها روضة من رياض الجنة قائمة بالفعل هناك ينظرون إليها كلما 
وقعت أبصارهم على هذه البقعة من المسجد النبوي الشريف. 

والمعراج هنا هو نوع تأله» تنكشف به في نظرة الولي حقيقة ما من 
الحقائق التي لا تكف عن الانكشاف والظهور لأعين الناس جميعاء غير 
أن الأعم الغلب منهم لا يرونها في هذا العالم» اللهم إلا إذا عرفوا كيف 
يموتون قبل أن يموتواء وما يقوله ابن عربي عن جهنم في باب آخر من 
الفتوحات”» يؤكد على أن الفرق بين الولي وغيره يكمن في الكيفية التي 
ينظر بها كل منهما إلى الأشياء» فجهنم - فيما يرى ابن عربي - خلقت من 
حقيقة أساسية نجد تفسيرها في الحديث القدسي: «إن الله كك يقول يوم 
القيامة: يابن آدم! مرضت فلم تعدني» قال: یا رب! كف اعرد وات 
رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده؟! أما علمت 
أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ يابن آدم! استطعمتك فلم تطعمني» قال: يا 
رب! وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أنه استطعمك 
SS‏ ا 
يابن آدم! استسقيتك فلم تسقني» قال يا رب! كيف أسقيك وآنت رب 
)١(‏ مسند الإمام أحمد بن خثبل» ۴ صن 54 


شرف الفتوحات» ۰۱ ص ۲۹۷. 


www.alimamaltayeb.com 


على شود ن ۷ 
العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه» أما إنك لو سقيته لوجدت 
ذلك غينى 70 

وإذة تحيق, لبسث الا هذا «العمى» الذي يحول بين العبد وبين أن 
يرى الله في كل الوجوه والصورء ويحجبه عن إدراك وجوده تعالى في كل 
شيء» وكل كائن» وكل مكان» وكل لحظة» وهذا العمى عند من ينظر إلى 
التجليات» من غير أن يراها هو الأصل في اقتراف المعاصي» بل هو عين 
العقاب في اقترافهاء ولا ينجو من ذلك إلا من يعرف حقيقته الخاصة به 
وع اه أي مق يعرف أنه هى شه كنل من تسليات الأشياء اة 
ونه محل أو مظهر”" لذلك التجلي» وأنه على قدر صفاء قلبه ونقائه يكون 
انكشاف الأشياء وتجليها له. 

وفي هذه المرحلة من السفر الروحاني يبلغ الولي مستوى المحفوظ 
- وهو مرادف للنفس الكلية في مفردات ابن عربي-» وفي هذا اللوح سطر 
القلم كل ما كان وما سيكونء وهنا ينتهي المعراج ويبلغ غايته: 


)١(‏ صحيح مسلم» كتاب البر» باب: فضل عيادة المريض. انظر أيضًا ابن عربي» مشكاة 
الآنوار» حديث رقم 18. 

(0) فيما يتعلق بالاسم الإلهي: «رب كل شيء» تراجع مقدمتنا الفرنسية لرسالة الوحدة 
المطلقة» لبلياني (ص ٠‏ *7)» وعند ابن عربي أن «كل موجود فما له من الله إل ربه خاصة» 
(الفصوصء ١‏ ص١2)45.‏ وأن الولي المحمدي - الذي يتجلى له الاسم الجامع للأسماء 
الإلهية - هو الوحيد الذي يسلك إلى الله تعالى عن طريق الأسماء الإلهية مجتمعة. 


www.alimamaltayeb.com 


۳۸ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
«فإن لم تقف معه رفع لك عن أستار كل شيء ومُعَلّمه [القلم أو العقل 
الكلي] فعاينت أثره؛ وعرفت خبره» وشاهدت انتكاسه0 )2 وتلقيه» وتفصيل 
معيلة هن القلاك التو 0 
«فإن لم تقف معه رفع لك عن المحرك [القلم])» وهو يمين الله. 
وفي هذه المرحلة يعاين السالك عالّم أرواح الملائكة المهيّمين أو 
الأرواح الملائكية والقلم واحد من هذا النوع أيضًاء وهؤلاء المهيمون 
(۱) للقلم توجهان متبادلان: أحدهما قابل» والآخر فاعل» فهو حين يتوجه إلى الله تعالى 
يتلقى من لدنه العلوم الإلهية بطرق الإجمال» وحين يتوجه الوجهة الأخرى المقابلة 
ينقش ما تلقاه في اللوح المحفوظ بطريق التفصيل. 
() يبدو ها هنا نوع من التناقض بين إشارة ابن عربي إلى وجود «الملك النوني» وبين قوله 
في عقلة المستوفز (ط. نيبرج» ص :)٥ ٩‏ «وليس فوق القلم موجود محدث يأخذ منه» 
يعبّر عنه بالدواة وهي النون» كما ذكره بعضهم». 
وحقيقة الأمر أن كلمة «نون»» التي تطلق - باشتراك- على الحرف: «ن»» وعلى 
الدواة الإلهية (المشتملة على الحروف التي ينقشها القلم في اللوح المحفوظ) لا ينبغي 
أن نفهمها على أنها اسم لمسمى مستقل أو منفصل؛ بل ينبغي فهمها بما هي رمز دال 
على القلم نفسه» ولكن باعتبار ما يشتمل عليه في ذاته من العلوم بطريق الإجمال من 
غير تفصيل»» وهذه العلوم لا تظهر مفصلة إلا في اللوح المحفوظ. انظر في هذا الفرق: 
اصطلاحات الصوفية» رقم ۱۳۸ .١5٠‏ 
وانظر فيما يتعلق برمز الحرف (نون»» الفتوحات» »١‏ ص 57., 5 20 وأيضًا: 
René GUÊNON: Les symboles fondamentaux de la science‏ 
Sacrée, Paris, 1962, chapitre XXIII.‏ 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۳4 
الغارقون في الجمال والجلال الإلهيين لا يشعرون بشيء؛ حتى إنهم 
ليجهلون هذا العالم الموجود أو أن الله خلق العالم» والشيء نفسه يقال على 
«الأفراد»» وهي طبقة تماثل - في النوع الإنساني- طبقة المهيّمين» فهؤلاء 
الأفراد غارقون أيضًا في الجمال والجلال لا يشعرون بشيء» اللهم إل إذا 
كلّفوا أمرا يعود بهم إلى الخلق» والقطب - كما سبق أن رأينا مَك من بين 
أمثلة أخرى لهؤلاء الأفراد. 

فإذا استطاع الولي أن يقاوم رغبة التوقف عند كل مرحلة من مراحل 
السير» - التي لا يكف ابن عربي عن التذكير بخطورته» بشكل ثابت في مفتتح 
كل فقرة من فقرات رسالة الأنوار - فإنه بذلك يبلغ مقام القربة» والولاية 
المطلقة التي يختمها عيسى ي في آخر الزمان» والمرتبة الوحيدة التي 
تمتنع عليه» منذ موت «ختم الولاية المحمدية» هي مرتبة المركز» وهي 
رتبة مدخرة للورثة المحمديين» أي الذين يرثونه ييه وراثة كاملة» لكن 
معرفة الولي وشعوره بالقرب يستلزمان -أولا- شعوره بوجوده وكينونته 
هوء فلا يزال هناك - بالنسبة للمخلوق- شعور بالذات وباستقلالها في 
الوجود؛ والقرب الحقيقي لا يتم إلا بالفقد التام لكل ما سوى الله تعالى» 
فليس ثمة من حقيقة إلا حقيقة واحدة» هي حقيقة الوحدة الإلهية المطلقة. 


امسو و م ب 


www.alimamaltayeb.com 


۰ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
بت ثم أحضرت ثم جمعتَ). 

ها هنا يكتمل طرفا الحلقة» وها هنا تتم الولادة الثانية» ويعود السالك» 
وهو في نهاية المعراج» كيانًا قاصرًا على السر الإلهي السرمدي الذي أودعه 
الله فيه منذ بدء الخليقة منذ نفخ من روحه في طينة آدم". 

ثم يقول ابن عربي في كتاب الإسرا: «فإذا رفع لك سر السر» واتصل 
الشفع بالوتر» كان هوء ولا أنت... فرأى نفسه بنفسه». 

وإذا كان الوصول هو نقطة المنتهى في السفر الروحي لقلوب الأولياء 
فإنه بالنسبة إلى الكاملين منهم ليس كذلكء وإذا كانت كلمة «معراج» تطلق 
في اللغة العربية على السَلّم» فالمقصود به هنا هو السّلّم المزدوج» المعَدٌ 
للصعود وللنزول أيضًاء فإذا بلغ الولي قمة صعوده فلا بد له من العودة 
نازلا على درج آخر مختلف عن الدرج الذي ارتقى عليه» وإن كان موازيا 
له» ومتسقا معه. 

لاثم ترد على مدرجتك» فتعاين کل ما عايتته مختلف الصور» حتى ترد 
إلى عالم حسك» المقيّده الأرضبية ار تك كيك تة 

وإذن» على الولي أن يشرع - من جديد- في اختراق درجات الوجود 
الكلي» وأن يعاين مرة ثانية - ولكن على نسق معاكس لنسق الصعود 


(0 انظر فيما يتعلق بنفخ الروح» الفتوحات» »١‏ ص18١.‏ 
(۲( كتاب الإسراء» ص٤٤‏ . 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش فق 
- ترتيب السماوات» بحيث یری كل ما رآه من قبل في صعوده» غير أن 
الأشياء التي رآها من قبل يراها الآن في صور أخرى؛ لأن ما رآه من قبل 
بعين نفسه» يتأمله الآن بعين ربه» وفي كل مرحلة يتوقف فيها الولي من 
مراحل نزوله» يأخذ منها ما كان قد تركه منها من قبل في صعوده من أجزاء 
نفسه وهذه الاستعادة المتتظمة التي يسترد بها الولي ما كان قد خلّفه وراء 
طبري ا تعدا اغا قله أن ا الى حال ماه اله كنا 
يمثل شارح الرسالة في تصويره الأخاذ: «فأخذ يلبس الثياب التي خلعها 
مرة ثانية» لكن لا على الوجه الذي لبسها أول مرة؛ لأنه لما خلعها ما رفعها 
فو ا مو الما تسارت كلو اهرها و اطا وب اها ف اجره 
فلما لبسها في المرة الثانية لم يقبلها حتى تعود إلى حالها الأول؛ بل لبسها 
كذلك» وهكذا: فإن ما كان معوجًا يصبح مستقیمًا» وما كان مستترًا يغدو 
ظاهرا. 

هذاء ويكتسب الولي في عودته كل العناصر المقومة لوجوده» والتي 
كان قد خلّفها من قبل» وأعادها إلى عوالمها الخاصة بهاء غير أن هذه 
العناصر قد تغيرت الآن» وتحولت تبعا لتحول الولي» وانقلاب ذاته. 

وينبغي أن نعلم أنه ليس كل ولي يقسم له الوصول لهذه المرتبة 
القصوى التي يمثلها مقام القربة» ولا كل ولي يبلغ هذه المرتبة يعود منها 
نازلا إلى الخلق؛ لأن صور التحقق الروحي تختلف من درجة إلى أخرى 


www.alimamaltayeb.com 


۲ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
في درجات العودة اختلافا يتناسب بدقة مع اختلاف النماذج النبوية التي 
يمثلها وارثوهم من الأولياء. 

وهذه السمات أو القسمات المختلفة التي يرسمها ابن عربي» والتي 
تصف سفر قلوب الأولياء إلى الله تعالى» يؤكدها ابن عربي مرة أخرى في 
الل الال 

«وغاية كل سالك مناسبة لطريقه الذي عليه سلك» فمنهم من يناجى 
بلغته» ومنهم من يناجّی بغير لغته» وكل من نوجي بلغة» أية لغة كانت» فإنه 
وارث لنبي ذلك اللسان» وهو الذي تسمعه على ألسنة أهل هذه الطريقة أن 
فلانا موسوي أو عيسوي أو إبراهيمي أو إدريسي». 

فها هنا كل لغة تمثل صورة خاصة من صور الوحي الإلهي أو صور 
الإلهام الذي يتنزل من الله تعالى على قلوب عباده» والذي يحدد بدوره 
تيتا فعينا فى الدعرفة والعيادة معا 

بيد أن هناك من الأولياء- وكما عرفنا من قبل- من يجمع في إرثه 
بين أكثر من أنموذج نبوي واحد: «ومنهم المناجى بلغتين وثلاثة وأربعة 
فصاعداء والكامل من يناجى بجميع اللغات» وهو المحمدي خاصة». 

وهذا المحمدي الذي يناجى بجميع اللغات» والذي يوصف- تبعا 
لذلك- بالمفسّر الوحيد للحقيقة الكلية في جميع وجوهها وعلى اختلاف 


مظاهرهاء هذا الأنموذج المحمدي هو ابن عربي نفسه» ونحن قد أشرنا 


www.alimamaltayeb.com 


على شود کیفیتش ۲ 
من قبل في الفصل الخامس من هذا الكتاب» إلى كتابه العبادلة» وهو من 
أعقد نصوص ابن عربي» وأحفلها بالغموض والإلغازء وهذا الكتاب لم 
يُدرّس حتى الآن فيما نعلم» ولفظ عبادلة لفظ نادر الاستعمال» وهو جمع 
غير قياسي لعبد الله» وعلى طول هذا الكتاب الغريب تطالعنا عبارات 
ذات طابع ميتافيزيقي أو سلوكي روحاني» تنسب إلى حوالي مائة شخص 
يسميهم ابن عربي بأسماء غريبة لا يُشك في أنها أسماء رمزية» وربما كان 
من العبث محاولة تحقيق هذه الأسماءء» وتطبيقها على شخصيات معروفة 
في تاريخ التصوف. 

لكننا نستطيع أن نقول» وكما توحي به الإشارات الواردة في مقدمة 
هذا الكتاب» إن الصوت الذي يتحدث من وراء هذه الأقنعة المموهة هو 
صوت ابن عربي» المترجّم في هذا الكتاب» فهو عبد الله الاسم الجامع 
لمراتب العلاء وهو «ابن جامع عن أبي مقيد» ولذا كان الترجمان الجامع 
للألسنة»””. 

«فما دام في غايته فهو الواقف. ما لم يرجع» فإن منهم المستهلك في 
ذلك المقام كأبي عقال وغيره”"» وفيه يقبض ويحشر. 
)١(‏ كتاب العبادلة» القاهرة ١979‏ ص79. 
(۲) هذا الولي المجذوب الذي عاش مربوطًا بعقال في مكة لسنوات كثيرة دون طعام ولا 


شراب» ذكره ابن عربي في مواضع كثيرة من كتبه. انظر الفتوحات» ١‏ . ص58 27 ۱١٥۲؛‏ 
مواقع النجوم» ص۸۱. 


www.alimamaltayeb.com 


8 الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 

«ومنهم المردود» وهو أكمل من الواقف المستهلك» بشرط أن يتماثلا 
في المقام [..] اذ يعيش المرذود التازل عن مقام المستهلك» حتى يبلغ 
مرتبة المستهلك» ويزيد عليه في التداني» ويزيد عليه في التدلي» ويفضل 
عليه في الترقيء فيفضل عليه في التلقي”". 

وأما المردودون فهم رجلان منهم من يرد في حق نفسه» وهو النازل 
الذي ذكرناه» وهذا هو العارف عندناء فهو راجع لتكميل نفسه من غير 
الطريق الذي سلك عليه. 

«ومنهم من يرد إلى الخلّق بلسان الإرشاد والهداية» وهو العالم 
الوارث)”". 

وھ او رظهر ها مفهوم «الرجوع» الذي ارا الت أهميته في 
مناسبات عدة من هذا الكتاب» ليمثل حجر الزاوية في الولاية وفهم 
حقيقتها. وما يذهب إليه ابن عربي في هذا الشأن مطروح بصورة قوية 
منذ بداية كتاباته الأولى؛ ففي رسالة الولاية» التي ألفها ابن عربي وهو في 
سن الثلاثين» نجده يؤكد على ما بين هذه الثنائيات المترددة بين الوقوف 
والرجوع» والعالم والعارف» من فروق» فيقول: «منهم من رجع [إلى الخلق]» 


(1) فيمايتعلق بهذه المصطلحات الأربعة التي تحدد صور التحقق الروحي» انظر الباب: ٠۳١‏ 
من الفتوحات (۳» ص »)١١94-1١1١5‏ واصطلاحات الصوفية» رقم ٠١١١۱۲٤١۱۲۳‏ . 

(؟) على غير عادة الأغلبية العظمى من المؤلفين المسلمين» يضع ابن عربي العلم الذي 
صفة إلهية والعالم» في مرتبة أعلى من المعرفة والعارف» انظر الفتوحات» ۲» ص8١‏ ”7 
وانظر أيضًا من الكتاب نفسه: »١‏ ص٦۳٦‏ 717. 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۵ 
ومنهم من لم يرجع» ومنهم من اختير له المقام» فمن لم يرجع اصطلحنا 
على تسميته واقفاء ومن رجع انقسم على ضربين» رجوع خصوص» 
ورجوع عموم» فالخاص [أي الراجع لنفسه فقط] سميناه عارفاء والعام سميناه 
عالما وارثا». 

وبرغم أن ابن عربي يُعَدَ أول من تناول مفهوم «الرجوع» بالتوضيح 
والبيان» واستخراج ما ينطوي عليه هذا المفهوم من دلالات وإشارات» 
سواء بالنسبة إلى نهج الولاية ذاتها أو بالنسبة إلى التجربة الروحية للولي 
نفسه - فإننا نؤكد هنا على حقيقة ظهور هذا المفهوم - كمظهر من مظاهر 
الولاية في أقوال قدامى الآولياء وكتاباتهم» بل نجده - بوجه خاص- 
متضمّنا في الأنموذج المحمدي» مثله في ذلك مثل سائر المظاهر والوجوه 
الأخرى للولاية. 

ونعود إلى النص الذي اقتبسناه من رسالة الولاية» لتتابع ابن عربي 
وهو يذكر عبارة من عبارات الشيخ أبي مدين» نراها ذات دلالة دقيقة فيما 
نحن بصدده» يقول ابن عربي: «وكان الشيخ أبو مدين بء يقول: من 
علامات صدق المريد في بدء إرادته فراره عن الخلق» ومن علامات فراره 
عن الخلق وجوده للحق» ومن علامات صدق وجوده للحق رجوعه إلى 
الخلق». إن هذا الرجوع - فيما يقول ابن عربي- «هو كمال مقام الوراثة؛ 
لأن مقام الفرار من الخلق إنما يتحقق به الولي الوارث اقتداء بالنهج 


www.alimamaltayeb.com 


۳٦‏ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
النبوي» وسلوكا على مدرجته» وذلك أن رسول الله َء اعتزل في أول 
نشوئه المبارك [...] بغار حراء للتحنث به قبل نزول الوحيء أما بدء الوحي 
فيمثل انتهاء طور الصعود من أطوار مدارج النبوة» وهو طور يتلوه بعد ذلك 
طور الرجوع لهداية الخلق, فلما بلغ النبي بيا الأشد أرسل إلى جميع 
الخلق». 

ولا ينسى ابن غربي أن يذكرنا بن «كمال مقام الوراثة» عند الولي 
يقتضى مناسبة دقيقة بين سير الوارث وسير الموروث. وهو النبي الذي 
يرث منه الولي وراثة مباشرة أو غير مباشرة”©. 

«وليس كل داع وارثا على مقام واحد [...] فمنهم الداعي بلغة موسى 
أو عيسى أو سام أو إسحاق أو إسماعيل أو آدم أو إدريس أو إبراهيم أو 
يوسف أو هارون أو غيرهم» وهؤلاء هم الصوفية» وهم أصحاب أحوال 
بالإضافة إلى السادة منا». 

«ومنهم الداعي بلغة محمد جي وهم الملامية» أهل التمكين 
والحقائق». 

وكنا قد تحدثنا عن الملامية في موضع سابق» وأشرنا إلى أن ما يميز 
الملامي عن الصوفي» ويظهر معنى «الملام» الذي ينتسب إليه الملامي» 
وهو رفضه للخروج عن مقتضيات مجارى العادات وقوانين العلل 
والأسباب في عالم الطبيعة» وكذلك رفضه لتمزيق الأستار والحجب التي 


)١(‏ رسالة في الولاية» ص58-570. 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۷ 
تختبئ وراءها أسرار الحضرة الإلهية» ولأن الملامي يحفظ السر الإلهي 
فإن الله تعالى يحفظ سره» ولأنه على معرفة بالله تعالى فإنه يعرف الله 
في كل شيء» ولكن لأن الشرع يقتضي العبودية فإن الملامي يحفظ سر 
سيده» وما يتفرد به الملامي من وجود روحاني شفاف يكشف عن الحضرة 
الإلهية» ويوحي بها إلى الآخرين ممن لهم أعين يبصرون بها. 

والملامي - بما يتضرر به من خضوع تام لقوانين الأشياء في العالم 
الطبيعي- وهو الوحيد المهياً للوفاء بشروط «الرجوع» إلى الخلق 
ومقتضياته» فبدون هذه الميزة لا يكون الولي كاملاء بل يكون نصف ولي» 
وهذه الصفة «نصف ولي» ربما تبدو صيغة مبالغا فيهاء لكنها كانت كافية في 
نقل كلمات النبي هارون التي خاطب بها التابع في السماء الخامسة» وبتعبير 
آخر مباشر كانت كافية للتعبير عما يريده ابن عربي نفسه من قوله في كتاب 
الفصوص عن إلياس ه: «فكان على النصف من المعرفة بالله»» لآنه كان 
«عقلا بلا شهوة)"'» وإذا كان العقل مجردًا كانت معرفته بالله على التنزيه لا 
على اا 

ومع ذلكء فالله هو الأول والآخر والظاهر والباطن» والولي الواقف- 
وهو الولي الساكن الذي لا يتحرك أبدا من المرتبة القصوىء» التي وصل 
إليها في معراجه - لا يعرف الله إلا من خلال اسمه تعالى «الأول»؛ واسمه 
الباطن» وكما ينص القرآن الكريم - أيضًا- فإن الله لم يخلق هذا العالم 


لك الفصوص» ۱> ص۱۸۱. 


www.alimamaltayeb.com 


۸ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
عبثا (المؤمنون: )١١0‏ ولا خلقه باطلا (آل عمران: .)١9١‏ 
وإذن» فلا جرم أن يكون هذا العالم - في حقيقة أمره -محلا للتجليات 
الإلهية» وللظهور الدائم للكنز المخفي المذكور في الحديث القدسي» 
إنه المكان الذي يستفاد منه النصف الثاني لمعرفة الله تعالى» وهو النصف 
المعرفي أو النصف الثاني للمعرفة» وهو جوهر الولاية وحقيقتهاء وهكذا 
وصفها بحال» وهي مرتبة قاب فَوْسَيْنِ أَوََدَقَ )) التي يشير إليها القرآن 
وهذا التكامل هو المحتوى الرمزي والإشاري لمناسك فريضة 
الحج» التي تعد هي الأخرى وجها آخر للمعراج الروحاني» فها هنا يطوّؤف 
المحرم في حركة دائرية حول الكعبة» بيت الله الواحد الأحد. الذي لا 
ثاني ولا شريك له» ثم سرعان ما ينخرط - بعد ذلك- في حركة أخرى 
مزدوجة ومستقيمة ذهابا ورجوعا بين جبلي الصفا والمروة'". 
)١(‏ فيما يتعلق بهذا الحديث الذي يرد كثيرا في كتابات ابن عربي» انظر على وجه 
الخصوص: الفتوحات» ۲ ص ۰۲۲۲ ۰۳۹۹ "7 ص17 7. 
(5) يتخذ ابن عربي من الآية الكريمة: ف( © إدَّألصَمَولْمَروة من سَعل اه 4 [البقرة: ]١14‏ 
موضوعا لتفسيرات ضوقية عرفائية لا يمكن لتا تلخيصها هنا بطبيعة الحال» (انظر 
الفتوحات» ۱» ص ۷۰۸- ۷۱۱؛ تفسير القاشاني» بیروت» »١ ١945/4‏ ص )٠١٠١‏ لكننا 


نشير منها - في اختصار- إلى أمرين أساسين في الآية الكريمة: الأول أن الصفا والمروة 
ذكرتا كجزأين من شعائر الله» مما يعني أن هذين المكانين- طبعا لما يدل عليه = 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۳۹4 
وإذا رجعنا إلى رسالة الآنوار» وجدنا أن عنوانها الفرعي - كما ذكرنا 
في بداية هذا الفصل- يوحي بأن الخلوة هي موضوع هذه الرسالة» غير 
أن الخلوة- وإن بدت في مقدمة نص الرسالة شرطا ضروريا لا مفر منه 
للسالك في سلوكه إلى الله تعالى - فإنها تتعارض برغم ذلك تعارضا جذريا 
مع «الكمال» المنشود الذي هو الغاية القصوى من سير الولي وسلوكه؛ 
فالولي الحي» وهو في هذه الدنياء يعيش مع الناس» ومكانه بينهم» فإذا ما 
انتقل من هذه الدار فإن اتصاله بالناس لا ينقطع» بل يستمر -بروحانيته أو 
بوجوده الروحي - مختلطا بهم» مهموما بمصائرهم وأقدارهم. 
وإذن فالخلوة الحقيقية للولي إنما تكمن في خفاء نفسه واختبائه عن 
أعين الناس وهو ظاهر موجود بينهم» فهي «خلوة في جلوة»”2 كما تسمى 
في اللغة الفارسية» وكما نجدها أيضًا في الطريقة النقشبندية» بحسبانها 
قاعدة من القواعد القلبية» الإحدى عشرة» في سلوك هذه الطريقة. 
إن معراج الولي - كما يتجلى في صورته التي رسمها لنا شيوخ 
-أصل اللفظين- كيفيتان من كيفيات المعرفة بالله تعالى» الثاني» أن الذي يحج البيت 
أو يعتمر هو فقط الموصوف بأنه لا جناح عليه أن يطَّوّف بهذين الجبلين: وهذه الثنائية لا 
خطر منها إلا على من رجع من «الوحدة) ثم لم يكف عن مشاهدة «الوحدة) في الكثرة. 
(۱) يمكن أن نعد قوله تعالى: # ثم رَدَدْتَهُ ْمَل سَهلِينَ )€ [التين: 8]» أصلا يُفسر في 
ضوئه الرجوع إلى الكائنات» وهذه الآية وإن كانت تشير في معناها الظاهر» كما أشرنا 


من قبل» إلى هبوط آدم من جنة عدن إلا أنها يمكن أن تشير في بُعدها العرفاني إلى 
«كمال» الكائن الذي استحق برجوعه للكائنات الخلافة الإلهية في معناه الأتم. 


www.alimamaltayeb.com 


۰ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
الصوفية في عالم الرؤى والأحلام - يمكن أن نصفه بأنه سلم «يصعد 
نازلا» لما تقرر من قبل من «أن الطرق كلها مستديرة» ما ثم طريق خطى»» 
وكذلك هجرة الولي أو إبعاده - كما هو مصوّر من قبل في أنموذج هجرة 
النبي يي حين أخرجه قومه من الأرض المقدسة - لا تفصل أو تحول 
بين الولي وبين غايته القصوى من سعيه وبحثه» اللهم إلا في ظاهر الأمر 
الذي لا يمس جوهر الحقيقة من قريب أو بعيد؛ فهذا الذي يصل إلى نقطة 
المركز يعلم تماما أن كل النقاط الواقعة على محيط الدائرة إنما تتباعد 
بمسافة متساوية بينها وبين الله تعالى» وأن هذه المسافة «لا- مسافة» بل 
هي عدم وهو مىك أن متم © [الحديد: 4]. 

وإذا كانت الولاية في معناها الحرفي إنما تعني القرب» فإن هذا القرب 
هو قرب ثنائي أو قرب مزدوج؛ لأن الولي القريب من الله تعالى لا ينطبق 
عليه وصف القرب انطباقا تامًا إلا إذا كان قريبًا من عالم المخلوقات أيضاء 
ولذا نجد ابن عربي يوائم ويماثل بين الإنسان الكامل وبين الشجرة" التي 
#أصَلْها تات وفَعهَافى الما 450 [إبراهيم: 174 ففي قلب الولي تلتقي 
الأرض والسماء» ويجتمع الأعلى والأدنى» ويأتلف الحق والخلق» ولأن الولي 
وارث للحقيقة المحمدية فهو أيضًا - مثلها- يشكل برزخا بين بحرين» ومع أن 
الولي يمثل ما يشبه صمام أمن في النظام الكوني» ويمثل - ترتبا على ذلك- ما 
يشبه الأداة أو الوسيلة في يد «الجلال الإلهي» أو «القهر الإلهي» فإن وظيفته 


.١١5 اصطلاحات الصوفية» رقم‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


على شود كيفيتش ۴1 
الكونية - برغم كل ذلك» ومهما بلغت درجته في مراتب الولاية والأولياء- 
ترتبط أولا وقبل كل شيء بالرحمة التي وصفها القرآن الكريم في قوله تعالى: 
وق وب شىء [الأعراف: 155]. 

ومن هنا صح امتداد أثر «الفْوّة» عند الولي إلى عالّم المعادن والنباتات 
والحيوان» وإلى كل ما هو موجود'" 

وإذا كان دور «القطب» إنما يمثل - تحديدا- مهمة «المحور الأرضي» 
فإن الولي يشارك القطب» بصورة أو بأخرى, في هذه المهمة» وإذا كانت 
«الولاية» باقية ومستمرة في الحياة الآخرة فإنها تنتهي بالضرورة من عالم 
الحياة الدنياء ومع مجيء خاتم الولاية الأول ينغلق باب المرتبة 
من مراتب الولاية» ويصبح الوصول إلى المرتبة الأكثر كمالا من مراتب 
الولاية أمرا a‏ الأبد. ومع مجيء الخاتم الثاني ينغلق تماما باب 
مقام القربة» وإذا قبض الله روح الخاتم الثالث» الذي هو آخر مولود في 
النوع الإنساني» «بقي من بقي مثل البهائم لا يُحلون حلالاء ولا يحرمون 
راما 

وهنا أيضًا يُرفع القرآن الكريم - أو أخ الإنسان الكامل- في ليلة 
واحدة من صدور الناس» ومن سطور المصاحف”» هنا أيضًا تضمحل 
)١(‏ الفتوحات» ۲» ص387. انظر أيضًا: الفتوحات» »١‏ صغ 5 7. 
(۲) انظر هامش رقم ۲ ص۳١٠‏ من الفصل الثامن من هذا الكتاب» ومصادر هذه الفقرة من 


() ورد في الأحاديث النبوية أن رفع القرآن علامة من علامات الساعة (ابن ماجه» فتن» 


www.alimamaltayeb.com 


۲ الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبرمحيي الدّين بن العربي 
وتفنى كل رابطة تصل الأرض بالسماء» ويغدو العالم كوا جامدًا مخبولاء 
مختل الفكر» مبلبل الشعورء وسرعان ما يأخذ خطوته الأخيرة - بعد ذلك 
- نحو هاوية الفناء؛ إنَّ نهاية الأولياء ليست أمرّا آخر وراء نهاية العالم: 


7 أنظر أيضا: الشعراني» مختصر تذكرة القرطبي» القاهرة دون تاريخ» ص777. 
وفيما يتعلق بتشبيه القرآن الكريم والإنسان الكامل بالأخوين» انظر هامش ١‏ ص .٠١٠١‏ 


www.alimamaltayeb.com 


www.alimamaltayeb.com 


Mashykhat Al-Azhar 
Al-Azhar's Senior Scholars Council 
Logic, Theology and Philosophy Book Series 


مجلس حكماء المسلمين )15( No.:‏ 


Muslim Council of Elders 


Sainthood and Prophecy 
as Seen by Grand Sheikh Ibn Arabi 


By 
Alı Chodkiewicz 
Translated from French with a Preface 
Translated by 
Ahmad At-Tayyeb 
Grand Imam of Al-Azhar 
Chairman of the Muslim Council of Elders (MCE) 


16 
الحكماء للنسم 


3 
Alhokama Publishing 


www.alimamaltayeb.com 


www.alimamaltayeb.com 


52112111000 and Prophecy 
as Seen by Grand Sheikh Ibn Arabi 


www.alimamaltayeb.com 


